7 أكتوبر.. 3 سنوات أعادت فلسطين إلى العالم

 

 

 

 

أحمد الفقيه العجيلي

ثلاث سنوات مرَّت على 7 أكتوبر 2023، وما زال ذلك اليوم حاضرًا في كل ما يجري حول فلسطين. يوم واحد غيّر مسار حرب، وأعاد القضية الفلسطينية إلى واجهة العالم، وفتح أبوابًا لصراعات امتدت من غزة إلى أكثر من جبهة، وأعاد طرح أسئلة ظن كثيرون أنها أصبحت مؤجلة إلى ما لا نهاية.

لكن السنوات الثلاث لم تكن مجرد حرب بين إسرائيل وحماس. كانت اختبارًا لقضية عمرها عقود، وللمواقف العربية والدولية منها، ولقدرة القوة العسكرية على حسم صراع ظل أصله سياسيًا وإنسانيًا قبل أن يكون عسكريًا.

ومع دخولنا الذكرى الثالثة، ربما يكون من المفيد أن نتوقف أمام ما جرى منذ ذلك اليوم: ماذا تغير في فلسطين والمنطقة والعالم؟ وماذا بقي على حاله رغم كل ما جرى؟

وقبل أن نسأل ماذا فعل 7 أكتوبر، علينا أن نتذكر ماذا كان يجري قبله.

كانت القضية الفلسطينية قد وصلت إلى مرحلة بدا فيها الأفق السياسي شديد الضيق. الاستيطان يتوسع، والقدس تتعرض لمزيد من محاولات تغيير واقعها، والحصار مُستمر على غزة، والمفاوضات متوقفة، والانقسام الفلسطيني قائم، فيما كانت المنطقة تنشغل بحروبها وأزماتها، وتتقدم مشاريع التطبيع مع إسرائيل وكأنَّ المشكلة الفلسطينية يمكن أن تنتظر إلى أجل غير مسمى.

كان هناك شعور متزايد لدى الفلسطينيين بأن قضيتهم تتحول إلى ملف مؤجل، وأن إدارة الصراع أصبحت بديلًا عن محاولة إنهائه.

لم يكن الفلسطينيون بحاجة إلى 7 أكتوبر ليعرفوا معنى الاحتلال؛ كانوا يعيشونه كل يوم. لكن الحدث فرض على العالم العودة إلى السؤال الذي جرى تأجيله طويلًا: كيف يُمكن الحديث عن السلام في منطقة لم يُحل فيها أصل المشكلة، أي الاحتلال وحرمان الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير مصيره؟

في ذلك السياق وقع 7 أكتوبر.

الهجوم الذي شنته حماس وفصائل فلسطينية أخرى على بلدات وقواعد عسكرية إسرائيلية في غلاف غزة، وما رافقه من قتل وأسر، أحدث صدمة غير مسبوقة داخل إسرائيل. وتُشير الأمم المتحدة إلى مقتل أكثر من 1200 شخص وأخذ 251 شخصًا رهائن إلى غزة.

لكن أهمية ذلك اليوم بالنسبة للقضية الفلسطينية لا تكمن في حجم الصدمة وحده، وإنما في أنه أنهى مرحلة كاملة كان الاعتقاد خلالها بأن بالإمكان تجاوز القضية الفلسطينية أو إبقائها في الهامش بينما تستمر الترتيبات الإقليمية.

ومنذ ذلك الصباح أصبح من الصعب التعامل مع فلسطين باعتبارها ملفًا يمكن تأجيله إلى أجل غير معلوم.

دخلت إسرائيل الحرب معلنة أهدافًا تتعلق بالقضاء على قدرات حماس وإعادة الرهائن، وتحولت غزة إلى ساحة حرب مفتوحة. ودمرت مساحات واسعة من غزة، وتعرضت المستشفيات والمدارس والبنية الأساسية لأضرار واسعة، ونزح معظم سكان القطاع مرات عديدة، وتراكمت خسائر بشرية ومادية يصعب حتى على الأرقام أن تختصر حجمها.

