أرواح تُزهق.. وحوادث تؤلم

 

 

 

د. سالم بن محمد عمر العجيلي

نستيقظ كل صباح، نغادر منازلنا إلى أعمالنا ومدارسنا ومصالحنا، ونودّع أهلنا على أمل أن نعود إليهم كما خرجنا... لكن في لحظة واحدة قد يتحول الطريق من وسيلة للوصول إلى سببٍ لفقدان عزيز، أو إصابة، أو ألمٍ يمتد أثره إلى أسرة كاملة.

لقد شهدت سلطنة عُمان نهضةً واسعة في مختلف المجالات، وكان للطرق وشبكات النقل دور أساسي في ربط المحافظات والولايات والمناطق، في بلدٍ تتنوع فيه التضاريس بين الجبال والأودية والسهول، وتعتمد فيه حياة الناس اليومية بدرجة كبيرة على المركبات.

ومع هذا التطور، تبقى سلامة الإنسان على الطريق مسؤولية لا تقل أهمية عن إنشاء الطريق وتطويره؛ فالحوادث المرورية ليست مجرد أرقام، بل أرواحٌ تُفقد، وأسرٌ تتغير حياتها، وأشخاصٌ قد يحملون آثار الإصابة أو الإعاقة طوال حياتهم.

وترتبط كثير من الحوادث بسلوكيات يمكن الحد منها؛ كالسرعة الزائدة، وعدم الانتباه، والانشغال بالهاتف، والتجاوز غير الآمن، وعدم ترك مسافة كافية بين المركبات، إلى جانب الإرهاق والنعاس، أو إهمال صيانة المركبة والإطارات والفرامل.

وهنا يطرح الطريق سؤالًا بسيطًا:

لماذا العجلة؟ هل تستحق دقائق معدودة أن نخاطر من أجلها بحياتنا وحياة الآخرين؟

إن الوصول متأخرًا أفضل بكثير من عدم الوصول، والسلامة لا ينبغي أن تكون هدفًا ثانويًا أمام الرغبة في الوصول بسرعة.

وتزداد المسؤولية عندما يتعلق الأمر بالشاحنات والمركبات الثقيلة؛ فحجم المركبة ووزن الحمولة وطبيعة الطريق تجعل الالتزام بالصيانة، وسلامة الإطارات والفرامل، وتثبيت الحمولة، والسرعة المناسبة، أمورًا بالغة الأهمية، خصوصًا في الطرق الجبلية والمنحدرات والدوارات والمناطق ذات الحركة المرورية الكثيفة.

ولعل ما شهدناه من حوادث مؤسفة وخطيرة في بعض المواقع، ومنها ما شهدته ولاية سمائل من حادث لشاحنة وما ترتب عليه من ضحايا وإصابات وتعطل لحركة السير، يعيد إلى الواجهة أهمية التعامل مع سلامة الشاحنات والمركبات الثقيلة، ليس فقط بعد وقوع الحادث، وإنما قبل وقوعه، من خلال الوقاية والفحص والالتزام بالاشتراطات المرورية والفنية.

كما أن بعض المواقع الجبلية والمنحدرات، ومنها عقبتي ياسمين في جبل حمرير بمحافظة ظفار، شهدت حوادث مؤسفة، من بينها تدهور شاحنات ومركبات ثقيلة، وما يترتب على مثل هذه الحوادث من مخاطر على مستخدمي الطريق، فضلًا عن تكرار الحوادث في بعض المواقع.

وهنا تبرز أهمية أن تخضع المواقع التي تتكرر فيها الحوادث لمزيد من الدراسة والمراجعة من الجهات المختصة، لمعرفة الأسباب المرتبطة بالطريق أو التضاريس أو كثافة الحركة أو سلوك مستخدميه، والعمل على معالجتها بما يعزز السلامة.

إنَّ السلامة المرورية لا تبدأ بعد وقوع الحادث، وإنما تبدأ بمحاولة منعه من الأساس؛ فهناك طرق ومواقع قد تستدعي مزيدًا من الاهتمام، سواء من خلال تحسين اللوحات الإرشادية والتحذيرية، أو تعزيز الحواجز الواقية، أو تحسين الإنارة حيثما تدعو الحاجة، أو تنظيم حركة المركبات الثقيلة، أو إجراء تحسينات هندسية وتنظيمية تتناسب مع طبيعة كل موقع.

والوقاية لا تعني انتظار وقوع الحادث ثم البحث عن سببه، وإنما تعني قراءة مؤشرات الخطر والتعامل معها قبل أن تتحول إلى مأساة؛ فكل إجراء وقائي قد ينجح في منع حادث واحد، يعني في النهاية إنقاذ حياة، وحماية أسرة من ألمٍ لم تكن تتوقعه.

ومن السلوكيات التي أصبحت ملحوظة على بعض الطرق عدم ترك مسافة أمان كافية بين المركبات، حيث يقترب بعض السائقين بصورة شديدة من المركبة التي أمامهم، سواء بهدف التجاوز أو رغبةً في الوصول بسرعة أكبر.

