عائشة الفارسية
هل تخرجنا في الجامعات بشهادات لا يحتاجها سوق العمل؟ سؤال موجع لكنه أصبح ضرورة لا يُمكن تجاهلها، خصوصًا مع تزايد أعداد الخريجين عامًا بعد عام، واستمرار مُعاناة كثير منهم في البحث عن فرصة عمل تتناسب مع مؤهلاتهم وتطلعاتهم، ففي كل عام تخرج جامعاتنا وكلياتنا آلاف الطلبة والطالبات يحملون شهاداتهم بفرح وفخر، ويلتقطون صور التخرج بملابسهم الأكاديمية، وسط ضحكات واسعة وأمنيات كبيرة بمستقبل أكثر استقرارًا ونجاحًا.
غير أنَّ خلف تلك الصور الجميلة تبدأ مرحلة مختلفة تمامًا، تطرح سؤالًا أكثر قسوة ماذا بعد التخرج؟ وأين ذلك السوق الذي أمضينا أربعاً أو خمس سنوات نستعد لدخوله؟ إنها لحظة الانتقال من مقاعد الدراسة إلى واقع الحياة العملية حيث يكتشف كثير من الخريجين أن الطريق الذي ظنوه واضحًا أصبح مليئًا بالتحديات، فالشهادة التي كانت مصدر فخرهم لسنوات، تتحول فجأة إلى مؤهل يحتاج إلى ما يدعمه من مهارات وخبرات وقدرات عملية، وهنا تبدأ الحيرة، وتتسع المسافة بين ما تعلمه الطالب داخل الجامعة وما ينتظره أصحاب العمل خارج أسوارها.
بين القاعات الجامعية ومكاتب التوظيف توجد فجوة صامتة تتسع يومًا بعد آخر، فالمعارف التي يتلقاها الطلبة خلال سنوات الدراسة، في كثير من الأحيان، لا تتوافق مع المهارات التي يحتاج إليها سوق العمل الحديث، ولا تزال بعض البرامج الأكاديمية تعتمد على مناهج ومقررات لم تشهد تحديثًا جوهريًا منذ سنوات، في وقت تغيرت فيه طبيعة الوظائف وأساليب العمل بصورة متسارعة، بفعل الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وانتشار العمل الحر والمنصات الإلكترونية، ولقد تغيرت متطلبات الوظائف وتبدلت معها طبيعة المهارات المطلوبة، فأصبحت المؤسسات تبحث عن موظف قادر على التعامل مع التقنيات الحديثة، وتحليل المعلومات، والتواصل بفاعلية، والعمل ضمن فريق، واتخاذ القرارات المناسبة في المواقف المختلفة، وفي المقابل لا يزال بعض الخريجين يواجهون سوقًا يتطلب منهم مهارات لم تتح لهم الفرصة الكافية لاكتسابها خلال سنوات الدراسة، وهنا تظهر المُفارقة التي تستحق التأمل؛ فالجامعة تخرج طلبة يمتلكون قدرًا من المعرفة النظرية، بينما تبحث الشركات عن أشخاص قادرين على تحويل المعرفة إلى نتائج ملموسة، ويتخرج الطالب وهو يحمل طموح الحصول على وظيفة، في حين تنتظر المؤسسات من يستطيع التعامل مع التحديات اليومية، وتقديم الأفكار الجديدة، وصناعة الحلول التي تساعدها على التطور والاستمرار.
وفي هذا الوطن الغالي تبدو هذه الإشكالية واضحة في واقع الباحثين عن عمل فهناك خريجون من تخصصات تشهد أعدادًا كبيرة من الدارسين، ينتظرون سنوات للحصول على فرصة وظيفية تتناسب مع مؤهلاتهم، وفي المقابل تواجه بعض الشركات صعوبة في العثور على أشخاص يمتلكون المهارات الفنية والتقنية التي تحتاج إليها، قد تبحث إحدى المؤسسات عن مصمم جرافيك محترف، أو محلل بيانات، أو فني متخصص في الأمن السيبراني، أو خبير في التجارة الإلكترونية، وتمضي أشهرًا في البحث عن الشخص المناسب، وفي الوقت نفسه يوجد خريجون يحملون شهادات جامعية، ويجدون أنفسهم أمام فرص محدودة، أو وظائف تتطلب خبرات ومهارات لم يتلقوا التدريب الكافي عليها. وهذا التناقض يطرح تساؤلًا جوهريًا حول طبيعة العلاقة بين مُؤسسات التعليم العالي واحتياجات الاقتصاد الوطني؛ فالمشكلة لا ترتبط بجهد الطالب الذي اجتهد في دراسته، ولا برغبة الشركة في تطوير أعمالها وتحسين إنتاجيتها، وإنما تكمن في ضعف التنسيق بين الطرفين، وفي غياب الربط الكافي بين مخرجات التعليم ومتطلبات الوظائف؛ فالجامعة التي تكتفي بمنح الطالب شهادة التخرج، دون التأكد من امتلاكه المهارات التي تساعده على دخول الحياة العملية، تتركه أمام تحديات قد تستغرق سنوات لتجاوزها، أما سوق العمل فينظر إلى الشهادة باعتبارها بداية الطريق، وينتظر من حاملها أن يُقدم ما يثبت قدرته على الإنجاز والتعلم والتكيف مع المتغيرات.