ولم تكن الكارثة في غزة حدثًا عابرًا. فما بقي من الركام، ومن فقدوا منازلهم وأفراد أسرهم، ومن الأطفال الذين عاشوا سنوات الحرب وسط الخوف، ومن المرضى الذين لم يجدوا العلاج، سيحتاج إلى سنوات طويلة حتى يستعيد شيئًا من الحياة التي كانت قبل الحرب.

وخلال أشهر الحرب، انتقلت العمليات من شمال غزة إلى الوسط ثم إلى خان يونس، قبل أن تصل إلى رفح، حيث تجمع مئات الآلاف من النازحين الذين دفعهم القتال من مناطق أخرى. وكانت رفح إحدى أكثر محطات الحرب حساسية؛ لأنها كانت تمثل آخر مساحة واسعة لجأ إليها سكان القطاع، ثم وجدوا الحرب تصل إليهم مرة أخرى.

وفي نوفمبر 2023 حدث أول توقف مؤقت للقتال، تزامن مع إطلاق سراح عدد من الرهائن الإسرائيليين والمحتجزين الفلسطينيين وإدخال مساعدات إلى غزة. وكشفت تلك الهدنة أن ملف المحتجزين كان أحد مفاتيح الحرب الأساسية، وأن الوساطة السياسية استطاعت، ولو مؤقتًا، أن توقف القتال وتفتح بابًا للتفاوض.

لكن الهدنة انتهت وعادت الحرب. ولم تبقَ المواجهة محصورة في غزة.

فُتحت جبهة لبنان، وامتدت المواجهات إلى البحر الأحمر، وشاركت جماعات مسلحة في العراق واليمن في الهجمات المرتبطة بالحرب، ثم وصلت المواجهة بين إسرائيل وإيران إلى مرحلة مباشرة. وهكذا أصبح 7 أكتوبر نقطة تحول في المشهد الإقليمي كله، ولم تعد غزة وحدها تدفع ثمن الحرب.

ومع ذلك، بقيت القضية الأصلية في مكانها.

استخدمت إسرائيل تفوقها العسكري على نطاق واسع، وألحقت دمارًا واسعًا بغزة، وغيّرت موازين القوى في أكثر من جبهة، لكن ذلك كله لم ينهِ الاحتلال ولم يلغِ حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.

ظل السؤال الذي سبق 7 أكتوبر قائمًا: ماذا سيكون مصير الدولة الفلسطينية؟ ماذا سيحدث للقدس والاستيطان؟ وهل يمكن أن تنتهي هذه الحرب من دون معالجة أصل الصراع؟

وهنا لا يمكن فصل غزة عن الضفة الغربية؛ فالاحتلال والاستيطان لم يتوقفا، واستمرت الضفة في مواجهة التوسع الاستيطاني والعنف والاقتحامات والتهجير، بينما بقي الفلسطينيون يعيشون واقعًا سياسيًا وجغرافيًا مجزأً. وفي سبتمبر 2026 حذرت تقارير أممية من استمرار التوسع الاستيطاني والتهجير وقيود الحركة، ومن تآكل الظروف اللازمة لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.

وفي الوقت نفسه، حدث تحول مهم على مستوى القانون الدولي؛ ففي يوليو 2024 أصدرت محكمة العدل الدولية رأيًا استشاريًا بشأن الآثار القانونية لسياسات وممارسات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأكدت حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وخلصت إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني، ودعت إلى إنهاء هذا الوجود ووقف النشاط الاستيطاني الجديد.

وفي نوفمبر من العام نفسه أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي توقيف بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت في إطار تحقيقاتها في الوضع في دولة فلسطين.

وعلى المستوى السياسي، اتسعت دائرة الاعتراف بالدولة الفلسطينية. ففي سبتمبر 2025 أعلنت دول غربية عدة، بينها بريطانيا وكندا وأستراليا، اعترافها الرسمي بدولة فلسطين، في خطوة انضمت إلى اعترافات قائمة من دول عديدة حول العالم.

