وجاء المعذرون!


محمد عبد العظيم العجمي **
ربما يقدم لنا القرآن ما يسمى حديثا ب (النموذج التفسيري)، ذلك النموذج الذي طالما صاغه د.عبد الوهاب المسيري في كثير من أدبياته ونظرياته الفلسفية؛ هذا النموذج الذي يتناول فئة أو جماعة أو طائفة من الناس، وهم الذي تجمعهم بعض الصفات أو الأفكار أو النماذج الحياتية التعايشية المشتركة.. وهذه الأفكار والقناعات، تصيغ وتشكل بطريقة مباشرة أو غير مباشرة نمطية السلوك البشري انطلاقا منها، كما أنها تحدد نمط الشخصية الإنسانية بعد حين، مما يتراود عليها من تلك الرؤى والقناعات والأفكار في مراحلها التكوينية الأولى وحتى تستوي على سوقها، كنمط ثابت يستعصي على التغيير والتبديل.
التعريض بالنموذج ليس بالحالة 
فالقرآن وإن تعرض في كثير من توصيفاته السلوكية لأحوال بعض الِأشخاص وأعمالهم التي تستحق التوقف والتنبيه والتحذير، إلا أنه يغلب عليه التعميم دون التخصيص، ويجعل ما يذكره مثلا لسلوك فئوي وإن كان مصدره فرد واحد، مثل (المنافقون، الأعراب، المرجفون في المدينة، أهل الكتاب، اليهود والنصارى،المؤمنين، المحسنين، المقسطين،...). ولعل هذا ما نطلق عليه في علم النفس الاجتماعي الحديثة (الظاهرة السلوكية)، يتعرض الباحث لها بـ (الملاحظة الميدانية والدراسة، ثم التحليل والتوصيف، ثم العلاج).. وهذا الصنف من الناس الذي سماهم القرآن (المٌعَذِّرٌون)؛ ولا يخفى على ذي فهم أن للفظ في العربية دلالة تختلف باختلاف بنيته الصرفية واللفظية (النطق)، فهنا يسميهم القرآن المعذرون (بتشديد الذال المكسورة، وضم الراء)، ليس المعتذرون، لأن المعتذر صاحب عذر طبيعي مقبول عقلا لدى من يٌقدّم إليه العذر؛ أما المُعذِّر، فقد اختلفت الصيغة لأنه لم يكن له عذرا مقبولا، فاحتال أن يفتعل عذرا، ربما لا يخفى على من يقدم إليه أنه ليس بعذر حقيقي؛ إنما عذر مٌتخلّق للتفلت من مسئولية النفرة مع الخارجين للجهاد. وكان هذا في غزوة تبوك من السنة التاسعة للهجرة، حين دعا النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة للخروج إلى لمواجهة حشود الروم على حدود الدولة الإسلامية الناشئة، وكان هذا مع اشتداد الحر، واقتراب جني ثمار النخيل، مع قلة الزاد والرواحل، لذا سميت بـ (غزوة العسرة). أما الصحابة فلبوا كعادتهم لم يتخلف منهم إلا من عذره القرآن، حيث قال عنهم " ولا على الذين إذا من أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه، تولوا وأعينهم تفيض من الدمع.. الآية).، وأما المنافقون والأعراب فقد انتحلوا الأعذار، وافتعلوا الحيل كي لا يخرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأذن لهم حتى جاء كلمات القرآن فأسفرت عن أحوالهم، وفضحت دواخلهم، وأظهرت نفاقهم.. وتأمل الفعل (جاء): إذ يوحي ببعد المسافة التي تجشموا منها المجيء بدلا من الفعل (أتى)؛ ثم قوله (ليؤذن لهم)، فهم لم يأتوا ليعرضوا الحالة البدنية والمادية كي يتمكن النبي صلى الله عليه وسلم من إعانتهم على الخروج؛ أو يعتذر إليهم حين لا يجد ما يعينهم به، بل هم جاءوا ليأذن لهم مباشرة، وكأنه تأهيل نفسي واستعداد داخلي وعزم على عدم الخروج!! وهؤلاء المعذِّرون: هم صنف أو نموذج من التكوين البشري، حاضرون في كل زمان ومكان، يحضرون عند المغنم، ويكمنون عند المغرم، ولا يألون يتراوحون بين هذا السلوك وذاك، لا يستحون من تكرار مشاهدهم الفاضحة، وفي كل مرة يتخلقون الأعذار لا تنفذ لهم حافظة، ولا تنضب لهم ذاكرة. 

