بين اثنين كلاهما أنا

 

 

 

 

أحمد الحضرمي

أسأل نفسي هذه الليلة، ولا أنتظر جوابًا سريعًا:

لماذا أجد في داخلي من يقول «نعم» ومن يقول «لا» في اللحظة نفسها؟ ولماذا يبدو كلاهما صادقًا؟ أهذا تناقض، أم ازدواجية، أم أن الكلمتين أضيق من أن تصفا ما يجري؟ وإذا كان في داخلي حبٌّ وكره، فمن الذي يحمل الحب؟ ومن الذي يحمل الكره؟ هل هما اثنان، أم واحد بوجهين؟

وإذا كانا اثنين، فمن أنا بينهما؟

قرأتُ في كتاب لأفلاطون، أظنه «فايدروس» إن لم تخنِّ الذاكرة، أنه شبّه النفس بعربة يجرّها جواد نجيب وجواد جامح، وسائقها يحاول أن يوجّههما معًا. وقرأتُ لأوغسطين في «الاعترافات»، وأنقل المعنى لا اللفظ، أن العقل يأمر الجسد فيطيعه، ويأمر نفسه فتقاومه.

أتعجّب. أحس أحيانًا أنني أول من وقف في هذا الموضع، وأنا في الحقيقة آخر من يقف فيه بعد قرون من الواقفين.

وفي القرآن ثلاثة أسماء للنفس: الأمّارة واللوّامة والمطمئنة. أسأل: أهي ثلاث نفوس في صدري، أم ثلاث لحظات في نفس واحدة؟ لا أعرف. لكنني أعرف أن الكتاب لم يتعامل مع الإنسان كأنه كتلة واحدة صافية.

وأسأل عن الأصعب: كيف يغلب ما لا يقبله المنطق ما يقبله المنطق؟ كنتُ أظن أن العقل ملك في داخلي وأن غيره رعيّة. ثم وجدتُ أنه في أحوال كثيرة مستشار، يُسمع صوته حين لا يعلو عليه صوت آخر. وقرأتُ في كتاب عن «التفكير السريع والبطيء» أن في الإنسان نظامين، أحدهما سريع تلقائي ينفعل قبل أن نفهم، والآخر بطيء يتأمل بعد أن يقع ما وقع. وقد لا أذكر الأمثلة بدقة، لكنني أذكر الفكرة: أن الأسبق ليس الأصدق، وأن الأعلى صوتًا ليس الأحق.

وتوقفتُ عند كلمة في سورة آل عمران: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾. لم تقل الآية إن الشهوات قوية، بل قالت «زُيِّن»، أي جُمِّل وأُلبس ثوبًا حسنًا. فلعل الشعور غير المنطقي لا يغلب لأنه أقوى، وإنما لأنه يأتي متزيّنًا. والمنطق يأتي بلا زينة، فمن يستمع إليه؟

وفي سورة البقرة: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾. فالحب لا يشهد أن الشيء خير، والكره لا يشهد أنه شر. هما شعوران صادقان في حقيقتهما، ولا يُؤتمنان على الحكم.

وسأقول لنفسي ما أعرف أنني سأقوله: «هذه رغبة، لا حاجة». وقد أتفق معه. لكنني أسأل: وما الفرق، ولماذا تبدو الرغبة حاجة؟

أرى، ولعلي أخطئ، أن الحاجة تسكت إذا شبعت، وأن الرغبة تطلب المزيد حين تُطعَم. غير أن هذا الفرق لا ينفعني وقت الشدة، فالرغبة حين تشتد تتكلم بصوت الحاجة وتقول «لا أستطيع أن أعيش دونه».

وأحيانًا لا أدري هل أحتاج الشيء نفسه، أم أحتاج ما يوقظه فيّ: أمانًا، أو اعترافًا، أو صورة أحبها عن نفسي. فتلتبس الحاجة بالرغبة، وأدفع للشيء ثمن جوع آخر.

وكيف وصلنا إلى هذا الموضع؟ لا أذكر أنني قررتُ يومًا أن أضيع.

قرأتُ للغزالي في «الإحياء» أن للقلب قبل العمل أربع حالات: الخاطر، ثم الميل، ثم الاعتقاد، ثم الهمّ. وأن الخاطر والميل لا مؤاخذة فيهما لأنهما لا يدخلان تحت الاختيار. وفي الحديث الصحيح: «إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم».

فبدأ كل شيء بريئًا. خاطرٌ لم أختره. ثم أطعمتُه، فصار ميلًا، ثم صار اعتقادًا بأنني لا أستطيع، ثم صار همًّا. وكل خطوة كانت من الصغر بحيث لم تُنذرني.

وأفكر في البوصلة. ربما لم تفسد. ربما صارت قرب مغناطيس، فانحرفت عن الشمال وهي سليمة. وهذا يريحني ويخيفني معًا. يريحني لأنني لا أحتاج أن أحكم على نفسي بالفساد، ويخيفني لأن المغناطيس ما زال قريبًا.

ويُروى عن علي رضي الله عنه: «أحبب حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما، عسى أن يكون حبيبك يومًا ما». (وقد رُوي مرفوعًا إلى النبي ﷺ بأسانيد ضعيفة، والصحيح عند الترمذي أنه من قول علي، فأنقله على هذا.) كأن معرفة قديمة تقول: لا تسلّم قلبك كله لأي شعور، فالشعور يتبدل.

وأتذكر ما رواه مسلم أن النبي ﷺ قال: «إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرّفه حيث يشاء». ثم قال: «اللهم مصرّف القلوب صرّف قلوبنا على طاعتك». وإذا كان هو يدعو هذا الدعاء، فكيف أستغرب أن يتقلب قلبي؟ فأقول: لعل جزءًا من الجواب عن «من يحمل الحب؟» أنني لا أملك قلبي ملكًا تامًّا، وأن عليّ أن أسأل الله فيه.

وكيف نتعلم؟

لا أريد أن أتعلم بكراهية نفسي. وقد وقفتُ عند قول يوسف في القرآن: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾. لم يقل إنه سيّئ، ولم يقل إنه بريء. قال: لا أبرّئ نفسي. وهذا موقف أجد فيه ما أحتاجه: ألا أحتقرها ولا أعفيها.

ويُروى عن عمر: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا». ولا أجزم بلفظه ولا بثبوته، لكن الفكرة أعرفها في نفسي. وأتعلم من أسئلة صغيرة: متى بدأتُ أطعم هذا الخاطر؟ وأي جوع كنت أسدّه؟ وما الذي كنت أفعله قبل أن يلتبس عليّ الأمر؟

وأعود إلى كلمة سلمان لأبي الدرداء، وقد أقرّها النبي ﷺ بقوله «صدق سلمان»: «إن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعطِ كل ذي حقٍّ حقه». فلعل الدرس ألا أكسر نفسي ولا أطيعها: أعطيها حقها، ثم لا أسلّمها القيادة.

لا أعرف بعد من الذي يحمل الحب فيّ، ومن يحمل الكره. أعرف فقط أنني حين أسأل هذا السؤال أشعر أنني لست هذا ولا ذاك.

وقد يقول لي قائل: الذي يسأل صوت ثالث بين الأصوات. فلا أجادله الليلة. أتركه مفتوحًا.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z