مدرين المكتومية
تابعتُ عن كثب تفاصيل زيارة الدولة التي قام بها حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظم- حفظه الله ورعاه- إلى جمهورية كازاخستان، وجدول الأعمال الدسم الذي شهدته هذه الزيارة، باعتبارها أول زيارة لسلطان عُماني إلى كازاخستان ومنطقة آسيا الوسطى، ما يعني أنها زيارة تاريخية لها صداها الذي ستدوِّنه كُتب التاريخ وأقلام المؤرخين.
زيارة أستانا تضع العلاقة العُمانية الكازاخستانية أمام مرحلة أكثر تطورًا، ترتكز على الانتقال من علاقات سياسية ودبلوماسية مستقرة إلى شراكة أكثر ارتباطًا بالاستثمار والطاقة والتجارة والنقل والتكنولوجيا. وفي المباحثات التي أجراها جلالة السلطان المعظم- أيده الله- مع فخامة الرئيس قاسم جومارت توكاييف، احتلت ملفات الاقتصاد والاستثمارات وتوثيق عرى التعاون صدارة المشهد؛ ما عكس رغبة مشتركة في بناء علاقة ذات مردود مباشر على البلدين. وقد شهدت الزيارة توقيع وتبادل حزمة واسعة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في مجالات الاستثمار والنقل الجوي والتَّعاون المالي والزراعة والثروة الحيوانية والثروة السمكية والاتصالات وتقنية المعلومات، إلى جانب تعزيز التعاون في الممرات التجارية. كما جرى الاتفاق على إنشاء صندوق استثماري مشترك بين جهاز الاستثمار العُماني وصندوق «سامروك-كازينا» برأسمال مستهدف يبلغ 150 مليون دولار.
إذن نحن نتحدَّث عن زيارة ذات وزن اقتصادي يستحق أن نتوقف عنده، بالتحليل والدراسة واستشراف المستقبل الواعد لكلا البلدين؛ إذ إنَّ الصندوق الاستثماري المشترك، ينقل العلاقة من مستوى تبادل الفرص إلى المشاركة في تمويلها، بينما يفتح مجلس الأعمال العُماني الكازاخستاني المجال أمام القطاع الخاص للانتقال من موقع المتابع إلى موقع الشريك، وهو ما يُؤكد نجاح هذه الزيارة التاريخية في تحويل التفاهمات الحكومية إلى نشاط فعلي وملموس على أرض الواقع.
وفي ظل ما تزخر به عُمان من مقومات اقتصادية متنامية بفضل موانئها وموقعها على البحار المفتوحة وبعيدًا عن الممرات الملاحية الضيقة إلى جانب بنيتها اللوجستية المتطورة، فإنَّ كازاخستان على الجانب الآخر تعد أكبر اقتصادات آسيا الوسطى، وتملك ثروات طبيعية واسعة، وتقع في قلب شبكة الممرات التي تربط الصين بآسيا الوسطى وأوروبا.
ولذلك ركزت "قمة أستانا" لتطوير الممرات التجارية والربط الجوي والخدمات اللوجستية؛ إذا يتجاوز مستوى التعاون العمليات اللوجستية المحدودة، ليستهدف بناء شبكة اقتصادية متينة تستفيد من الموقع الجغرافي لعُمان، وتمنح الشركات الكازاخستانية والآسيوية- عبر البوابة العُمانية- خيارات أوسع للوصول إلى الأسواق في شرق آسيا وأفريقيا.
والزيارات السامية دائمًا ما تستهدف تحويل المزايا النسبية إلى ركائز اقتصادية جاذبة للاستثمارات، في ترجمة عملية لمُستهدفات رؤية "عُمان 2040".
ومن اللافت في الاتفاقيات المبرمة أنَّ التعاون امتد من الموارد التقليدية إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي؛ بما في ذلك التعاون في استكشاف المعادن، وهو مؤشر على أن الشراكات الجديدة تُبنى حول المعرفة والتقنيات التي ستحدد تنافسية الاقتصادات في السنوات المُقبلة.
ولا يمكن قراءة أصداء هذه الزيارة بعيدًا عن الحراك الدبلوماسي والاقتصادي الذي يقوده جلالة السلطان المعظم- حفظه الله- لتعزيز حضور عُمان على خارطة الاقتصاد العالمي، وهي تحركات تندرج ضمن رؤية سامية حكيمة تعتمد على تنويع الشراكات بالتوازي مع جهود تنويع مصادر الدخل.
ولا يجب أن يظن البعض أن هذه الشراكات تخدم التعاون على المستوى الحكومي بين البلدين، لكنها في حقيقة الأمر تفتح الباب أمام القطاع الخاص ليُسهم بكل طاقته في دعم الخطط الوطنية، وتعزيز التنويع الاقتصادي، وهو ما يُعزز الآمال بجذب المزيد من رؤوس الأموال، وتنشيط التجارة، وربط الشركات، وتطوير الممرات اللوجستية، وتعزيز التعاون في الطاقة والتكنولوجيا.
وفي إطار الدبلوماسية الاقتصادية التي يقودها جلالة السلطان، فإنَّ أستانا تمثل محطة مهمة في رؤية أوسع، تؤكد أن عُمان المنفتحة على العالم، والواثقة بموقعها، تواصل المضي قدمًا نحو بناء شراكات ترتكز على المصالح المتبادلة وتحقق المنافع المشتركة.
وأخيرًا.. إنَّ الزيارات السامية لمختلف العواصم شرقًا وغربًا، تؤكد مدى اهتمام جلالة عاهل البلاد المفدى بتنمية الاقتصاد، وهي الرحلة الطويلة التي بدأت منذ إعادة هيكلة مؤسسات الدولة وترشيد الإنفاق وتخفيض الدين العام، وتعزيز المالية العامة للدولة، والسعي الحثيث من أجل تحسين معيشة المواطن وتوفير فرص العمل للشباب، وكل ذلك لا ينفصل مطلقًا عن الزيارات الخارجية وما تشهده من توقيع اتفاقيات استثمارية تدعم فرص النمو وتساعد على استعادة الزخم الاقتصادي، وتحقيق الازدهار والرخاء للجميع.