التوصيف النفسي (الشخصية التبريرية)
هذا النموذج التبريري الذي يسمى حديثا ب (الشخصية التبريرية): والتي يعرفها علماء النفس بــأنها: نمط سلوكي يعتمد فيه الشخص بشكل دائم على ميكانيزم التبرير النفسي، لتعليل تصرفاته أو أخطائه، أو إخفاقاته، بدلا من مواجهة الحقيقة أو الاعتراف بالخطأ.. ومن أهم سماته: صعوبة الاعتراف بالخطأ ــ لوم الضحية أو الظروف ــ البراعة اللغوية ــ تجنب النقد ــ تزييف الدوافع.. الخ ). ويعرف د. خليل فاضل (استشاري الطب النفسي) هذا النوع من التبرير فيقول: علم النفس الدينامي وصف التبرير بأنه: حيلة لا واعية ، يستخدمها الإنسان ليجمل صورته أمام نفسه ويحميها من الانهيار أو من مشاعر الذنب؛ لأنه ببساطة يدرك في عمقه أن الشعور بالذنب هو الابن الشرعي للاكتئاب .. لذلك يلجأ إلى التبرير ليهرب من مواجهة الذات فيُلبس الخطأ ثوبا منطقيا ومقبولا، بل وأحيانا بطوليا". وتتكرر هذه النماذج السلوكية مع الزمن، لا يخلو منها زمان ولا مكان، إذ هي متعلقة بالنمط البشري أينما حل وارتحل.. فهذا الموظف المتفلت من علمه، والممتدة يده إلى الرشوة، والآكل أموال الناس بغير حق، هو نموذج تبريري، وهذا التاجر الغاش في سلعته وتجارته، والعامل، والصانع، والمعلم.. كل من يقصر في أداء عمله، والآخذ أجره بغير ما استحق؛ كل هؤلاء نمط من السلوط التبريري غير الأخلاقي، حين يتعذرون بضيق العيش وفساد المجتمع، واقتضاءات الضرورة التي تضطرهم لذلك. وغاية عذرهم أن الحياة تحولت إلى غابة، وإن لم تتذأب أكلتك الذئاب، والوقت لا ينتظرك حتى تقفز إلى فرصتك، وتغتنم حظك، لكن كل ذلك لا يغني عن الحق شيئا، ولو كان مغنيا لما حشدت له المبررات، ولما اخترعت له الأكاذيب، ونسجت حوله الأساطير التي ليست من الحق في شيء. كذلك سبل الدعاية والإعلان المروجة للأضاليل والأكاذيب، والمزيفة للحقائق، والمخترعة لها الروايات غير الحقيقية، على المستوى السياسي والاقتصادي، ولا يكاد ينفصل أحدهما عن الآخر في العلم على تغيير الوعي الجماهيري، وتلبيس الحق بالباطل، وابتكار أساليب وأفانين المراوغة والمجادلة والمخاتلة.

