المؤشرات الرقمية.. من توثيق الإنجاز إلى صناعة التنافسية الدولية

 

 

 

د. سالم بن حسن الشنفري

لا تُقاس قوة الدول في العصر الرقمي بما تمتلكه من شبكات اتصالات متطورة، أو بما تنفقه على مشروعات التقنية وحدها، وإنما بقدرتها على تحويل تلك الاستثمارات إلى قيمة اقتصادية واجتماعية ملموسة، تنعكس على جودة حياة الإنسان وكفاءة المؤسسات وتنافسية الاقتصاد. فالمؤشرات الرقمية ليست مجرد أرقام تُنشر في التقارير السنوية، بل أصبحت أدوات إستراتيجية تكشف مستوى نضج الدول، وكفاءة سياساتها العامة، ومدى جاهزيتها لمواكبة التحولات التقنية المُتسارعة.

ومن هنا، فإنَّ السؤال الذي ينبغي أن نطرحه في السلطنة لا يقتصر على حجم الإنجازات التي تحققت في قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر عمقًا: هل تعكس مؤشراتنا الوطنية حقيقة ما تحقق من تقدم؟ وهل نمتلك منظومة إحصائية وتحليلية قادرة على ترجمة هذه الإنجازات إلى حضور متقدم في التصنيفات الدولية، وتوظيف نتائجها في تطوير السياسات وصناعة القرار؟

لقد حققت سلطنة عُمان تقدمًا ملموسًا في تطوير البنية الأساسية للاتصالات والتحول الرقمي، مدعومًا باستثمارات حكومية وخاصة ساهمت في توسيع نطاق الخدمات، وتعزيز انتشار التقنيات الحديثة. كما أحرزت السلطنة المرتبة الحادية والأربعين عالميًّا في مؤشر الأمم المتحدة لتطور الحكومة الإلكترونية لعام 2024، ضمن مجموعة الدول ذات المستوى المرتفع جدًّا في تطور الحكومة الإلكترونية. وهي نتيجة تعكس الجهود المبذولة في تطوير الخدمات الحكومية الرقمية، وتؤكد أهمية البناء على ما تحقق للانتقال إلى مستويات أكثر تقدمًا.

غير أن التقدم في البنية الأساسية لا يعني بالضرورة تحقيق المستوى نفسه في جودة الاستخدام، أو القدرة على تحمل تكلفة الخدمات، أو تنمية المهارات الرقمية، أو مساهمة التقنية في الإنتاجية الاقتصادية. فعدد اشتراكات الإنترنت، على سبيل المثال، لا يكشف وحده عن جودة الاتصال في المناطق البعيدة، كما أن ارتفاع أعداد مستخدمي الخدمات الحكومية الرقمية لا يوضح بالضرورة مستوى رضا المستفيدين، أو مقدار الوقت والمال الذي وفرته تلك الخدمات.

وهنا تبرز الحاجة إلى تطوير منهجية إعداد التقارير القطاعية، بحيث تنتقل من التركيز على حجم الإنجازات والمؤشرات الكمية إلى تحليل أعمق لجودة الأداء وأثره الاقتصادي والاجتماعي. ولا يقلل ذلك من أهمية التقارير التي تصدرها الجهات المختصة، وفي مقدمتها وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، وهيئة تنظيم الاتصالات، والمركز الوطني للإحصاء والمعلومات، وإنما يدعو إلى تعزيز قيمتها التحليلية، وتوسيع نطاق المؤشرات التي تتناولها، وربط نتائجها بالأهداف الوطنية والمعايير الدولية.

ومن الجوانب التي تستحق المراجعة مدى توحيد التعريفات الإحصائية بين الجهات المعنية، ودقة آليات جمع البيانات والتحقق منها، وتوفر سلاسل زمنية تسمح بالمقارنة، ومدى توافق المؤشرات الوطنية مع المنهجيات المعتمدة لدى المنظمات الدولية. كما ينبغي التمييز بين ضعف الأداء الفعلي وغياب البيانات أو اختلاف طرق احتسابها؛ فقد تكون بعض الإنجازات متحققة على أرض الواقع، لكنها لا تنعكس بصورة كافية في المؤشرات الدولية نتيجة عدم توفر البيانات المطلوبة، أو عدم تقديمها وفق المنهجيات والمواعيد المحددة.

وتقدم التجارب الدولية دروسًا مهمة في هذا المجال؛ فقد استطاعت دول، مثل: كوريا الجنوبية، والدنمارك، وإستونيا تطوير منظومات متقدمة للحكومة الرقمية، تقوم على تكامل البيانات، وتصميم الخدمات حول احتياجات المستفيدين، وقياس جودة الأداء بصورة مستمرة. ويشير مؤشر الحكومة الرقمية الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أهمية التعامل مع البيانات باعتبارها أصلًا إستراتيجيًّا، وتوظيفها في تطوير الخدمات العامة وتعزيز الاستجابة الاستباقية لاحتياجات المجتمع.