وهذا السلوك قد يضع السائق المتقدم تحت ضغط وارتباك، كما يحرم السائق الخلفي من الوقت والمسافة اللازمين للتصرف إذا توقفت المركبة أمامه بصورة مفاجئة أو حدث طارئ على الطريق؛ فمسافة الأمان ليست فراغًا بين مركبتين، بل مساحة قد تكون الفاصل بين النجاة والحادث.

وقد لا يكون الخطر في السرعة وحدها؛ فالإرهاق والنعاس، واستخدام الهاتف، والانشغال أثناء القيادة، والقيادة في ظروف جوية تقل فيها الرؤية بسبب الأمطار أو الضباب، كلها عوامل قد تحول لحظة عابرة إلى حادث مؤلم.

وفي مثل هذه الظروف، فإن التوقف جانبًا والانتظار حتى تتحسن الرؤية أو يستعيد السائق نشاطه ليس تأخيرًا، بل تصرف مسؤول قد يحمي حياة الإنسان وحياة الآخرين.

قد ينتهي الحادث في دقائق، لكن آثاره قد تمتد لسنوات؛ فقد تبدأ بعدها رحلة طويلة من العلاج والتأهيل، وقد تتغير حياة إنسان أو أسرة بأكملها بسبب لحظة واحدة كان يمكن في بعض الأحيان تجنبها.

ومن هنا، فإن الوقاية ليست مسؤولية الجهات المختصة وحدها، بل تبدأ من ثقافة المجتمع والأسرة. فكلمة من أب لابنه، أو نصيحة من زوج لزوجها، أو تذكير لصديق بأن يخفف سرعته أو يتوقف عندما يشعر بالتعب، قد تكون في لحظة معينة سببًا في إنقاذ حياة.

والوعي المروري الحقيقي لا يظهر فقط عندما نرى حادثًا، وإنما يظهر قبل الحادث؛ عندما نهدئ السرعة، ونترك مسافة أمان، ونؤجل استخدام الهاتف، ونتوقف عندما نشعر بالنعاس.

ولعل من الكلمات التي لا تزال حاضرة في الذاكرة العُمانية، كلمة المغفور له بإذن الله السلطان قابوس بن سعيد- طيب الله ثراه- في المخيم السلطاني بسيح المكارم بولاية صحار عام 2009، حين تناول قضية الحوادث المرورية، مؤكدًا أن ما يحدث على الطرقات قضية ينبغي أن تعني المجتمع بأسره. ومن أبرز ما ورد في كلمته: «ما يحدث بالطرقات مسألة يجب أن تهتم بها جميع شرائح المجتمع».

وهي عبارة تختصر جوهر المسؤولية؛ فسلامة الطريق ليست مسؤولية جهة واحدة، وإنما مسؤولية مشتركة تبدأ من الفرد وتمتد إلى الأسرة والمجتمع والجهات المختصة. وقد ارتبطت تلك التوجيهات لاحقًا بجهود وبرامج للتوعية بالسلامة المرورية على الطريق، ركزت على الحد من الحوادث وحماية الأرواح.

ورغم مرور السنوات على تلك الكلمة، فإن رسالتها لا تزال حاضرة؛ لأن قيمة الإنسان وسلامته لا ترتبط بزمن، ولأن الطريق مهما تطور، يبقى وعي مستخدميه والتزامهم من أهم خطوط الدفاع عن الأرواح.

سلامة الطرق مسؤولية مشتركة؛ تبدأ من السائق، وتمتد إلى مالك المركبة وشركات النقل والجهات المشرفة على الطرق والجهات المعنية بالرقابة والتوعية، وصولًا إلى المجتمع بأسره.

وقبل أن ندير محرك السيارة، علينا أن نسأل أنفسنا: هل مركبتي في حالة آمنة؟ هل إطاراتها وفراملها سليمة؟ هل سرعتي مناسبة للطريق والظروف المحيطة؟ هل تركت مسافة أمان كافية؟ هل أنا متعب أو أشعر بالنعاس؟ وهل ما أفعله قد يعرض شخصًا آخر للخطر؟

قد تبدو هذه الأسئلة بسيطة، لكنها في لحظتها قد تكون سببًا في إنقاذ حياة.

لننظر إلى الطريق من زاوية مختلفة؛ خلف كل مركبة إنسان، وخلف كل إنسان أسرة تنتظره. أم تنتظر ابنها، وأب ينتظر ابنته، وزوج تنتظر زوجها، وأطفال ينتظرون أباهم.

ولهذا، فإن احترام الطريق ليس خوفًا من مخالفة، ولا التزامًا مؤقتًا أمام كاميرا أو دورية، وإنما احترام للحياة، وتقدير لمن ينتظرنا خلف أبواب منازلنا.

قد لا نستطيع منع جميع الحوادث، لكننا نستطيع أن نخفض أسبابها، وأن نرفع مستوى الوعي بها، وأن نراجع المواقع التي تتكرر فيها، وأن نلتزم نحن كسائقين بما يحمي حياتنا وحياة الآخرين.

وفي النهاية، لا شيء أهم من أن نعود إلى من نحب. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء؛ فليس المهم أن تصل أولًا... المهم أن تصل سالمًا.

** خبير الجودة والتميز المؤسسي والتخطيط الاستراتيجي والقانون والتحكيم الدولي

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z