د. سعيد بن سليمان العيسائي **
نعود مرة أخرى أيها القارئ العزيز بموضوع مِن مواضيعنا المهمة التي اعتدنا طرحها مُنذ سنوات.
موضوعنا اليوم يتصل بشقين أو موضوعين على غاية مِن الأهمية في المجالين التاريخي والثقافي، وهما الوجود العُماني في شرق إفريقيا، والعلاقات العُمانية المصرية.
وقد عقدنا للموضوع الأول صالونًا ثقافيًا بالقاهرة، شَارَكَ فيه عدد مِن الأساتذة والكُتاب العُمانيين والمصريين.
أما الموضوع أو الشق التاريخي فقد ألقيت فيه مُحاضرة باتحاد كُتاب مصر بالزمالك عام 2012 عندما كنت مُلحقًا ثقافيًا بالقاهرة.
موضوعنا هذا عن عَالِمٍ مِصري أزهري كان له دورٌ كبيرٌ في حركة التعليم في زنجبار، وهو الشيخ محمد محمد إبراهيم الدَّهان.
وُلِدَ الشيخ محمد محمد إبراهيم الدَّهان في 25 مارس 1917 بمدينة المحلة الكُبرى (شمال القاهرة) بمصر، وتلقى تعليمه الأولي في مدارس الهداية الإسلامية، ثُمَّ المعهد الأزهري بطنطا؛ حيث تفقَّه في المذهب الشافعي.
التحق بعد ذلك بالأزهر الشريف في القاهرة، وَدَرَسَ الفلسفة والمنطق، والحديث، وعلم النَّفس، والأخلاق، والتوحيد، وعُلوم القرآن، والسِّيرة النبوية، حتى نَالَ شهادة العالمية مع الإجازة في التدريس عام 1947، مما أَهَّلَهُ لتدريس العلوم الشرعية في الجامع الأزهر.
دورهُ في زنجبار
عُيِّنَ الشيخ الدَّهان مديرًا للمعهد الإسلامي في زنجبار سنة 1951 وكان عُمره آنذاك 33 عامًا؛ حيث كان له أثرٌ كبيرٌ في إنعاش حركة التعليم، ونشر الثقافة الإسلامية في الجزيرة، كما ساهم في الصحافة المحلية مِن خلال مقالاته في صحيفتي (النهضة) و(الفلق) وأحاديثه الإذاعية في الإذاعة الرسمية بزنجبار، مما عَزَّزَ مِن الوعي الديني والثقافي بين السُّكان.
شارك الشيخ الدَّهان في تحقيق كُتب التُّراث العُماني مثل كتاب (العقد الثمين نماذج مِن فتاوى نور الدين) للإمام الشيخ نور الدين السالمي، الذي صنّفه وَرَتَّبَهُ الشيخ سالم بن حمد بن سليمان الحارثي (1332هـ/ 1614م)، وَعَمِلَ الشيخ الدهان على مُراجعة أصول الكتاب، والإشراف على طباعته، مما ساهم في الحفاظ على التُّراث الإسلامي، ونشره بين المسلمين.
قَدَّمَ وراجع كتاب "النَّشأة المحمدية" في المولد النبوي للشيخ ناصر بن سالم بن عديم الرَّواحي الملقب بأبي مسلم البهلاني.
يقول الباحث محمد العيسري: "كان قدر المخطوط الأصل لكتاب ’النشأة المحمدية‘ لأبي مسلم ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرُّواحي (ت 1339 هـ) أن يعود مِن زنجبار إلى عُمان.
وهو محفوظ الآن بدار المخطوطات، وهذه النَّسخة ضمن مجموع بخط المؤلف نسخة 1337، يضم (الكنوز له أيضًا، وقصائد له في المديح النبوي".
وقد احتفى العُمانيون في المهجر الإفريقي وعُمان بـ(النشأة المحمدية)، وتوارت موالد أي مسلم الأخرى.
وهذا المعهد صرحٌ علمي سعت إلى تشييده حُكومة سلطنة زنجبار حينذاك التي كانت ما تزال تحت الحماية البريطانية، يرأسها السُّلطان خليفة بن حارب (1329– 380 هـ / 1901– 1960م)، وتخرج فيه عشرات الطلبة مِن العُمانيين وغيرهم.
وتقول الدكتورة هدى الزدجالي في كتابها عن الدور الثقافي للعُمانيين في زنجبار أن هذا المعهد كان يأتيه للدراسه طلاب من أقطار العالم الإسلامي من ضمنهن طلاب من جزر القمر وطلاب حضارمة.
ولم يكن المبنى المخصص للمعهد قد اكتمل سنة (1371 هـ / 1951 م) غير أنَّ الحكومة ارتأت الاستعجال في افتتاحه في مبنى مؤقت (يعرف بناية سميث).