لا يعني ذلك أن الدولة الفلسطينية أصبحت قائمة على الأرض، فالفجوة بين الاعتراف السياسي والواقع ما زالت كبيرة. لكن هذه التطورات، إلى جانب التحرك القانوني الدولي، جعلت القضية الفلسطينية أكثر حضورًا في السياسة الدولية مما كانت عليه قبل الحرب.

أما إسرائيل، فقد تغيرت هي الأخرى.

7 أكتوبر أسقط جزءًا كبيرًا من الصورة التي بنتها إسرائيل عن قدرتها على حماية مواطنيها اعتمادًا على التفوق العسكري والأمني وحده. كان يومًا صادمًا للمجتمع الإسرائيلي، وأعاد قضية الرهائن إلى قلب الحياة السياسية، وفتح نقاشًا داخليًا واسعًا حول مسؤولية القيادة السياسية والعسكرية عن الفشل الأمني الذي سبق الهجوم. وما زالت آثار ذلك اليوم حاضرة في السياسة والمجتمع الإسرائيليين مع اقتراب الذكرى الثالثة.

لكن الرد العسكري الإسرائيلي لم يبقَ داخل حدود غزة.

اتسعت المواجهة، وتغيرت موازين القوى الإقليمية، وأصبحت الحسابات الأمنية والعسكرية أكثر حضورًا في سياسات دول المنطقة. ومع انتقال المواجهة إلى ساحات متعددة، أعادت الحرب رسم كثير من خطوط الصراع في المنطقة.

ومع ذلك، لم يختفِ السؤال الفلسطيني وسط كل هذه التحولات؛ فالقوة العسكرية تستطيع أن تدمر وتفرض واقعًا على الأرض، لكنها لا تقدم وحدها حلًا سياسيًا لشعب ما زال يعيش تحت الاحتلال ويطالب بحقه في تقرير مصيره. ولذلك بقيت قضايا إنهاء الاحتلال، ووقف الاستيطان، وحل قضية القدس، وإقامة الدولة الفلسطينية، وضمان حق الفلسطينيين في العيش بأمن وحرية في وطنهم، في قلب أي حديث جدي عن مستقبل المنطقة.

أما عربيًا، فقد كشفت الحرب عن استمرار الحضور الشعبي القوي لفلسطين، وعن فجوة بين الشارع والحكومات؛ فالشعوب العربية أظهرت أن فلسطين ما زالت حاضرة في وجدانها، وأن العلاقات الرسمية مع إسرائيل لم تنجح في إزاحة القضية من الوعي الشعبي. وفي المقابل، وجدت الحكومات نفسها أمام حرب تضعها بين حسابات العلاقات الدولية والأمن والمصالح الاقتصادية من جهة، وضغط شعوبها وموقفها التاريخي من فلسطين من جهة أخرى.

وهنا لا يكفي الحديث عن بيانات الشجب أو المساعدات الإنسانية، مهما كانت أهميتها. السؤال الأهم هو: هل استطاعت الدول العربية أن تحول ثقلها السياسي والاقتصادي إلى موقف قادر على التأثير في مستقبل القضية؟

حتى الآن، يبدو أن هذا السؤال ما زال مفتوحًا.

وعلى المستوى الدولي، كانت غزة واحدة من أكبر الاختبارات التي تعرض لها مفهوم القانون الدولي في السنوات الأخيرة؛ فالدول التي طالما تحدثت عن حقوق الإنسان والقانون الدولي وجدت نفسها أمام مشاهد يومية من القتل والدمار والنزوح، فيما استمر الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل بدرجات مختلفة. وفي الوقت نفسه، تحركت مؤسسات الأمم المتحدة والمحاكم الدولية، وظهرت في دول عدة فجوة واضحة بين مواقف الحكومات ومواقف قطاعات واسعة من شعوبها.

لقد تغيرت طريقة حضور القضية الفلسطينية في النقاش الدولي، وأصبح الاحتلال والاستيطان وحقوق الفلسطينيين أكثر وضوحًا في الخطاب السياسي والقانوني العالمي. لكن هذا التغير في المواقف لم يتحول بعد إلى واقع ينهي الاحتلال أو يقيم الدولة الفلسطينية.

