◄ مدرب المنتخب الوطني: الإحلال التدريجي ضروري لإيجاد منتخب أقوى
◄ نصف النهائي حصيلة أول اختبار رسمي للسكتيوي.. وتأهل بالقرعة سيبقى في ذاكرة البطولة
◄ بعثة المنتخب أدت مناسك العمرة قبل العودة إلى سلطنة عُمان
الرؤية- أحمد السلماني
غادرت بعثة منتخبنا الوطني الأول لكرة القدم مدينة جدة، فجر الإثنين، عائدة إلى سلطنة عمان، بعد ختام مشاركة الأحمر في بطولة كأس الخليج العربي "خليجي 27"، والتي انتهت عند الدور نصف النهائي بالخسارة أمام المنتخب الإماراتي بهدف دون رد، بعد رحلة حافلة بالتقلبات والأحداث والسيناريوهات المثيرة، كان أبرزها التأهل التاريخي إلى المربع الذهبي عن طريق القرعة بعد التساوي الكامل مع المنتخب العراقي.
وأدت بعثة منتخبنا مناسك العمرة قبل مغادرة المملكة العربية السعودية، لتطوي بذلك صفحة مشاركة استمرت نحو أسبوعين في جدة، وشكلت أول اختبار رسمي للمدرب المغربي طارق السكتيوي منذ توليه قيادة الأحمر.
وأنهى منتخبنا البطولة بين المنتخبات الأربعة الأفضل، بعدما خاض أربع مباريات، تعادل في واحدة وفاز في أخرى وخسر مباراتين، وسجل أربعة أهداف واستقبل ثمانية أهداف، وقدم مستويات متفاوتة بين مباراة وأخرى، إلا أن البطولة قدمت للجهاز الفني، وفق رؤية السكتيوي، صورة أكثر وضوحا عن قدرات المجموعة الحالية واحتياجات المنتخب للمرحلة المقبلة.
بداية أمام العراق وعودة من التأخر
بدأ الأحمر مشواره أمام العراق على استاد الأمير عبدالله الفيصل، ووجد نفسه متأخرا مبكرا بهدف محمد قاسم في الدقيقة السادسة، قبل أن يتحسن تدريجيا ويعود في الشوط الثاني عن طريق ناصر الرواحي في الدقيقة 67، لتنتهي المواجهة بالتعادل 1-1.
وكشفت المباراة الأولى قدرة المنتخب على العودة بعد التأخر، لكنها أظهرت في الوقت نفسه مشكلة البداية البطيئة واستقبال الأهداف المبكرة، وهي الملاحظة التي تكررت لاحقا وأصبحت واحدة من أبرز الملفات الفنية التي صاحبت مشاركة الأحمر.
ثلاثية السعودية تكشف الأخطاء
وفي الجولة الثانية واجه منتخبنا المنتخب السعودي على ملعب الإنماء بمدينة الملك عبدالله الرياضية، في مباراة صعبة دفع خلالها الأحمر ثمن البداية السيئة والأخطاء الدفاعية وضعف التعامل مع الكرات الثابتة والعرضية.
وتقدم فراس البريكان للسعودية، ثم أضاف حسن كادش الهدف الثاني، قبل أن يعود البريكان ويسجل الثالث، لتنتهي المواجهة بخسارة منتخبنا بثلاثة أهداف دون رد، وهي النتيجة التي وضعت الأحمر أمام حسابات بالغة التعقيد قبل الجولة الأخيرة.
ورغم تحسن الأداء في فترات من الشوط الثاني، فإن المنتخب لم يتمكن من العودة، لتصبح مهمته أمام الكويت مرتبطة بتحقيق الفوز وانتظار نتيجة مواجهة السعودية والعراق.
20 دقيقة من أغرب ليالي كأس الخليج
دخل منتخبنا مباراة الكويت على إستاد الأمير عبدالله الفيصل ولا بديل أمامه عن الفوز، لكنه تلقى ضربة مبكرة جديدة بعدما سجل شبيب الخالدي هدف الكويت في الدقيقة السادسة، لينتهي الشوط الأول بتأخر الأحمر بهدف.
