شهر الوقوع في الحب!

 

 

 

 

ريتّا دار

[email protected]

 

دخلنا رسميًا شهر أكتوبر، المعروف في بعض الأوساط باسم «شهر الوقوع في الحب».

لا أعرف الجهة التي اعتمدت هذه المعلومة، ولا الدراسات التي استندت إليها، لكن بما أن الإنترنت قرر ذلك، فليس أمامي سوى التعامل مع الأمر بوصفه ظاهرة موسمية تستوجب إصدار نشرة تحذيرية.

لذلك، يرجى من الجميع توخي الحذر، وعدم اتخاذ قرارات عاطفية مفاجئة، خصوصًا بعد غروب الشمس، ومع أول انخفاض ملحوظ في درجات الحرارة.

ففي أكتوبر، تبدأ عادةً بعض الظواهر الموسمية المعروفة: تنخفض الحرارة قليلًا، تظهر أكواب القهوة في الصور أكثر من أصحابها، تزداد الأغاني البطيئة بصورة مريبة، ويبدأ أشخاص كانوا سعداء تمامًا بوحدتهم في الشهرين الماضيين بإعادة تقييم حياتهم العاطفية كلها.

فجأة، تشعر كأنك أرمل في رواية روسية ويبدو وجود شخص آخر في حياتك ضرورة ملحّة. مع أنك قد لا تحتاج إلى علاقة أصلًا. قد تكون المشكلة كلها أنك تشعر بالبرد فقط.

لكن الإنسان لا يحب الحلول البسيطة، ولذلك بدل أن يرتدي سترة، يدخل علاقة قد تستغرق منه ثلاث سنوات ليتعافى منها.

ولا أعرف لماذا اختاروا أكتوبر تحديدًا للحب، خصوصًا أن الطقس نفسه لا يشجع على الثقة.

فهذا شهر خريفي لا يستطيع أن يقرر إن كان يميل للصيف أكثر أو للشتاء.

وأعتقد أن الدخول في علاقة خلال طقس لا يعرف هو نفسه ماذا يريد يحمل قدرًا غير ضروري من المخاطرة.

ثم إن التسمية نفسها مقلقة. «الوقوع في الحب».

اللغة العربية، بكل ثرائها، لم تقل إننا «نصل» إلى الحب، أو «ندخل» إليه، أو حتى «نزوره».

نحن نقع فيه.

كما نقع عن الدرج.

وفي حفرة.

وفي الفخ.

أعتقد أن اللغة فعلت ما تستطيع لتحذيرنا، لكننا سمعنا كلمة «الحب» ووجدنا التعبير رومنسيًا فأكملنا طريقنا وتجاهلنا المحضر كاملًا.

ومع انخفاض درجات الحرارة، يُتوقع أيضًا انخفاض مؤقت في القدرة على تفسير الرسائل بصورة طبيعية.

فكلمة «حسنًا» التي كانت تعني «حسنًا»، قد تتحول في هذا الشهر إلى مادة قابلة للتحليل من عدة زوايا.

لماذا كتب «حسنًا»؟ لماذا لم يضع وجهًا مبتسمًا؟

ماذا حدث؟ هل تغير شيء؟

هل قلت شيئًا؟ هل قال شيئًا؟

هل توجد امرأة أخرى استولت على الوجه المبتسم؟

وبعد نصف ساعة يصبح إنسان بالغ، يستطيع قيادة سيارة وإدارة حساب مصرفي وتجديد جواز سفر، عاجزًا أمام كلمة من أربعة أحرف.

وفي هذه الحالات، لا يُنصح بإجراء أي تحليل بعد منتصف الليل؛ لأن الدماغ بعد منتصف الليل يستطيع تحويل كلمة عادية إلى قضية تمتد جذورها إلى موقف حدث قبل ثلاثة أسابيع في مطعم ولم يكن يبدو مهمًا حينها.

