المعلم.. صانع الأجيال وباني المستقبل

 

 

د. حامد بن عبدالله البلوشي **

ليس التدريس مجرد مهنة لكسب الأرزاق كغيرها من المهن والوظائف، وليس المعلم رجلًا يقف أمام سبورة شارحًا، ولا صوتًا مُجلجلًا في جنبات الصفوف وردهات المدرسة مربيًا ومعلمًا، ثم ينتهي أثره بانتهاء الحصة وانقضاء اليوم المدرسي؛ إنما هو إنسان يترك في النفوس أثرا قد يمتد عمرا كاملا. قد ينسى الطالب كثيرًا من الدروس، وقد تتوارى من ذاكرته تفاصيل الكتب والاختبارات، لكنه قلما ينسى معلمه الذي آمن بقدراته، أو كلمة له رفعت همته، أو موقفا تربويا علّمه أن العلم ليس طريقا إلى النجاح فحسب، بل إنه طريق إلى بناء الإنسان وصناعة الحياة.

ومن هنا تبدو مكانة المعلم في حياة الفرد والمجتمع؛ فهو الذي يفتح للناشئة أبواب المعرفة، ويضع بين أيديهم مفاتيح المستقبل، ويشارك الأسرة والمجتمع في صياغة شخصية الإنسان علما وفكرا وسلوكا. وإذا كانت الأمم تقاس بما تملك من ثروات، فإن أعظم ثرواتها وأجلها عقول أبنائها، والمعلم هو ذلك الصانع الماهر الذي يتولى صناعة هذه الثروة ويحسن توجيهها.

وفي الخامس من أكتوبر من كل عام، نحتفل بهذه القامة العالية والمقام الرفيع وريث الأنبياء معلم الأجيال على مر العصور، وفي الذكرى الستين لاعتماد توصية منظمة اليونسكو ومنظمة العمل الدولية عام 1966 بشأن أوضاع المعلمين؛ يقف العالم وقفة تقدير أمام أولئك العظماء الذين اختاروا أن يحملوا رسالة تتجاوز حدود المهنة، وأن يجعلوا من المعرفة جسرا يعبر به الإنسان من ضيق الجهل إلى رحابة الوعي، ومن عتمة السؤال إلى نور الفهم؛ إنهم المعلمون الذين لم تكن مهمتهم يوما أن يملؤوا العقول بالمعلومات فحسب، بل أن يوقظوا فيها القدرة على التفكير، وأن يزرعوا في النفوس قيم العمل والمسؤولية، وأن يصنعوا من المتعلم إنسانا قادرا على أن يصنع مستقبله ومستقبل مجتمعه.

وليس هذا اليوم مناسبة للاحتفاء بالمعلم فحسب، وإنما فرصة عالمية للتفكير في المكانة التي يستحقها، والدعم الذي يحتاج إليه، والمستقبل الذي ينبغي أن يتجه إليه التعليم، والتحديات التي تواجهه في عالم يتغير بوتيرة متسارعة، بفعل التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، والهجرة والنزوح، والحروب والصراعات، إلى جانب أعباء العمل، وتحديات المكانة المهنية والمادية. ولذلك جاء شعار اليونسكو هذا العام: "دعم المعلمين: 60 عامًا من حماية هذه المهنة وتحسين أوضاعها ورسم ملامح مستقبلنا"، ليؤكد أن حماية المعلم ليست ترفا تربويا، بل ضرورة لبناء مستقبل أكثر عدلا واستدامة.

ومن الضروري في هذا الاحتفال أن نتذكر دائمًا مكانة المعلم، وأثره الكبير في المجتمعات والأمم؛ فالمعلم ليست مهمته مجرد التلقين، لكنه في الوقت نفسه يربي ويوجه ويلهم. يكتشف موهبة قد لا يراها صاحبها في نفسه، ويمنح الثقة لمن أرهقه الفشل، ويفتح نافذة أمل أمام من ظن أن الطريق قد أغلق. وقد يكون موقف تربوي صغير من معلم سببا في تغيير حياة طالب بأكملها.