ثم جاءت مرحلة جديدة في أكتوبر 2025، مع خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووقف إطلاق النار، قبل أن يعتمد مجلس الأمن القرار 2803 الذي أيد الخطة، ورحب بإنشاء «مجلس السلام» كإدارة انتقالية، وأجاز إنشاء قوة استقرار دولية مؤقتة في غزة، وفتح ضمن شروط ومراحل محددة مسارًا سياسيًا يمكن أن يقود إلى تقرير المصير والدولة الفلسطينية.

كان يمكن أن يمثل ذلك بداية جديدة بعد عامين من الحرب.

لكن الواقع على الأرض بقي أكثر صعوبة من نصوص الاتفاقات؛ فوقف إطلاق النار لم ينهِ العنف بصورة كاملة، وظلت الضربات والعمليات العسكرية تقع بين فترة وأخرى، بينما بقيت أجزاء واسعة من غزة تعاني من الدمار ونقص الخدمات وصعوبة الوصول إلى المساكن وإعادة الإعمار. وفي الأيام الأخيرة استمرت الضربات رغم وقف إطلاق النار؛ ففي 3 أكتوبر قُتل خمسة فلسطينيين، بينهم أربع نساء، في غارة إسرائيلية على مبنى سكني في مدينة غزة، وفق مسؤولين صحيين ودفاع مدني فلسطينيين نقلت عنهم رويترز، بينما قال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف قياديًا في حماس. وفي 5 أكتوبر أفادت تقارير بإصابة فلسطينيين، بينهم أطفال، في هجمات جديدة في غزة.

وهكذا بقيت المسافة كبيرة بين إعلان وقف إطلاق النار وبين السلام الذي ينهي الخوف ويعيد الحياة إلى طبيعتها.

غزة ما زالت تحمل آثار الدمار، وملايين الفلسطينيين يعيشون في ظروف صعبة، وإعادة الإعمار لم تتحول بعد إلى عملية قادرة على إعادة الحياة إلى ما كانت عليه. كما أن قضايا الحكم والأمن والانسحاب وإعادة الإعمار ما زالت مرتبطة بتنفيذ مراحل الاتفاق، بينما يبقى مستقبل غزة وعلاقتها ببقية الأراضي الفلسطينية موضع تفاوض وصراع سياسي.

وبعد ثلاث سنوات، تبدو الحصيلة الإنسانية والسياسية واضحة في جانب، ومفتوحة في جانب آخر. فقد دفعت غزة ثمنًا هائلًا من الأرواح والبيوت والبنية الأساسية، وعاش الفلسطينيون واحدة من أقسى مراحل تاريخهم الحديث. وفي المقابل، تحركت القضية الفلسطينية بقوة في السياسة الدولية، واتسع الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ووصل ملف الاحتلال والاستيطان إلى مستويات قانونية وسياسية لم يكن من السهل تجاهلها قبل الحرب.

أمَّا 7 أكتوبر نفسه، فسيظل حدثًا يحتاج إلى دراسة سياسية وعسكرية وتاريخية عميقة. وسيأتي وقت لمراجعة قراراته وحساباته ونتائجه بعيدًا عن الانفعال الذي رافق الحرب وما زال حاضرًا فيها. لكن ذلك لا ينبغي أن يختزل القضية الفلسطينية في ذلك اليوم، ولا أن يجعل مستقبل شعب كامل مرتبطًا بتقييم فصيل أو قيادة.

القضية أقدم من 7 أكتوبر، والشعب الفلسطيني أكبر من أي فصيل، والاحتلال الذي سبق ذلك اليوم ما زال حاضرًا بعده.

ثلاث سنوات غيّرت الكثير في المنطقة والعالم، لكنها لم تغير الحقيقة الأساسية: الشعب الفلسطيني ما زال ينتظر حريته ودولته، وإنهاء الاحتلال سيظل جوهر أي سلام حقيقي. وما كشفته هذه السنوات هو أن تجاهل القضية لم يعد ممكنًا كما كان، وأن أي ترتيبات سياسية لا تضع حقوق الفلسطينيين في صلبها ستبقى عاجزة عن إنهاء الصراع.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z