مطرح.. ما الذي صنع الحكاية؟

 

 

 

حسين بن محمد اللواتي **

 

في المقالة الأولى من هذه الرحلة، حاولت أن أجمع بعض الخيوط المتنوعة حول مطرح، وطرحت سؤالًا بسيطًا: ماذا لو تلاقت هذه الخيوط لتروي قصة واحدة؟ وانتهينا بسؤال آخر يقودنا إلى هذه المحطة: ما المقومات التي صنعت لمطرح شخصيتها، وكيف يمكن أن نستثمرها في صناعة فصلها القادم؟

وللإجابة، ربما علينا أن نبدأ من سؤالنا الأول في خارطة الطريق: ماذا نملك؟

والإجابة الأولى التي قد تتبادر إلى الذهن سهلة: نملك سوق مطرح، والميناء، والبحر، والجبل، والقلعة، والحارات والبيوت القديمة، وتاريخًا يمتد عميقًا في ذاكرة عُمان. لكنني أعتقد أننا نملك أكثر من ذلك بكثير.

المدن لا تصنعها المباني وحدها، ولا الموانئ، ولا الأسواق، ولا حتى الجغرافيا مهما كانت استثنائية. المدن يصنعها الإنسان حين يعرف كيف يحوّل المكان إلى قيمة

وهنا تبدأ قصة مطرح. المكان... حين أصبح فرصة..

بين البحر والجبل نشأت مطرح في مساحة جغرافية تبدو للوهلة الأولى محدودة، لكنها تحولت عبر الزمن إلى واحدة من أهم بوابات عُمان التجارية.

وتصف البوابة الإعلامية الرسمية لسلطنة عُمان مطرح بأنها كانت تمثل الميناء التجاري العريق للسلطنة، وأن أسواقها أدت دورًا في تصدير البضائع إلى الأسواق المحلية والعالمية. أما سوق مطرح القديم، فيبدأ من بوابة تواجه بحر عُمان وينتهي من الجهة الأخرى عند المدينة القديمة التي كانت تستقبل القادمين من مختلف القرى والمدن العُمانية.

هذه الصورة وحدها تقول الكثير..

بحر يأتي منه العالم، وطريق يأتي منه الداخل العُماني، وبينهما سوق. وربما كانت هذه واحدة من أبسط المعادلات التي صنعت مطرح؛ فالميناء لم يكن مجرد مكان ترسو فيه السفن، والسوق لم يكن مجرد مكان تباع فيه السلع؛ بل كانا نقطة التقاء بين الداخل والخارج، وبين المنتج والمستهلك، وبين التاجر والمسافر، وبين ثقافات وتجارب مختلفة.

لكن الجغرافيا وحدها لا تصنع مدينة؛ فالإنسان هو الذي حوّل هذا الموقع إلى تجارة، والتجارة إلى علاقات، والعلاقات إلى مجتمع.

وتكشف الوثائق التاريخية التي عُرضت ضمن ندوة «مطرح عبر التاريخ» عن أهمية المدينة بسبب اجتماع عدة عوامل: موقعها الجغرافي، وأهميتها الاقتصادية كميناء تجاري، وقربها من مركز القرار في مسقط، إضافة إلى تنوع نسيجها الاجتماعي. كما تصف الوثائق سوق مطرح بأنه كان مركزًا رئيسيًا للأنشطة التجارية في عُمان ومنفذًا لتسويق الصناعات الحرفية.

وهنا أعتقد أننا نقترب من الأصل الحقيقي للقيمة. حيث ان لم تكن مطرح مجرد "مكان للتجارة"؛ بل كانت مكانًا للعلاقات أيضًا.

التاجر القادم من الداخل، والبحار القادم من الخارج، والحرفي، وصاحب الدكان، والأسرة التي تسكن الحارة، والزائر العابر؛ كل هؤلاء كانوا جزءًا من منظومة واحدة.

وحتى بعض البيوت التاريخية تحكي هذه القصة. فالبيت الشرقي، الذي يعود تاريخ بنائه إلى نحو 131 عامًا وأعيد ترميمه مؤخرًا، كان على مدى عقود محطة لاستقبال التجار والزوار القادمين إلى مطرح، في انعكاس للدور الاجتماعي الذي كان يسير جنبًا إلى جنب مع النشاط البحري والتجاري.