ومن هنا كانت رسالة المعلم مرتبطة ببناء الإنسان قبل بناء المعلومة؛ فهو يسهم في تشكيل شخصية المتعلم، وتنمية قدرته على الحوار، واحترام الآخر، وتحمل المسؤولية، والبحث، والإبداع، والعمل الجماعي. وحين ينجح المعلم في أداء رسالته، فإنه لا يخرج طالبا ناجحا في اختبار فحسب، بل يشارك في صناعة قائد وسياسي، وطبيب ومهندس، وباحث ومفكر، وداعية وإمام، وتاجر ومواطن صالح، وغير ذلك من صناع الأوطان.

وفي سلطنة عُمان، ارتبط التعليم منذ انطلاق النهضة الحديثة ببناء الإنسان وإعداد الأجيال القادرة على المشاركة في مسيرة الوطن. وقد أولت الدولة التعليم اهتمامًا كبيرًا، واستمر هذا التوجه في الإستراتيجيات التعليمية وصولًا إلى رؤية "عُمان 2040"، التي تجعل التعليم والتعلم والبحث العلمي من مرتكزات بناء مجتمع المعرفة والقدرات الوطنية التنافسية. كما تؤكد وزارة التعليم حاليا على تعليم عالي الجودة، مدمج بالتقنية، يعزز الابتكار وريادة الأعمال وبناء المهارات.

ومن هنا فإن المعلم العُماني ليس مجرد عنصر في المنظومة التعليمية، بل شريك في مشروع وطني واسع لبناء الإنسان العُماني وتأهيله لمتطلبات المستقبل.

غير أن المعلم اليوم يقف أمام تحديات لم تكن مطروحة بالصورة نفسها في الماضي؛ فالتكنولوجيا دخلت إلى الصفوف، والذكاء الاصطناعي أصبح قادرا على إنتاج النصوص والإجابة عن الأسئلة وتقديم المعلومات في ثوان. ولم يعد السؤال: كيف يحصل الطالب على المعلومة؟ وإنما أصبح: كيف يتحقق من صحتها؟ وكيف يوظفها؟ وكيف يفكر فيها؟ وكيف يحولها إلى معرفة نافعة؟

ولهذا يحتاج المعلم إلى تدريب مستمر، وبيئة تعليمية مناسبة، ووقت كاف للتخطيط والتطوير، ومشاركة حقيقية في صناعة القرار التعليمي، وتقدير مهني ومادي يتناسب مع حجم رسالته. فكيف نطلب من المعلم أن يصنع المستقبل إذا لم نوفر له الأدوات التي تمكنه من ذلك؟!

والاحتفاء بالمعلم في اليوم العالمي للمعلمين أمر جميل، لكن الأجمل من ذلك أن يتحول هذا الاحتفاء إلى ثقافة دائمة. فالمعلم لا يحتاج إلى كلمة شكر في الخامس من أكتوبر فقط، ثم يعود في اليوم التالي ليواجه أعباءه وحده، ويقف أمام التحديات أعزل دون تأهيل ومعاونة صادقة.

والمجتمع مسؤول عن احترام المعلم، والأسرة مسؤولة عن تعزيز مكانته في نفوس الأبناء، والمؤسسات التعليمية مسؤولة عن توفير بيئة مهنية محفزة، وصانع القرار مسؤول عن إشراكه في تطوير التعليم، والمؤسسات الإعلامية والثقافية مسؤولة عن ترسيخ قيمة العلم والتعليم وأهل المعرفة.

وإذا كان العالم يحتفل اليوم بالمعلم، فإن السؤال الأعمق الذي ينبغي أن نطرحه هو: ماذا قدمنا نحن للمعلم حتى يستطيع أن يقدم أفضل ما لديه لأبنائنا؟

فالتعليم لا ينهض بالمناهج الحديثة وحدها، ولا بالمباني الرائعة فقط، ولا بالتقنيات المتقدمة فحسب؛ إنما ينهض بالإنسان الذي يقف خلف كل ذلك: المعلم.

وإذا أردنا أن نرسم مستقبلًا أكثر علمًا ووعيًا وسلامًا وازدهارًا، فلنبدأ بمن يرسم ملامح الإنسان نفسه.

كل عام والمعلمون في العالم أكثر تقديرًا، وأعظم مكانة، وأوفر دعمًا... وكل عام ومعلمو عُمان يواصلون رسالتهم في بناء الإنسان، وصناعة المعرفة، وخدمة الوطن، ورسم ملامح الغد.

** مدير عام شبكة الباحثين العرب في مجال المسؤولية المجتمعية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z