وتحذر النشرة كذلك من الضباب.

ليس ضباب أكتوبر الحقيقي، بل ذلك الذي يصيب النظر فجأة ويجعل بعض العيوب أقل وضوحًا.

فالشخص الذي يتأخر في الرد لم يعد قليل الاهتمام؛ إنه «لا يحب الهاتف».

الصامت ليس مملًا؛ إنه عميق.

العنيد صاحب شخصية.

والبخيل -بقليل من الحب وحسن النية- يتحول إلى حريص يعرف قيمة المال.

أما الذي لا يسأل عنك، فهو «يحترم المساحات الشخصية».

وهذه العبارة تحديدًا أنقذت عددًا هائلًا من عديمي الاهتمام من البطالة العاطفية.

الحب، كما يبدو، ليس أعمى فقط. بل لديه أيضًا قسم علاقات عامة ممتاز.

يستلم العيب، يغير اسمه، يضعه في عبوة أنيقة، ثم يعيده إلينا بوصفه ميزة شخصية نادرة.

وقد رأيت ذلك يحدث أمامي.

كانت لي صديقة تعرف رجلًا قليل الكلام، وكانت تقول عنه إنه قادر على إنهاء أمسية كاملة بثلاث كلمات، اثنتان منها «نعم» و«لا».

ثم أحبته؛ فأصبح فجأة «رجلًا لا يتحدث إلا عندما يكون للكلام معنى».

وصارت تحدثنا عن عمق الصمت، وجمال الأشخاص الذين لا يثرثرون، وأن بعض الأرواح تتواصل دون كلمات.

ثم انفصلا.

وخلال مدة قياسية، عاد الرجل نفسه إلى كونه «جدارًا بشريًا وكتلة غبية من الأسمنت الأخرس».

ومنذ ذلك اليوم فهمت أن الصفات البشرية لها سعر صرف، يتغير بحسب الحالة العاطفية.

لكن تشويش الرؤية ليس الخطر الوحيد في هذا الشهر، فالرياح النشطة أيضا قد تكون محملة بالذكريات.

ومع أول ليلة باردة، قد يشعر بعض الأشخاص بحاجة مفاجئة إلى فتح محادثة قديمة.

وهنا يجب الانتباه خاصة حين تكون الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، فهي ساعة لا ينبغي فيها اتخاذ أي قرار أكبر من اختيار الجهة التي ستنام عليها.

لذلك إذا وجدت نفسك في أكتوبر تكتب: «مرَّ وقت طويل.. كيف حالك؟»

ضع الهاتف بعيدًا. اشرب ماء. نِمْ.

وبهذا قد تنجو من منخفض عاطفي كان سيترك أضرارًا متفاوتة في حياتك.

ومن المتوقع أيضًا ارتفاع نشاط المراقبة الإلكترونية خلال هذا الشهر.

فقد تدخل إلى حساب شخص «لترى شيئًا فقط».

ثم صورة.

ثم صورة أخرى.

ثم تصل إلى عام 2020.

وهنا كان ينبغي أن تتوقف.

لكنك -لسبب لا يعلمه إلا الله- لا تفعل.

تواصل الحفر حتى تجد صورة من عام 2017، فتبدأ بدراسة الأشخاص الموجودين فيها.

وبعد أربعين دقيقة تعرف أين قضت عائلته عطلة صيف منذ عشر سنوات. وهي معلومة لا قيمة لها، لكنك عرفتها على أية حال.

وهنا تبدأ أخطر مرحلة في العملية كلها: الانسحاب من الموقع دون ترك أي أثر رقمي يدل على أن بعثة تنقيب كاملة مرت من هنا.

فإعجاب واحد بصورة قديمة كفيل بتحويل عملية استطلاع سرية إلى اعتراف رسمي.

وفي هذه الحالة لا يوجد حل تقني. عليك فقط أن تغيّر اسمك وتغادر البلاد.

