حين يصبح الإنسان سؤالًا

 

 

 

يارا الحايك **

 

ليست كل الأسئلة التي يستطيع العلم أن يطرحها أسئلةً يحق له أن يجيب عنها بأي وسيلة. فحين يكون موضوع البحث إنسانًا، لا تعود المعرفة وحدها هي المعيار؛ إذ يدخل معها حق الإنسان في الكرامة، والاختيار، ومعرفة الحقيقة التي تتصل بحياته. وهنا تبدأ المنطقة الأكثر حساسية في العلاقة بين العلم والأخلاق: متى يصبح السعي إلى المعرفة تجاوزًا لحدود الإنسان؟

ربما لا توجد قصة تختصر هذه المعضلة بصورة أكثر إثارة من قصة ثلاثة توائم متطابقين وُلدوا في نيويورك عام 1961. كان روبرت شافران، وإدوارد غالاند، وديفيد كيلمان يحملون التركيبة الجينية نفسها، لكنهم نشأوا في أسر مختلفة، من دون أن يعرف أي منهم بوجود شقيقيه.

لم يكن الفصل بينهم مجرد ظرف عائلي عابر، بل ارتبط بدراسة نفسية سعت إلى فهم السؤال القديم: ما الذي يصنع شخصيتنا أكثر، الطبيعة التي نولد بها أم البيئة التي ننشأ فيها؟ ارتبطت الدراسة بالطبيب النفسي بيتر نيوباور، وبالتعاون مع وكالة التبني "لويز وايز"، وتابعت نمو الأطفال عبر سنوات من الزيارات والاختبارات والملاحظات والتقييمات.

كان السؤال العلمي مشروعًا في ذاته. فمعرفة العلاقة بين الوراثة والبيئة من القضايا الأساسية في علم النفس، ودراسة الإخوة المتطابقين يمكن أن تقدم للباحثين فرصة نادرة لفهم هذه العلاقة. لكن المشكلة لم تكن في السؤال، بل في الطريقة التي جرى بها البحث عن الإجابة.

الأطفال لم يعرفوا أن لهم إخوة مطابقين يعيشون بعيدًا عنهم، ولم تكن الأسر التي تبنتهم تعرف الحقيقة الكاملة. وبذلك أصبح اختلاف البيئات التي أراد الباحثون دراستها واقعًا مفروضًا على أطفال لم يملكوا القدرة على فهمه أو الموافقة عليه.

ثم حدث ما لا تستطيع أكثر التجارب العلمية تنظيمه: تدخلت المصادفة.

في التاسعة عشرة من عمره، التحق روبرت شافران بكلية مجتمعية في شمال ولاية نيويورك، فاستقبله بعض الطلاب كما لو أنهم يعرفونه. كانوا يظنونه إدوارد، الذي كان قد درس في الكلية نفسها قبل عام. وعندما التقى الشابان، اكتشفا أنهما توأمان متطابقان. وبعد أن ظهرت قصتهما في الصحف، رأى ديفيد كيلمان الصور، فاكتشف أن هناك أخًا ثالثًا.

هكذا اجتمع الثلاثة بعد تسعة عشر عامًا من الانفصال، وتحولت قصتهم إلى ظاهرة إعلامية أثارت دهشة العالم. غير أن ما بدا للجمهور قصة استثنائية عن التشابه الجسدي كان، بالنسبة إلى أصحابها، اكتشافًا متأخرًا لحقيقة أساسية عن هويتهم وحياتهم.

وهنا يتغير السؤال.

لم يعد الأمر متعلقًا فقط بما إذا كانت الجينات أم البيئة أكثر تأثيرًا في تكوين الإنسان. بل أصبح السؤال: هل يملك الباحث حق صناعة الظروف التي يريد دراستها إذا كان ثمن ذلك يقع على أشخاص لا يستطيعون الموافقة؟

بقيت سجلات الدراسة محفوظة في جامعة ييل لعقود، ولم تُنشر نتائجها النهائية بصورة علمية كاملة. ووفق شروط إيداع الأرشيف، من المقرر أن يستمر حجب الجزء الأكبر من السجلات حتى عام 2065، ما يعني أن الإفراج الكامل عنها، إن تم وفق شروط الإيداع الحالية، لن يكون قبل ذلك التاريخ. أما حياة الإخوة، فقد حملت آثارًا نفسية وعاطفية مختلفة. وعانى إدوارد من مشكلات نفسية خطيرة قبل أن ينهي حياته عام 1995، عن ثلاثة وثلاثين عامًا. ولا يمكن إثبات أن تجربة الفصل كانت السبب المباشر في وفاته، لكن نهايته تجعل من الصعب النظر إلى القضية بوصفها مجرد ملف أكاديمي قديم.

العلم لا يتقدم بالخوف من الأسئلة، بل بجرأة طرحها، لكنه لا يفقد قيمته حين يضع للبحث حدودًا؛ بل ربما تكتمل إنسانيته عند تلك الحدود. فليست كل معرفة تستحق أن تُكتسب بأي ثمن، ولا يصبح الإنسان أقل استحقاقًا للحماية لمجرد أنه أصبح موضوعًا للبحث. إن أعظم ما ينبغي أن يظل حاضرًا في المختبر، قبل الأرقام والنتائج والفرضيات، هو الإنسان نفسه.

ولعل قصة هؤلاء الإخوة لا تدعونا إلى الاختيار بين الجينات والبيئة بقدر ما تدعونا إلى سؤال أعمق: ماذا يبقى من حرية الإنسان حين تُرسم بعض أهم فصول حياته قبل أن يملك القدرة على اختيارها؟ نحن أبناء ما نرثه، وما نعيشه، وما نختاره، لكن حقنا في المعرفة والاختيار ليس نتيجةً لما تقوله الجينات أو تفرضه البيئة؛ إنه جزء من إنسانيتنا.

ولهذا، قد لا تكون العبرة الأخيرة في هذه القصة أن نعرف أيهما يصنع الإنسان أكثر: الطبيعة أم التنشئة، بل أن ندرك أن الإنسان نفسه يجب ألا يتحول إلى وسيلة في سبيل أي معرفة. فحين يصبح الإنسان مجرد سؤال، قد نجد الإجابة التي نبحث عنها، ونفقد في الطريق الشيء الذي كان ينبغي أن نحميه منذ البداية.

** كاتبة سورية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z