حين يختفي الانتظار.. وتصل الخدمة

 

 

 

د. ذياب بن سالم العبري

شهدت سلطنة عُمان خلال السنوات الماضية تطورًا ملموسًا في مستوى الخدمات الحكومية والخاصة، واتسعت مساحات التحول الرقمي، وتراجعت كثير من الإجراءات الورقية، وأصبح الوصول إلى عدد كبير من الخدمات أكثر سهولة ومرونة. وهي منجزات تستحق التقدير والبناء عليها؛ لأنها اختصرت الوقت والجهد، ورسخت ثقافة جديدة في تقديم الخدمة والاستفادة من التقنية.

غير أن النجاح لا يقف عند ما تحقق، بل يجعل من كل إنجاز نقطة انطلاق إلى مستوى أفضل. فالعالم يتحرك بسرعة متزايدة، والتقنيات الحديثة جعلت ما كان يحتاج أيامًا قابلًا للإنجاز في دقائق، وما كان يتطلب التنقل بين مؤسسات عدة يمكن أن يبدأ وينتهي من نافذة واحدة.

ومن هنا لم يعد التحدي في رقمنة الخدمة فقط، وإنما في إعادة تصميمها من الأساس؛ بحيث تكون أسرع وأسهل وأكثر ترابطًا، وتضع المستفيد في قلبها؛ فلا تزال هناك تفاوتات بين المؤسسات في مستوى نضج الخدمات وسرعة إنجازها وسهولة إجراءاتها. وبعض الخدمات انتقلت إلى البيئة الإلكترونية، بينما بقيت خطواتها ومساراتها قريبة من الشكل التقليدي القديم. والرقمنة الحقيقية ليست أن ينتقل الانتظار من أمام المكتب إلى شاشة الهاتف، وإنما أن يختفي الانتظار ذاته كلما كان ذلك ممكنًا.

كما أن التكامل بين المؤسسات لا ينبغي أن يتوقف عند تبادل البيانات. فالمستفيد لا يفترض أن يكون حلقة الوصل بين الجهات، ينتقل من مؤسسة إلى أخرى، ويعيد تقديم المعلومات نفسها، ويتابع الموافقات، ويسدد الرسوم في أكثر من مكان.

ويتقدم المستفيد بطلبه مرة واحدة، وتعمل الجهات المعنية في الخلفية ضمن مسار مترابط، تنتقل خلاله البيانات والموافقات والإجراءات والمدفوعات بصورة إلكترونية متكاملة، حتى تصل الخدمة إلى نهايتها. فالمستفيد لا يعنيه تعدد الاختصاصات بقدر ما يعنيه أن يحصل على خدمته بسهولة ووضوح وفي الوقت المناسب. وهنا يصبح التكامل أكثر نضجًا؛ فلا تتكامل قواعد البيانات فقط، بل تتكامل رحلة الخدمة من بدايتها إلى نهايتها.

والفرصة اليوم أكبر مع تطور الذكاء الاصطناعي والأتمتة وتحليل البيانات. فهذه التقنيات تستطيع التحقق من المعلومات، وتوجيه المعاملة إلى مسارها الصحيح، ورصد التأخير، واكتشاف النقص، بل وتقديم بعض الخدمات بصورة استباقية قبل أن يطلبها المستفيد.

لكن التقنية وحدها لا تصنع خدمة متميزة؛ إذ إن التحول الأهم يظل في العقلية لدى مقدم الخدمة وموظفيها. فالموظف في المنظومة الحديثة ليس حارسًا للإجراء، وإنما مُمكّنًا للخدمة. والنجاح لا يقاس بعدد الخطوات التي مرت بها المعاملة، بل بالوصول إلى النتيجة الصحيحة بأعلى كفاءة وأقل عبء ممكن على المستفيد.

وهنا تتغير كذلك طبيعة العلاقة بين الطرفين. فالخدمة ليست منّة ولا فضلًا من أحد، وإنما مسؤولية مهنية ومؤسسية، والمستفيد طرف أصيل في علاقة خدمية تقوم على الجودة والاحترام والوضوح وسرعة الإنجاز. ومن ثم تصبح جودة تجربة المستفيد جزءًا من جودة المؤسسة نفسها.

ويظل بناء القدرات البشرية عنصرًا أساسيًا في هذا التحول. فكلما تولت التقنية الأعمال المتكررة والروتينية، أصبح دور الإنسان أكثر قيمة في التحليل، وحل المشكلات، واتخاذ القرار، والتعامل مع الحالات التي تحتاج إلى خبرة وفهم وحكم مهني. كما أن الخدمة الحديثة ينبغي أن تتحرر، كلما أمكن، من قيود الزمان والمكان. فما تستطيع التقنية تقديمه على مدار الساعة لا ينبغي أن يبقى أسير أوقات الدوام، وما يمكن إنجازه عن بُعد لا يستدعي حضور المستفيد إلا عندما تكون هناك حاجة حقيقية لذلك؛ فالخدمة ينبغي أن تقترب من الناس، لا أن تطلب من الناس دائمًا أن يقتربوا منها.

وترشيق الإجراءات لا يعني تجاوز الضوابط أو إضعاف الحوكمة، بل إزالة ما لا يضيف قيمة، ودمج الخطوات المتكررة، والاستفادة من البيانات المتاحة، واختصار المسارات مع الحفاظ على الحقوق وجودة القرار.

وحين يتحقق ذلك، فإن الأثر يتجاوز رضا المستفيد. فالوقت الذي نوفره على المواطن يعود إلى حياته وعمله وأسرته، والوقت الذي نختصره على المستثمر يعني كلفة أقل وفرصة أسرع للنمو، وكل إجراء غير ضروري نتجاوزه يرفع كفاءة المؤسسة والاقتصاد معًا.

لدينا في عُمان قاعدة جيدة، وبنية رقمية تتقدم، وكفاءات وطنية قادرة. وما نحتاجه في المرحلة القادمة هو الانتقال من رقمنة الخدمات إلى إعادة ابتكارها؛ بحيث لا يكون طموحنا مواكبة أفضل التجارب فقط، بل أن نقدم نموذجًا عُمانيًا في الخدمة المتكاملة والذكية يستحق أن يُحتذى به؛ فالتقدم الحقيقي لا يقاس بعدد الخدمات الإلكترونية وحدها، وإنما بقدر ما استطعنا أن نختصر من وقت الإنسان وجهده، ونزيل من طريقه التعقيد، ونجعل الخدمة تصل إليه بسهولة… حتى يصبح الانتظار استثناءً، لا جزءًا من الخدمة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z