الجد الشرعي لـ"الترند"

 

 

 

مرفت بنت عبدالعزيز العريمي

شكل ظهور الشخصية الكاريكاتيرية "ميكي دوغان" في أواخر القرن التاسع عشر علامة فارقة في تاريخ الصحافة العالمية. ففي خضم حرب التوزيع المستعرة آنذاك بين عملاقي الصحافة الأمريكية، صحيفتي "نيويورك ورلد" و"نيويورك جورنال"، ولدت هذه الشخصية المثيرة للجدل؛ طفل فقير من أحياء نيويورك الهامشية، محلوق الرأس، يرتدي قميصًا أصفر فاقعًا طُبعت عليه عبارات ساخرة وتهكمية. في تلك الحقبة، أصبحت كل السبل مبررة لتحقيق غاية واحدة: جذب أكبر عدد من القراء والمُعلنين.

كان "ميكي دوغان" (أو الولد الأصفر) الشرارة الأولى لظهور ما يُعرف بـ"الصحافة الصفراء"، وهو اللقب الذي أطلقته صحيفة "نيويورك برس" تهكمًا على الأساليب المبتذلة والمثيرة التي اعتمدتها الصحف المتنافسة. واعتمد هذا النوع من الصحافة بشكل أساسي على نشر الفضائح، الشائعات، الجرائم، والعناوين الصادمة المفبركة، لاهثةً وراء الربح المادي التجاري الصرف.

ما أشبه اليوم بالأمس! تُثبت الأيام أن التاريخ يُعيد نفسه وإن اختلفت الأدوات. تخيل عزيزي القارئ أن ما كان في السابق يستقطب فئة محدودة تبحث عن الإثارة الرخيصة، أصبح اليوم يستقطب الملايين ومن كل شرائح المجتمع. إن شبكات التواصل الاجتماعي ليست سوى الامتداد الطبيعي لصحافة الفضائح؛ بل إن لغة الأرقام تؤكد أن الصحافة الصفراء هي "الجد الشرعي" لمنصات العالم الرقمي وظاهرة "الترند".

كلاهما يعتمد على ذات الآلية النفسية والتجارية: سرقة الانتباه بأي ثمن لتحقيق الأرباح. إلا أنَّ الفارق الوحيد بينهما يكمن في السرعة؛ فالترند اليوم يجتاح العالم في سويعات قليلة، بينما كان يستغرق طباعة الصحيفة وتوزيعها في الماضي 24 ساعة كاملة.

وتحت وطأة هذا السباق الرقمي المحموم، تمارس شبكات التواصل الاجتماعي ما كانت تمارسه الصحف الصفراء قديمًا من تطبيع للسلوكيات الشاذة والمرفوضة مجتمعيًا. ولم يعد هذا الخطر مجرد هواجس مجتمعية، بل تؤكده استطلاعات حديثة حيث يرى 48% من المراهقين أن وسائل التواصل تؤثر سلبًا على أقرانهم، بينما اعترف 45% منهم بأنهم يقضون وقتًا طويلًا جدًا فوق حاجتهم على هذه المنصات.

نشهد اليوم تسليعًا للحياة الخاصة، وانتهاكًا للخصوصيات الأسرية والزوجية، مما يخدش الحياء ويهتك حرمة البيوت. يضاف إلى ذلك إعلاء قيم المادية والاستهلاك، ونشر الأخبار الزائفة، فضلًا عن شرعنة ثقافة "التنمر الجماعي" من خلف الشاشات عبر السب، القذف، وإثارة الفتن لتشويه سمعة الناس، فقط من أجل اعتلاء منصات المشاهدة.

سيكولوجية المواجهة: المقاطعة الواعية

قد لا نملك القدرة القانونية أو التقنية لمنع نشر هذا المحتوى الهابط، لكننا نملك السلاح الأقوى: سلاح الوعي وعدم التفاعل. إن تجاهل المحتوى المسيء وحجب حسابات صانعة لمثل هذا المحتوى، بالتوازي مع دعم وتشجيع المؤثرين الهادفين، كل ذلك كفيل بإعادة صياغة المشهد.

وأشارت التقارير الطبية إلى أن المراهقين الذين يقضون أكثر من 3 ساعات يوميًا على وسائل التواصل يواجهون ضعف خطر الإصابة بأعراض الاكتئاب والقلق. ومع رصد أن متوسط استهلاك الشباب للمنصات يصل لـ 3.5 ساعة يوميًا، يصبح لزامًا علينا إدراك أن "الترندات" ما هي إلا وسيلة تجارية لسرقة انتباهنا، وليست بأي حال من الأحوال مقياسًا للحق والباطل أو معيارًا للأخلاق؛ فلا نجعل منها معول هدم لقيمنا.

ومثلما نجحت المجتمعات سابقًا في تقنين التعامل مع وسائل الإعلام التقليدي بما يتلاءم مع هويتها، فإننا نملك اليوم القدرة على توجيه "الترند" ليكون أداة لتشكيل الوعي المجتمعي الإيجابي. يمكننا تحويل هذه الطاقات الرقمية لنشر القيم البناءة، ورفع الوعي بالقضايا الجوهرية، وبث محتوى تربوي وتعليمي يساند المؤسسات في أداء دورها التثقيفي.

إنَّ "الترند" يمكن أن يكون منصة مبتكرة لصناعة الأمل الرقمي وللتركيز على الاستدامة، والرفاه النفسي، وحل المشكلات المجتمعية أو حتى سد الفجوة بين الأجيال. وقد سلكت دول عدة هذا الاتجاه بالفعل عبر توظيف المبادرات الرقمية لمعالجة الأزمات القائمة.

على سبيل المثال لا الحصر:

•      ترند "الجار للجار" أو "باب رزق": لدعم التكافل الاجتماعي والمشاريع الناشئة.

•      ترند "الفتاة المتعبة": الذي ركّز على نبذ التصنع والمثالية الزائفة التي تفرضها الفلاتر والشاشات.

•      تحدي "اللطف العشوائي": لتوثيق مواقف مساعدة الغرباء وبث الإيجابية.

•      تحدي "تنظيف البيئة": الذي تحول إلى حراك عالمي لتخليص الطبيعة من النفايات.

فرصة للتغيير

حتى اليوم، لا يزال وجودنا الحقيقي والهادف في عالم الإنترنت خجولًا ولا يرقى لحجم التحديات. لكن الفرصة الآن مواتية للأفراد والمؤسسات للاستثمار في هذه الشبكات لتقديم محتوى يصنع مجتمعات إيجابية، ويحيي القيم الأصيلة وسط جيل الشباب والمراهقين الذين تقود هذه المنصات تفاصيل حياتهم. وبحسب بيانات منظمة الصحة العالمية، فإن أكثر من 11% من المراهقين يظهرون سلوكيات استخدام إدمانية تخرج عن نطاق سيطرتهم.

ما ينقصنا اليوم هو المبادرة بصناعة "ترندات بديلة" في مجالات الصحة، الثقافة، التعليم، والدعم النفسي. إن عالم الإنترنت مليء بالغث الذي ينقاد إليه أبناؤنا في صمت، وتقليل البعض من قوة تأثير "الترند" على سلامة المجتمع هو وهم يفنده الواقع؛ فقد شرعنت هذه الظواهر أفكارًا كانت حتى وقت قريب منبوذة ومرفوضة.

في النهاية، الخيار لنا وحدنا: نحن من نجعل من "الترند" خنجرًا في خاصرة قيمنا، أو حمامة سلام تحلق بمجتمعاتنا نحو الأفضل عبر تدخل مدروس وتعامل احترافي وواعٍ.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z