والدرس المستفاد من هذه التجارب الدولية، استخلاص فلسفة إدارية تجعل القياس جزءًا أصيلًا من عملية اتخاذ القرار، وتتعامل مع المؤشرات باعتبارها مسؤولية مؤسسية مستمرة، لا مجرد متطلبات لإعداد التقارير السنوية، أو الاستجابة لاستبانات المنظمات الدولية.

وانطلاقًا من ذلك، تبدو الحاجة ملحة إلى بناء إطار وطني موحد للمؤشرات الرقمية، تتشارك في إعداده، وتنفيذه الجهات المعنية بالاتصالات، وتقنية المعلومات، والإحصاء، والتحول الرقمي، ويتضمن حصر المؤشرات الدولية ذات الصلة، وتحديد المسؤوليات المؤسسية عن كل مؤشر، وتوحيد مصادر البيانات وتعريفاتها، ووضع آليات واضحة لتحديثها والتحقق من دقتها. ويمكن أن يشكل هذا الإطار أساسًا لإنشاء لوحة متابعة وطنية تكشف مستويات الأداء والفجوات القائمة، وتساعد على تحديد الأولويات ومتابعة التقدم المحقق.

وفي موازاة ذلك، ينبغي تطوير التقارير القطاعية؛ لتتجاوز عرض الأرقام إلى تفسير دلالاتها، من خلال إدراج مقارنات دولية تستند إلى منهجيات موحدة، وتحليل اتجاهات الأداء عبر السنوات، وقياس جودة الخدمات وأسعارها، ورضا المستفيدين عنها، إلى جانب استحداث مؤشرات تعكس مساهمة قطاع الاتصالات، وتقنية المعلومات في النمو الاقتصادي والإنتاجية وتوليد فرص العمل. وتزداد أهمية تطوير هذه المنظومة في ضوء مستهدفات رؤية عُمان 2040، التي تسعى إلى رفع مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي الإجمالي إلى 10%، الأمر الذي يستدعي تسريع الجهود الوطنية لقياس الأداء الفعلي، ومعالجة الفجوات، وتوجيه الاستثمارات نحو الأنشطة الرقمية ذات القيمة الاقتصادية المضافة، بما يضمن تحقيق المستهدفات ضمن أطرها الزمنية المحددة.

ولأنَّ تطوير هذه المنظومة يتطلب خبرات متخصصة في الإحصاءات الرقمية ومنهجيات التصنيف الدولي، فإنَّ الاستعانة ببيوت خبرة، واستشارات دولية متخصصة تمثل خطوة مهمة لرفع الجاهزية الوطنية. وينبغي أن تتولى هذه الجهات إجراء تقويم فني مستقل للمؤشرات الحالية، وتحديد الفجوات المنهجية والمؤسسية، وإعداد خارطة طريق قابلة للتنفيذ، تتضمن أهدافًا زمنية واضحة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس.

على أن تكون الأولوية في هذه الاستشارات لنقل المعرفة وبناء قدرات الكفاءات العُمانية، وتطوير منظومة وطنية مستدامة، لا الاكتفاء بإعداد تقارير مؤقتة تنتهي قيمتها بانتهاء التعاقد. كما أن تعزيز التواصل الفني المباشر مع الاتحاد الدولي للاتصالات، والأمم المتحدة، والمنظمات الدولية المعنية من شأنه أن يساعد على فهم متطلبات القياس، وتحسين جودة البيانات المقدمة، والاستفادة من برامج الدعم الفني وبناء القدرات المتاحة.

ولضمان استدامة هذه الجهود، يمكن اعتماد مراجعة سنوية مستقلة للجاهزية الرقمية، تتناول أسباب التقدم، أو التراجع في كل مؤشر، وتحدد الإجراءات التصحيحية المطلوبة، وتربط نتائج التقويم بخطط التطوير والقرارات الاستثمارية، بما يجعل تحسين التصنيف الدولي نتيجة طبيعية لتطور الأداء الوطني، لا هدفًا شكليًّا قائمًا بذاته.

إنَّ رفع مكانة سلطنة عُمان في المؤشرات الرقمية الدولية لا يبدأ من تحسين طريقة عرض الأرقام فحسب، بل من بناء منظومة متكاملة تجمع بين دقة القياس، وكفاءة الأداء، والقدرة على تحويل النتائج إلى قرارات عملية. فالاستثمار في البنية الأساسية يحتاج إلى استثمار موازٍ في البيانات والخبرات والقدرات المؤسسية، حتى تصبح التقارير أدوات لاستشراف المستقبل، لا مجرد سجلات لتوثيق الماضي.

إنَّ المكانة الرقمية للدول لا تصنعها الأرقام التي تعلنها وحدها، وإنما تصنعها قدرتها على فهم ما وراء تلك الأرقام، ومعالجة ما تكشفه من فجوات، وتحويل نتائجها إلى سياسات ترتقي بالإنسان والاقتصاد معًا.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z