حين انحرفت القيم ، ضل السلوك
لقد كان النمط الاستهلاكي (الشرائي) طبيعيا حتى بدايات الربع الأول من القرن العشرين، حتى قفز على الساحة رجل يسمى (والتر ليبمان 1889- 1974) هو الذي اخترع ما يسمى بفن (الدعاية والإعلان Propaganda)، وهو ما أطلق عليه (صناعة الموافقة ) وصاحب كتاب (الرأي العام).. يقول فيه " إن الدعاية هي الجهد المبذول لتعديل الصورة التي على أساسها يتصرف البشر أو لتغيير النموذج الاجتماعي للآخر". ومنه انطلقت الصناعة الإعلامية التي تخدم على الفكرة السياسية، وتعمل على تدجين الرأي العام وتنميطه، لتصيغه في شكل قوالب بشرية جاهزة للتأثير والتنميط، مستغلة في ذلك فكرة الهوة الفاصلة بين الجمهور وبين إدراك الحقيقة التي يحتكرها الساسة، وبها يبررون كل أعمال السياسة المناهضة للقيم المجتمعية والأخلاق الدستورية، كما يبررون أعمال الهزائم والاستعمار وأفكار الامبريالية والنازية والفاشية اعتمادا على تغييب العقل الجماهيري وتزييفه. وقد رأينا في حقب التاريخ القديم والحديث كثيرا من هذه النماذج التبريرية التي عاشت خادمة للنظم السياسية الباطلة،  ثم سقطت بسقوط أبطالها ونظمها وأفكارها، استحقت معها لعنات التاريخ والأخلاق والقيم. ولئن كان المعذرون قديما في موقف ضعف لما يواجهونه من قوة الوحي، وصدق النبوة، وثبات النفرة الجهادية ممن صدقوا الله ورسوله، فإنهم الآن ذوو نفوذ وسطوة واستحواذ، ووسائل شتى في الترويج لأكاذيبهم؛ إلا أن الكذب لا يتحول مع الأيام إلى صدق في نفوس الناس وإن كانوا ضعافا لا حول لهم ولا قوة؛ كما يقول الرافعي رحمه الله: "وقد تأتي الفكرة بعد ألف سنة كما كانت من ألف سنة، لا يغير من حالها ولا صدقها مرور الزمان، فلا أظنه يأتي زمن يقال فيه (إبليس رضي الله عنه). أي أن الصدق ربما يحتاج إلى القوة لتمكينه، ولكنه لا يحتاج إلى قوة لتصديقه. وإن كان ليبمان يستخدم فن البروبجندا في الدعاية والأعمال السياسية، فقد تولى (إدوارد بيرنيز (1893 ) اليهودي النمساوي وابن أخت سجموند فرويد، تولى نقل هذه النظريات من السياسة إلى الدعاية التسويقية. ولقد أسهم بيرنيز في تحول العنصر البشري من الاستهلاك للحاجة والضرورة إلى الاستهلاك للمتعة، وصارت وسائل الإنتاج تعمل ليل نهار في خطوط إنتاج متواصلة، بعد أن كانت لا تنتج إلا العدد الضروري المطلوب فقط للاستعمال، وتتلخص فكرة الدعاية والإعلان في الترويج للمنتج المحدث كل حين، مع إبراز المزايا الجديدة التي ربما لا تختلف كثيرا عن النماذج السابقة، إلا في تفاصيل لا يكاد المرء يحتاج إليها كثيرا، غير أن فكرة التكرار و الإلحاح ، وإبراز السلعة في أسلوب من العرض الشيق يجذب الأنظار، ويستفز غريزة الامتلاك في النفس البشرية، وإضفاء العنصر النسائي الموظف في الدعاية شيئا من الجاذبية، والابتكار في طرق الدفع وتيسيرها عن طريق إشراك البنوك في وساطة الشراء، وتوصيل الخدمات للمنازل، وإتاحة فرص الاستبدال والتجديد والاستعاضة وغيرها، تغري المرء بالامتلاك والإقبال المستمر. وهذه كلها أنماط تبريرية لا تعتمد في سلوكها ودعواتها التبريرية على شيئ من الصدق، ولكن الخداع والزيف والتبرير والابتزاز الذي يهدف إلى استلاب أموال الجماهير عن طريق وسائل دعائية ونماذج ترويجية غير حقيقية. وفي منظومة الأخلاق الغربية الحديثة، لا يكاد هذا النموذج السلوكي البشري مستهجنا أو مرفوضا أو منبوذا، ، ولا سلوكا ناشزا يستحق التبرير، واختلاق الأعذار؛ بل قد تحول إلى نمط طبيعي من السلوك، لا يحق لأحد الاعتراض عليه، فضلا عن تثريبه؛ إن الأخلاق الغربية أصبحت حالة شخصية بحتة، لا تعرف الأنماط المتعارف عليها، ولا المرجعية الأخلاقية من الدين أو من التاريخ، كذلك لا تعرف (الغائية)، وهو أن يكون لها هدف تسعى إليه من الإصلاح الاجتماعي أو الأسري أو الاقتصادي.

مصادقة القول والفعل
أما على الجانب المقابل؛ فإننا نرى هذا النمط الصدوق الذي يأبى أن يتخلق الأعذار، وألا يقول إلا الحق ولو كان في هذا الحق مرارة وعنتا.. هذا كعب بن مالك يروي قصة تخلفه حال دخوله على النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: فتبسم تبسم المغضب، وقال: ما أخرك يا كعب، فقلت يا رسول الله: لقد أوتيت جدلا، ولو كنت عند غيرك من الناس لخرجت من سقطه بعذر؛ وإني لو حدثتك اليوم حديثا ترضى به عني، يوشك الله أن يسخطك علي، ووالذي بعثك بالحق ما كان لي من عذر، وما كنت أيسر حالا من  حالتي التي كنت عليها.. فقال: له النبي : أما هذا فقد صدق الله. ويتجشم كعب - رضي الله عنه-  مرارة المقاطعة الاجتماعية أربعين يوما، حتى يأذن الله بالعفو عنه وعن أصحابه: "وعلى الثلاثة الذين خلفوا ... الآية". وهذا النمط من هؤلاء الثلاثة، آثر ألا يخترع عذرا وقد كان بعضهم أقدر على اختراع أكثر من عذر، وأن يكيل مكاييلا من التبرير المقبول؛ إلا أن طهارة النفس ، وأصالة الصدق في نفسه أبت إلا أن يقر بعدم العذر.. وتلك التي نجا بها.. وهنا تتجلى عظمة المرجعية الأخلاقية (القرآنية)، التي تؤصل أن يكون السلوك البشري متطابق قدر الإمكان بين السلوك والقول، والقناعة الداخلية بين ما يفعل الإنسان وما يؤمن به، ولعل هذا يتجلى في تلك الجملة القرآنية "وتثبيتا من أنفسهم".
** كاتب مصري

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z