إنَّ معالجة هذه المشكلة تتطلب مراجعة أعمق لفلسفة التعليم الجامعي وطريقة إعداد الطلبة للمستقبل، فالمطلوب اليوم يتجاوز تطوير المقررات أو إضافة بعض المواد الدراسية، ليصل إلى تغيير مفهوم النجاح الجامعي ذاته، نحتاج إلى تعليم الطالب كيف ينجح في الامتحان، وكيف يستعد أيضًا لمقابلة التوظيف، وكيف يعرض أفكاره بثقة، ويتعامل مع الأسئلة الصعبة، ويشرح قدراته بصورة واضحة، ونحتاج إلى أن يتعلم كتابة بحث أكاديمي متكامل، وأن يمتلك في الوقت نفسه القدرة على إعداد سيرة ذاتية موجزة ومُقنعة، تبرز مهاراته وخبراته وما يستطيع تقديمه للمؤسسة التي يتقدم للعمل فيها.
كما ينبغي أن نمنح الطلبة مساحة أكبر للتجربة والمحاولة، وأن نساعدهم على تجاوز الخوف من الخطأ؛ فسوق العمل الحديث يكافئ الأشخاص القادرين على التعلم المستمر، واكتساب الخبرة، والتعامل مع الإخفاق باعتباره فرصة لفهم المشكلة وتحسين الأداء. والطالب الذي يخوض تجربة عملية، ويواجه تحديًا حقيقيًا، ويحاول الوصول إلى حل، يكتسب خبرة يصعب أن توفرها له المحاضرات وحدها، ومن هنا تأتي أهمية المشروعات التطبيقية، والتدريب الميداني، والعمل الجماعي، والمسابقات الطلابية، والمبادرات التي تضع الطالب أمام مواقف تشبه ما سيواجهه بعد التخرج.
ولا يعني الحديث عن تطوير التعليم إغلاق التخصصات النظرية أو التقليل من أهميتها؛ فالمجتمع يحتاج إلى الأدب والتاريخ والفلسفة والعلوم الإنسانية، كما يحتاج إلى الطب والهندسة والتقنية، فلكل تخصص دوره في بناء الإنسان وتطوير المجتمع، وتكمن القضية الحقيقية في كيفية ربط المعرفة بالواقع، ومنح الخريج القدرة على الاستفادة مما تعلمه في حياته العملية.
إن المطلوب هو إعادة تعريف معنى الشهادة الجامعية بحيث تصبح دليلًا على امتلاك المعرفة والقدرة على توظيفها، وعلى التفكير المستقل، وتحليل المشكلات، والابتكار، والعمل بفاعلية، فالشهادة ذات القيمة الحقيقية هي التي تعكس ما يستطيع صاحبها إنجازه، وما يمتلكه من استعداد للتعلم والتطور، وقدرته على مواجهة التحديات الجديدة، ولتحقيق ذلك ينبغي أن يصبح سوق العمل حاضرًا داخل الحرم الجامعي وألّا ينتظر الطالب حتى يتخرج ليكتشف متطلبات الوظائف.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال شراكات حقيقية بين الجامعات والشركات، وتطوير برامج التدريب العملي، وإشراك المؤسسات في مراجعة المناهج وتحديثها بصورة مستمرة.
وينبغي أن يصبح التدريب الميداني جزءًا أساسيًا من تجربة الطالب الجامعية وأن تدرّس مهارات البرمجة والتفكير النقدي والتواصل والعمل الجماعي ضمن المقررات الأساسية المناسبة لمختلف التخصصات، فهذه المهارات لم تعد حكرًا على طلبة التقنية، وإنما أصبحت أدوات يحتاج إليها الخريج في معظم مجالات العمل، ومن المهم كذلك أن يشارك رواد الأعمال والمبرمجون والفنيون وأصحاب الخبرات المهنية في تصميم البرامج الأكاديمية وتطويرها، حتى تنطلق المناهج من واقع المهنة واحتياجاتها الفعلية، وتواكب التحولات التي يشهدها الاقتصاد.
ربما حان الوقت لأن نغير السؤال الذي اعتدنا توجيهه إلى أبنائنا عند اختيار تخصصاتهم الجامعية فبدلًا من أن نسأل الطالب «ماذا تريد أن تدرس؟» يمكن أن نسأله «ما المشكلة التي تريد أن تسهم في حلها بعد أربع سنوات؟» قد يبدو السؤال مختلفًا، لكنه يفتح أمام الطالب أفقًا أوسع للتفكير في مستقبله، ويجعله أكثر وعيًا بالعلاقة بين ما يدرسه وما يستطيع تقديمه للمجتمع، وكما يدفع المؤسسات التعليمية إلى النظر إلى التخرج باعتباره بداية مرحلة من الإنتاج والعطاء، لا نهاية رحلة دراسية تنتهي بتسليم الشهادة.
إنَّ مستقبل التعليم الجامعي في سلطنة عُمان يحتاج إلى رؤية تجعل الطالب محور العملية التعليمية، وتربط المعرفة بالمهارة، والطموح بالفرصة، والشهادة بالقدرة على الإنجاز، فالوطن يحتاج إلى خريجين يمتلكون المعرفة والثقة والقدرة على الابتكار، ويستطيعون المساهمة في تنويع الاقتصاد وتطوير المؤسسات وصناعة فرص عمل جديدة، وعندما ننجح في بناء هذه العلاقة بين الجامعة وسوق العمل ستصبح الشهادة أكثر من وثيقة نحتفظ بها في ملفاتنا أو نزين بها جدران منازلنا، وستصبح ثمرة سنوات من التعلم والتجربة، ودليلًا على استعداد صاحبها لخوض الحياة العملية والمشاركة في بناء المستقبل.
والسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم لا يتعلق بعدد الشهادات التي تمنحها جامعاتنا كل عام وإنما بمدى قدرتها على إعداد خريجين يحتاج إليهم الوطن، ويجدون في سوق العمل مساحة حقيقية لتحويل علمهم وطموحاتهم إلى إنجاز.
