بورصة مسقط.. ثقة دولية

 

 

 

عمر الكندي

في خطوة تعكس تنامي الثقة في تطور السوق المالية العُمانية وقدرتها على استيفاء المعايير الدولية، أعلنت مؤسسة «فوتسي راسل»، في 6 أكتوبر 2026، إدراج سلطنة عُمان على قائمة المراقبة تمهيدًا لاحتمال انتقال تصنيف سوقها من سوق حدودية إلى سوق ناشئة ثانوية.

وتأتي الخطوة ضمن نتائج المراجعة السنوية لتصنيفات الأسواق التي تجريها المؤسسة العالمية، لتضع السوق العُمانية أمام مرحلة جديدة من التقييم، بعد أن أكدت «فوتسي راسل» استيفاء السلطنة لمتطلبات جودة الأسواق، إلى جانب متطلبات الحد الأدنى المتعلقة بحجم السوق وعدد الأوراق المالية المؤهلة.

ولا يمثل هذا التطور مجرد تعديل في التصنيف الفني للسوق، بل يحمل دلالة أوسع على المسار الذي قطعته السلطنة في تطوير بنيتها المالية والاستثمارية، وتعزيز قدرتها على الاندماج بصورة أكبر في منظومة الأسواق العالمية.

وخلال السنوات الماضية، شهدت بورصة مسقط مجموعة من التطورات الهادفة إلى رفع كفاءة السوق وتعزيز جاذبيتها أمام المستثمرين، بالتوازي مع جهود تطوير البيئة التنظيمية وزيادة عمق التداول وتوسيع قاعدة الشركات والأدوات الاستثمارية.

ويأتي تقييم «فوتسي راسل» ليعكس جانبًا من هذه التحولات، خصوصًا أن تصنيفات المؤسسات الدولية لا تعتمد على مؤشرات الاقتصاد الكلي وحدها، وإنما تنظر أيضًا إلى جودة السوق، وإمكانية الوصول إليها، وكفاءة البنية الأساسية، والسيولة، واستقرار الأطر التنظيمية.

ومن هذه الزاوية، فإن إدراج عُمان على قائمة المراقبة يمثل نتيجة لمسار إصلاحي متواصل أكثر من كونه حدثًا منفصلًا، ويؤكد أن تطوير السوق المالية أصبح جزءًا أساسيًا من عملية التحول الاقتصادي التي تشهدها السلطنة.

وتكمن أهمية هذه الخطوة كذلك في انعكاساتها المحتملة على تدفقات رؤوس الأموال. فتصنيفات الأسواق العالمية تلعب دورًا مهمًا في قرارات الصناديق الاستثمارية والمؤسسات التي تعتمد على المؤشرات الدولية في بناء محافظها وتوزيع استثماراتها.

وفي حال استكمال الإجراءات والوصول إلى التصنيف المستهدف، فإن السوق العُمانية قد تصبح أكثر حضورًا لدى شريحة أوسع من المستثمرين الدوليين، بما قد يدعم السيولة وأحجام التداول ويرفع مستوى الاهتمام المؤسسي بالشركات المدرجة.

وكان الرئيس التنفيذي لبورصة مسقط، هيثم بن سالم السالمي، قد أشار إلى تقديرات أولية بإمكانية دخول نحو 175 مليون ريال عُماني إلى السوق في حال إتمام عملية الإدراج ضمن مؤشر «فوتسي راسل»، مع ارتباط حجم التدفقات الفعلية بالوزن الذي ستحصل عليه السوق العُمانية في المؤشر.

ولا تقتصر أهمية التدفقات المحتملة على حجمها المباشر؛ إذ إن اتساع قاعدة المستثمرين المؤسسيين يمكن أن يسهم في تحسين عمق السوق وتعزيز كفاءة التسعير، كما قد يشجع مزيدًا من الشركات على دراسة خيارات الإدراج والاستفادة من سوق رأس المال في تمويل توسعاتها.

ويأتي هذا التطور في سياق أوسع من التحولات الاقتصادية التي تعمل عليها سلطنة عُمان في إطار رؤية عُمان 2040، والتي تضع تنويع الاقتصاد، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتحسين بيئة الاستثمار، وتطوير القطاع المالي ضمن أولوياتها.

وقد ساهمت الإصلاحات المالية والاقتصادية خلال السنوات الماضية في تعزيز الاستقرار المالي وتحسين مؤشرات الاقتصاد الكلي، بالتزامن مع خطوات لتطوير التشريعات والأنظمة المرتبطة بالاستثمار وسوق رأس المال.

وفي هذا السياق، فإن تطور السوق المالية لا ينفصل عن نمو الاقتصاد الحقيقي؛ فكلما توسعت قاعدة الشركات، وتحسنت مستويات الحوكمة والإفصاح، وتعززت حماية المستثمرين، أصبحت السوق أكثر قدرة على جذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية.

ومع أن إدراج السلطنة على قائمة المراقبة يمثل مؤشرًا إيجابيًا، فإنه لا يعني أن المسار قد اكتمل. فالمرحلة المقبلة ستتطلب المحافظة على الزخم الإصلاحي، وتعزيز السيولة وعمق السوق، وزيادة الأسهم الحرة، وتوسيع قاعدة الشركات المؤهلة، والاستمرار في تطوير البيئة التنظيمية بما يتوافق مع متطلبات المستثمرين العالميين.

وبالنسبة إلى سلطنة عُمان، فإن أهمية هذه الخطوة تتجاوز حدود المؤشرات المالية؛ فهي تعكس انتقال السوق العُمانية تدريجيًا إلى مساحة أكبر من الحضور الدولي، وتمنح الإصلاحات التي شهدها القطاع المالي خلال السنوات الماضية مؤشرًا خارجيًا يمكن البناء عليه.

وفي نهاية المطاف، تبقى النتيجة الأهم في قدرة السوق على تحويل هذا الاهتمام الدولي إلى استثمارات مستدامة، وشركات أكثر تنافسية، وسيولة أعمق، واقتصاد أكثر تنوعًا. أما وضع عُمان على قائمة المراقبة لدى «فوتسي راسل»، فيمثل محطة مهمة في هذا الطريق، ورسالة بأن بورصة مسقط تقترب خطوة بخطوه من ترسيخ حضورها على خريطة الأسواق العالمية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z