وفي الشوط الثاني تغير المشهد، وضغط منتخبنا بحثا عن العودة، حتى سجل ناصر الرواحي هدف التعادل في الدقيقة 65، ثم عاد اللاعب نفسه ليسجل الهدف الثاني في الدقيقة 81، قبل أن يضيف مصعب الشقصي الهدف الثالث في الدقيقة 84، ليقلب الأحمر النتيجة إلى فوز 3-1 في واحدة من أكثر مباريات البطولة إثارة.
وفي المباراة الأخرى كانت السعودية تتغلب على العراق بهدفين دون رد، لتبدأ حسابات التأهل الأكثر تعقيدا. فقد تساوى منتخبا عمان والعراق في أربع نقاط، كما تساويا في المواجهة المباشرة بعد تعادلهما 1-1، وفي فارق الأهداف وعدد الأهداف المسجلة والمستقبلة.
وكان منتخبنا في طريقه إلى الاستفادة من معيار اللعب النظيف، قبل أن يصنع احتفال مصعب الشقصي بالهدف الثالث مشهدا نادرا، فقد خلع اللاعب قميصه في فرحة عارمة، ليحصل على بطاقة صفراء جعلت الأحمر يتساوى مع العراق حتى في البطاقات، لتستنفد معايير الفصل وتنتقل القضية إلى القرعة.
وبقي العمانيون والعراقيون في حالة ترقب حتى أجريت القرعة في فندق إنتركونتننتال بجدة، لتبتسم الكرة التي حملت اسم سلطنة عمان للأحمر وتمنحه بطاقة نصف النهائي. وتحولت الواقعة إلى واحدة من أبرز قصص خليجي 27، بعدما امتد صداها إلى وسائل إعلام عربية وعالمية باعتبارها حالة نادرة في البطولات الكبرى.
الإمارات توقف الرحلة عند المربع الذهبي
وضعت القرعة الأحمر في المركز الثاني للمجموعة الأولى، ليضرب موعدا مع الإمارات متصدر المجموعة الثانية في نصف النهائي على استاد الأمير عبدالله الفيصل.
وبدأت المباراة بحذر من الطرفين، قبل أن ينجح عثمان كامارا في تسجيل هدف الإمارات في الدقيقة 22 بضربة رأسية. وحاول منتخبنا العودة، وصنع عددا من الفرص، قبل أن يظهر بصورة أفضل في الشوط الثاني ويفرض ضغطا واضحا على منافسه.
وأهدر المنتخب الإماراتي ركلة جزاء، بينما واصل الأحمر محاولاته حتى الدقائق الأخيرة دون أن يتمكن من تسجيل التعادل، لتنتهي المواجهة بفوز الإمارات 1-0 وتأهلها إلى النهائي، وينتهي مشوار منتخبنا عند الدور نصف النهائي.
منتخب يتغير لكنه لم يكتمل بعد
وفنياً، قدم خليجي 27 صورة لمنتخب يعيش مرحلة انتقالية بين عناصر الخبرة والوجوه الجديدة. وظهرت قدرة الأحمر على تغيير إيقاع المباريات عندما يرفع نسق الضغط ويزيد كثافته في وسط الملعب، كما حدث في الشوط الثاني أمام الكويت وفي فترات طويلة من مواجهة الإمارات.
وبرزت كذلك قدرة بعض العناصر الجديدة على التعامل مع ضغط بطولة قصيرة وقوية، وهو أحد أهم المكاسب التي تحدث عنها الجهاز الفني، إلى جانب اتساع قاعدة الخيارات أمام السكتيوي قبل الاستحقاقات المقبلة.
وفي المقابل، كشفت البطولة عن ملفات تحتاج إلى معالجة واضحة، أبرزها استقبال الأهداف المبكرة، والتمركز الدفاعي في الكرات العرضية والثابتة، وتذبذب التركيز، إلى جانب تفاوت مستوى المنتخب بين الشوطين وصعوبة المحافظة على النسق ذاته طوال المباراة.
كما عانى الأحمر في بعض الفترات من محدودية الفاعلية الهجومية أمام المنتخبات التي تدافع بكتلة منظمة، فيما بدا أكثر خطورة عندما لعب بوتيرة أسرع وضغط متقدم وتحركت الأطراف خلف دفاع المنافس.