عاد الشيخ الدهان إلى بلده في المحلة الكبرى وعين مديرًا للمعهد الديني بها، وزاره في بداية السبعينات من القرن الماضي وفد من علماء عُمان برئاسة المرحوم الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري المفتي السابق لسلطنة عُمان، ويقال إنه وجه له الدعوة لزيارة السلطنة الأمر الذي أكده أسامه الأزهري وزير الأوقاف المصري.
وفي السنة نفسها بعد اللقاء السابق بِأَشْهُرٍ وَقَعَ لقاء علمي جَمَعَ الشيخ الدَّهان بالقاهرة مع مشايخ عُمان الشيخ الأديب عبد الله بن علي الخليلي، والشيخ المفتي أحمد بن حمد الخليلي، والشيخ الأديب سليمان بن محمد السالمي، والشيخ المترجم سعيد بن سيف الحاتمي.
وقد تبادلوا في اللقاء وجهات النَّظر حول المدارس الفقهية الإسلامية، وسُبل التواصل بينها، وسُبل نشر التراث بشتى توجهاته ومدارسه الفكرية.
تُوفي الشيخ الدَّهان في عام 1992، ويقول عنه الدكتور أسامة الأزهري (وزير الأوقاف المصري) في مقابلة تليفزيونية: إنه سافر إلى زنجبار والصومال وسلطنة عُمان.
ويضيف الدكتور الأزهري أنَّ الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات كَرَّمَ الشيخ الدَّهان بِمِنْحَةِ وِسام العلوم.
وقدَّم الباحث سلطان الشيباني ورقة عن الشيخ محمد الدَّهان في ندوة "الأزهر وعُمان.. القواسم المشتركة"، التي عُقِدَت بجامعة السُّلطان قابوس عام 2012، وَدُعِيتُ لحضورها بصفتي الرَّسمية عندما كنت مُلحقًا ثقافيًا بالقاهرة.
وقد تمنّى عدد مِن علماء الأزهر، وعلى رأسهم صديقنا الأستاذ الدكتور عبد الحي عزب رئيس جامعة الأزهر الأسبق بأن تُعقد النسخة الثانية مِن الندوة في رحاب جامعة الأزهر، وأنا أضم صوتي لصوتهم، وأتمنى أن تُرى الدورة الثانية مِن هذه الندوة النُّور في القاهرة قريبًا بإذن الله.
دور السَّلاطين والعلماء في نشر العلم والمعرفة بزنجبار
ننتقل الآن إلى محور مهم مِن محاور مقالنا ألا وهو دور السَّلاطين والعلماء في نشر العلم والمعرفة بزنجبار وخارجها حسب ما سمحت به ظروفهم وإمكاناتهم.
ونبدأ أولًا بالسَّلاطين الذَّين كان لهم دور في هذا المجال، وهم السُّلطان برغش بن سعيد (1870- 1888)، والسُّلطان علي بن حمود (1902- 1911)، والسُّلطان خليفة بن حارب (1911- 1960) الذي تُعد مدة حكمه أطول مدة في حكم زنجبار، التي قد تصل إلى 39 عامًا تقريبًا، ولا أستبعد أن يكون لهؤلاء السَّلاطين الثلاثة، وبخاصة السُّلطان برغش، دورٌ في إرسال بعض المخطوطات والكتب الدينية والأدبية إلى "وكالة الجاموس" بالقاهرة لتكون وقفًا يستفيد منه طلاب العلم الإباضية القادمين للدراسة في الأزهر مِن جربة بتونس والجزائر وليبيا، وتوصف فترة حكم السلطان برغش وتصنف بالعصر الذهبي في مجالات عديدة، أهمها الجانب المعرفي والسعي لنشر العلم، وطباعة الكتب، والمخطوطات العُمانية والإباضية في مجالي الفقه والأدب، ليستفيد منها طلاب العلم، والباحثون في زنجبار وعُمان، وغيرها مِن أقطار العالم العربي والإسلامي.
وقد أسهمت مطبعة السُّلطان التي أنشأها السُّلطان برغش عام 1882 بدور كبير في مجالي الطباعة والنَّشر، وتُعدُّ هذه المطبعة مِن أقدم المطابع في الشرق الإفريقي إن لم تكن الأولى على الإطلاق.