ومن هنا نصل إلى عنصر ربما يكون من أهم الأصول غير المرئية التي ورثتها مطرح: التنوع والتعايش؛ فالموقع التجاري والانفتاح على البحر وحركة الناس والبضائع لم تجلب السلع فقط، بل جلبت معها لغات وثقافات وعلاقات وأساليب حياة مختلفة.

ومع مرور الوقت، لم يعد هذا التنوع حالة عابرة، بل أصبح جزءًا من النسيج الاجتماعي للمكان. وهذا مهم جدًا عندما نتحدث اليوم عن مستقبل مطرح؛ لأننا إذا اختصرنا قيمة المدينة في مبانيها القديمة، فقد نكون حفظنا الحجر ونسينا جزءًا من الروح التي صنعت المكان.

إذن... ماذا نملك؟ نملك أصولًا مرئية نراها كل يوم: البحر، والجبل، والسوق، والميناء، والقلعة، والحارات، والبيوت والمباني التاريخية.

لكننا نملك أيضًا أصولًا غير مرئية لا تقل قيمة عنها: روح التجارة، والعلاقات، والانفتاح، والتنوع، والتعايش، والمبادرة، والقدرة على تحويل محدودية المكان إلى فرصة.

وهذه ربما تكون أهم نتيجة نخرج بها من سؤالنا الأول؛ لأن مشروع المستقبل لا ينبغي أن يسأل فقط: ماذا نرمم؟ وماذا نبني؟

بل أيضًا: أي هذه القيم نستطيع أن نعيد تشغيله بصورة تناسب القرن الحادي والعشرين؟

فإذا كان السوق في الماضي مساحة يلتقي فيها التاجر والحرفي والمستهلك، فهل يمكن أن يصبح اليوم أيضًا مساحة لرواد الأعمال والمبدعين والمشروعات العُمانية الصغيرة؟

وإذا كانت البيوت القديمة جزءًا من حياة الناس، فهل يمكن أن تستعيد بعضها الحياة بوظائف جديدة تحافظ على هويتها؟

وإذا كانت مطرح بوابة تلتقي فيها الثقافات والتجارة، فهل يمكن أن تتحول هذه الميزة إلى تجربة ثقافية وسياحية واقتصادية أكثر ثراء؟

وإذا كان الإنسان هو الذي صنع قيمة المكان في الماضي، فكيف نعيد الإنسان، وخصوصًا الشباب، إلى قلب صناعة قيمته الجديدة؟

هنا يصبح التاريخ موردًا للمستقبل، وليس مجرد ذاكرة جميلة؛ فالهدف ليس أن نصنع نسخة جديدة من مطرح القديمة، ولا أن نعيد الزمن إلى الوراء؛ بل أن نفهم المعادلة التي صنعت حيويتها، ثم نسأل كيف يمكن ترجمة روحها بأدوات عصرنا وبما يتواءم مع تطلعات رؤية "عُمان 2040".

وربما نستطيع تلخيص هذه المعادلة هكذا: مكان جمع البحر بالجبل، وإنسان حوّل الموقع إلى تجارة، والتجارة إلى علاقات، والعلاقات إلى مجتمع وهوية.

هذه، في تقديري، بعض أهم الأشياء التي نملكها. لكن معرفة ما نملك ليست كافية؛ فالمدن تتغير، والاقتصاد يتغير، والناس تتغير، وأنماط السكن والعمل والتجارة والحركة تتغير معها.

ولهذا، قبل أن نسأل ما هي مطرح في المستقبل، علينا أن نفهم المحطة الثانية من رحلتنا: كيف تغيرت مطرح عبر العقود، وما الذي تخبرنا به هذه التحولات عن الفرص التي نملكها اليوم؟

ومن هنا ننتقل من سؤال «ماذا نملك؟» إلى السؤال التالي: «ماذا تغير؟»

أمَّا سؤالنا القادم: كيف تغيرت مطرح عبر العقود، وما الذي يمكن أن نحوله من هذه التحولات إلى فرص للمستقبل؟

** عضو مجلس الشورى

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z