ومن الظواهر المتوقعة أيضًا ارتفاع نسبة الرومانسية في أشياء لم تكن رومانسية سابقًا.

«وصلتِ؟»

جملة عادية جدًا.

لكن إذا جاءت من الشخص المناسب، يصبح لها وقع قصيدة.

«هل أكلتِ؟»

وفجأة يصبح السؤال عن الطعام دليلًا على حب عظيم، وأنا شخصيًا أؤيد ارتباط الطعام بالحب.

لكنني أعتبر هذا طبيعيًا نوعا ما، خصوصًا أن وسائل الغزل كلها تغيرت في عصرنا.

قديمًا، كان العاشق يحتاج إلى حصان، وشياطين الشعر، وربما شرفة.

اليوم يحتاج فقط إلى اتصال جيد بالإنترنت ليرسل لك شخص مقطعًا مضحكًا ويكتب: «تذكرتك».

وهكذا، بأربع ثوانٍ فقط، يكون قد فعل ما احتاج الشعراء قديمًا إلى بحر وقافية وناقة للوصول إليه.

ومع كل ذلك، لا أعتقد أن الحب يجعل الإنسان غبيًا كما يقال.

هذه تهمة قاسية.

الحب فقط يعطل أجزاء محددة جدًا من الذكاء.

قد تكون قادرًا في الصباح على إدارة اجتماع، وحل مشكلة، واتخاذ قرار مالي مهم.

ثم في المساء تراه يضحك مع شخص آخر، فتحتاج إلى تذكير نفسك بأن الضحك نشاط بشري عام، وليس خيانة عاطفية مع سبق الإصرار والترصد. وتحتاج أيضًا لتتذكر أنك شخص بالغ عاقل راشد وأن قتله لن يحل المشكلة خصوصًا أن السجن قد يؤثر سلبًا في مستقبلك المهني وصفاء بشرتك.

لهذا، ومع استمرار التقلبات الجوية والعاطفية المتوقعة خلال أكتوبر، يُنصح بإبقاء السترات والكرامة في مكان قريب، وعدم اتخاذ قرارات مصيرية تحت تأثير أغنية قديمة أو رائحة المطر أو إضاءة حالمة.

ولا تعتبروا تسارع نبضات القلب دليلًا قاطعًا على الحب قبل التأكد من كمية القهوة التي شربتموها.

وفي النهاية، أعرف أن هذه التحذيرات لن تفيد كثيرًا.

فمن قرر الوقوع في الحب لن توقفه نشرة تحذيرية، ولا تقلبات الطقس، ولا تجارب أصدقائه، ولا حتى تاريخه الشخصي الحافل بالأدلة. سيقرأ كل ما سبق، يهز رأسه موافقًا، ثم تصله رسالة واحدة من الشخص المناسب فينسى المقال وكاتبته وهيئة الأرصاد الجوية كاملة بعواصفها.

لذلك لن أطلب منكم الحذر أكثر.

اخرجوا في هذا الشهر، استمتعوا بالطقس، اشربوا القهوة، استمعوا إلى الأغاني القديمة، وابتسموا لذلك الشخص أكثر مما ينبغي.

فأنا أعرف جيدًا كيف ستسير الأمور.

ستقولون إن الأمر بسيط، وإنكم تسيطرون عليه، وإن هذه المرة مختلفة تمامًا عن كل المرات السابقة. وهذه تحديدًا الجملة التي يقولها البشر عادة قبل الكوارث، ولذلك لا أملك ما أضيفه.

لقد أصدرت النشرة، شرحت التقلبات، وحددت مناطق الخطر، وحذرت من انخفاض الرؤية وسوء التقدير.

أما القلب، فليس من اختصاصي.

فقط تذكروا أن الطقس في هذا الشهر مُتقلِّب.. وكذلك بعض الناس. وأن انخفاض درجات الحرارة لا داعي أن تسبب انخفاضًا في معاييرك.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z