وننتقل إلى السُّلطان الثاني، وهو السُّلطان علي بن حمود (1920- 1911)، ونذكر واحدة مِن مآثره التي تدل على اهتمامه بالعلم والثقافة، وهي مُراسلاته ومُكاتباته لزعماء الإصلاح والكُتَّابِ، والكاتبات والشعراء والشاعرات في العالم العربي، وبخاصة مصر وسوريا ولبنان واليمن والجزائر، ونُشير إلى كتاب مهم صَوَّرّ هذه الحالة، وهو كتاب (مراسلات زعماء الإصلاح إلى سلطاني زنجبار حمود بن محمد وعلي بن حمود البوسعيديين 1886م- 1919) الذي جمعه وحققه د. محمد بن ناصر المحروقي، وسلطان بن عبد الله الشهيمي، وقد قامت جامعة نزوى بطباعته ونشره.
وثالث هؤلاء السًّلاطين هو السُّلطان خليفة بن حارب (1911- 1960) الذي امتد حكمه لآكثر مِن 39 عامًا تقريبًا، وهي أطول مُدة حُكم في سلاطين زنجبار.
ومِن مآثره في المجال العلمي افتتاح المعهد الديني بزنجبار عام 1951، ودعوة الشيخ محمد الدَّهان موضوع مقالنا لإدارته.
ومِن مآثره الأخرى في المجال العلمي ابتعاث الطلبة للدراسة في الجامعات الخارجية كجامعات بريطانيا ومصر، وإن كانت هذه البعثات قليلة ومحدودة، نظرًا لقلة الإمكانات المتاحة آنذاك.
دور العلماء العُمانيين في نشر العلم والمعرفة بزنجبار
نود القول إنَّ أيَّ انتعاش علمي وثقافي لابد أن يتوافر له ركنان أساسيان هما تشجيع ودعم الحُكام، وقُدرة واستعداد العلماء على القيام بهذا الدور العلمي والتعليمي والثقافي الحيوي، وقد توافر هذان الركنان أو الأمران في زنجبار، فقد شَجَّعّ السَّلاطين في زنجبار الحركة العلمية بدءًا بالسَّلطان برغش بن سعيد بن سلطان، الذي أنشأ المطبعة السُّلطانية عام 1882، وقد أوكل مهمة الإشراف على طباعة الكتب والمخطوطات التي طبعت في المطبعة السُّلطانية وتصحيحها للشيخ يحيى بن خلفان أبي نبهان الخروصي (ت 1322هـ/ 1904م)، وللشيخ أبي مسلم ناصر بن سالم البهلاني الرواحي (ت 1339هـ/ 1920م).
ومِن الذين اعتمد عليهم السُّلطان برغش في هذه المهمة أيضًا الشيخ سالم بن محمد الرواحي، الذي عَمِلَ مُستشارًا لسَّلاطين زنجبار، وناسخًا لمخطوطات المذهب الإباضي.
وقد تواصل مع الشيخ الشَّماخي في القاهرة لمساعدته في مهمته، وكان يلقب بكاتم أسرار سلاطين زنجبار.
ولعل المقصود هنا بالشيخ الشَّماخي هو الشيخ قاسم بن سعيد بن قاسم بن سليمان الشَّماخي المولود في القاهرة (1274هـ/ 1857م) عَقِبَ أن قَدَّمَ والده للدراسة في الجامع الأزهر.
وكان للشيخ الشَّماخي علاقات مع زعماء الإصلاح في مصر كالإمام محمد عبده، والشيخ/ محمد رشيد رضا، وقد صحح وراجع مجموعة مِن الكتب الإباضية أثناء وجوده في مصر.
ونختم مقالنا بالحديث عن بيت الرباط العُماني في مكة المكرمة، وقد بَنَى هذا الوقف السيد المُحسِن/ حُمود بن أحمد بن سيف البوسعيدي، الذي رافق السُّلطان برغش للحج عام 1872 الذي كان له دور في إنشاء الوقف ليكون سكنًا ومقرًا لإقامة الحجاج مِن زنجبار وعُمان وغيرهم ممن لا يتوفر لهم سكن، وأوقف له أموالًا كثيرة مِن ماله الخاص.
وقد سَكَنَ في هذا الوقف عدد من الطلبة العُمانيين الدراسين بجامعة أُمِّ القُرى بمكة المكرمة، وقد رأيت هذا المبنى خلال زياراتي للزملاء الدَّارسين بالجامعة، وأعيد بناء هذا المبنى على النفقة السَّامية لجلالة السُّلطان الراحل قابوس بن سعيد عام 1984م، وَسَمِعتُ أنَّ هناك وَقْفًا آخر أصغر مِن بيت الرباط بمكة المكرمة شَيَّدَهُ السيد المُحسِن/ حُمود البوسعيدي، الذي أشرنا إليه، ولكن لم أره.
وبهذا نكون قد أتينا إلى ختام مقالنا هذا، آملين أن نلتقي معكم في مقال آخر يتناول جانبًا مِن جوانب الفكر والتَّاريخ والثَّقافة.
** كاتب وأكاديمي
