هل مؤسساتنا مستعدة لثورة الإدارة المقبلة؟!

 

 

 

 

لامس بن محمد بن نبهان الرواحي

بالأمس القريب، كان الحديث عن الذكاء الاصطناعي يبدو أقرب إلى الخيال العلمي وأفلام الخيال منه إلى واقع نعيشه. أما اليوم، فقد أصبح واقعًا في تفاصيل متعددة من حياتنا اليومية، ونرى ذلك أيضا في الكثير من الأعمال الإدارية، بداية من إنجاز المهام إلى أساليب اتخاذ القرار. وبين مختلف التقسيمات الإدارية، وبما أن إدارة الموارد البشرية تتعامل مع أهم عنصر من عناصر المؤسسة ألا وهو العنصر البشري باعتباره رأس المال غير القابل للتقليد فإنها من أكثر الإدارات تأثرًا بهذا التحول في مختلف المجالات.

وعلى الرغم من وجود الكثير من التحديات التي تواجه دمج الذكاء الاصطناعي في عمليات إدارة الموارد البشرية إلا أن المؤسسات تتجه سريعًا وتبذل كل الجهد لدمج الذكاء الاصطناعي في وظائف وممارسات إدارة الموارد البشرية، وبشكل عام يشير تطبيق الذكاء الاصطناعي فيها إلى إمكانية استبدال الأنظمة التي يديرها الموظفون بأنظمة جديدة دون الإخلال بجودة الخدمة؛ حيث يمكن أن تساعد هذه التكنولوجيا في أداء ممارسات إدارة الموارد البشرية حيث بات من الممكن تحليل أعداد كبيرة من البيانات، وفرز طلبات التوظيف، والتعرف على المهارات والخبرات، وتحديد الاحتياجات التدريبية، ومساعدة الإدارة في قراءة مؤشرات الأداء بصورة أسرع وأكثر دقة.

وفي سلطنة عُمان، يأتي هذا التحول في وقت تتجه فيه السلطنة نحو بناء اقتصاد أكثر اعتمادًا على المعرفة والتقنية. ويتوافق ذلك مع مستهدفات رؤية عُمان 2040 وبرامج التحول الرقمي والاقتصاد الرقمي، التي تضع تطوير القدرات الوطنية والاستفادة من التقنيات الحديثة ضمن أولويات المرحلة المقبلة. ويستهدف البرنامج الوطني للاقتصاد الرقمي رفع مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي الإجمالي من 2% في عام 2021 إلى 10% بحلول عام 2040.

كما أن امتلاك التقنية وحدها لا يكفي؛ فالتحدي الحقيقي يبدأ عندما ننتقل من الحديث عن الذكاء الاصطناعي إلى تطبيقه داخل المؤسسات. وهنا تظهر مجموعة من الأسئلة المهمة: هل البنية التحتية للمؤسسة جاهزة؟ هل يمتلك الموظفون المهارات والخبرات اللازمة؟ هل توجد سياسات واستراتيجيات واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي؟ وكيف نضمن أن تكون القرارات التي تساعد التقنية في اتخاذها عادلة وتحافظ على خصوصية الموظفين؟

ولو أخذنا مجال التوظيف مثلًا، فالتوظيف هي عملية استقطاب موظفين جدد، واختيار وتعيين وتسكين الموظفين ويعتمد نجاح أي مؤسسة بشكل أساسي على موظفيها، لذلك يجب على المؤسسة أن تقوم بالبحث عن أفضل الموظفين أثناء عملية الاستقطاب فدمج الذكاء الاصطناعي يختصر الكثير من الوقت في فرز السير الذاتية وتحليل المؤهلات، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى صاحب القرار النهائي في اختيار الإنسان المناسب للوظيفة. فهناك جوانب لا يمكن اختزالها في البيانات، مثل الشخصية، والقدرة على التواصل، والقيم المهنية، ومدى الانسجام مع بيئة العمل.

والأمر نفسه ينطبق على تدريب وتطوير الموظفين، فبدل تقديم البرامج التدريبية نفسها لجميع الموظفين، يمكن الاستفادة من تحليل البيانات للتعرف على الفجوات المهارية وتحديد الموظفين الذين يحتاجون إلى تدريب وتطوير، ومن ثم تصميم برامج أكثر ارتباطًا باحتياجاته الفعلية وباحتياجات المؤسسة المستقبلية.

وقد يكون أكثر ما يثير القلق عند الحديث عن الذكاء الاصطناعي هو الخوف من أن يحل محل الإنسان. لكن السؤال الأهم ربما ليس: هل ستختفي بعض الوظائف؟ وإنما: كيف ستتغير طبيعة هذه الوظائف، وما المهارات التي سيحتاجها الموظف في السنوات القادمة؟

وفي سباق التحول الرقمي، تقع كثير من المؤسسات في فخ شراء أكبر عدد من البرامج والأنظمة الذكية في اعتقادها أنها بالشراء تضمن لها الصدارة لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير؛ فالمؤسسات الناجحة هي التي تعرف كيف تستخدم هذه الأنظمة لخدمة الإنسان وتطوير العمل. والذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة قوية، لكنه يظل بحاجة إلى عقل بشري يوجهه، ومسؤولية إدارية تراقبه، وقيم تحكم استخدامه.

ومن هنا.. فإنَّ مستقبل الموارد البشرية في عُمان لن يتحدد بمدى سرعة المؤسسات في شراء التقنيات الحديثة، بل بقدرتها على تحقيق التوازن بين التكنولوجيا والإنسان. فالمطلوب ليس أن نستبدل الإنسان بالآلة، وإنما أن نمنح الإنسان أدوات أفضل تساعده على العمل واتخاذ القرار وصناعة المستقبل.

وربما يكون السؤال الذي ينبغي أن تطرحه مؤسساتنا اليوم بسيطًا في كلماته، لكنه كبير في دلالته؛ فالذكاء الاصطناعي لا ينتظر أبواب مكاتبنا حتى يطرقها، فهل مؤسساتنا مستعدة للتغيير؟!

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z