بطولة التفاصيل والكرات الثابتة
وعلى المستوى الفني العام، أكدت خليجي 27 أن الفوارق بين معظم المنتخبات الخليجية أصبحت محدودة، وأن التفاصيل الصغيرة كانت حاسمة في العديد من المباريات، سواء من خلال الكرات الثابتة أو الأخطاء الفردية أو القدرة على إدارة اللحظات الحاسمة.
كما لعب ضغط المباريات وتقارب مواعيدها دورا مؤثرا في خيارات الأجهزة الفنية، وظهرت أهمية امتلاك قائمة متوازنة تستطيع التعامل مع مباراة كل ثلاثة أيام، في بطولة لا تمنح كثيرا من الوقت للتصحيح أو الاستشفاء.
وأظهرت المنافسات كذلك ارتفاع قيمة التنظيم الدفاعي والانتقال السريع والكرات الثانية، وهي عناصر حضرت بوضوح في مباريات الأدوار الحاسمة، بينما دفعت المنتخبات ثمن فقدان التركيز في لحظات محدودة رغم تقديمها مستويات جيدة في بقية أوقات المباراة.
ولقد برز ناصر الرواحي كأحد أهم مكاسب منتخبنا في خليجي 27، بعدما فرض حضوره الهجومي وسجل ثلاثة من أهداف الأحمر الأربعة في البطولة. وبدأ بصمته بهدف التعادل أمام العراق، قبل أن يتألق بصورة لافتة في المواجهة الحاسمة أمام الكويت ويسجل هدفين قادا المنتخب لقلب تأخره إلى فوز 3-1، في ليلة التأهل المثيرة إلى نصف النهائي. ولم يقتصر تأثير الرواحي على التسجيل، إذ شكل بتحركاته وسرعته وضغطه المستمر مصدر إزعاج لدفاعات المنافسين، وأظهر قدرة على الحسم في اللحظات الصعبة، ليخرج من البطولة كواحد من أبرز الوجوه التي يمكن البناء عليها في المرحلة المقبلة.
وأبدى طارق السكتيوي مرارة كبيرة بعد الخروج أمام الإمارات، مؤكدا أن الأجواء داخل غرفة الملابس كانت حزينة، بعدما كان اللاعبون والجهاز الفني يطمحون إلى بلوغ النهائي وإسعاد الجماهير العمانية التي تابعت المنتخب وساندته بشغف كبير.
وأكد أن الأحمر لم يكن يستحق الخسارة قياسا بما قدمه، مشيرا إلى أن المنتخب لعب مباراة جيدة وتحسن بشكل واضح في الشوط الثاني وكان قريبا من إدراك التعادل، فيما أثر خروج عبدالله فواز على خيارات الجهاز الفني في وسط الملعب وعلى الضغط الهجومي خلال الدقائق الأخيرة.
ورغم مرارة الخروج، وصف السكتيوي تجربة خليجي 27 بأنها ناجحة بامتياز من الناحية الفنية، مؤكدا أن البطولة منحت الجهاز الفني فرصة حقيقية لاختبار اللاعبين تحت الضغط، والتعرف على قدرتهم على التعامل مع التأخر في النتيجة والمباريات الكبيرة والظروف المختلفة التي لا يمكن قياسها من خلال التدريبات والمعسكرات وحدها.
وأوضح أن الجهاز الفني خرج بالكثير من المعلومات والدروس، وأصبح يعرف المجموعة بصورة أعمق، سواء فيما يتعلق بالإمكانات الفردية أو الجوانب الجماعية والذهنية.
وأشار إلى أن بعض الأخطاء التي ظهرت خلال البطولة لا ترتبط بالجوانب التكتيكية والفنية فقط، وإنما بالتركيز والحالة الذهنية والنفسية، مؤكدا أن ملف الكرات الثابتة يحتاج إلى عمل أكبر، سواء من الناحية الفنية أو من ناحية التركيز والمسؤولية الفردية.
الإحلال ضرورة وليس اختيارا
وكان ملف الإحلال من أهم الرسائل التي خرج بها السكتيوي من المشاركة، إذ أكد أن تجديد المنتخب أصبح ضرورة وليس خيارا في ظل تقدم عدد من اللاعبين في العمر، لكنه شدد على أن العملية لن تتم بصورة شاملة أو متسرعة.
ويرى السكتيوي أن المطلوب إحلال تدريجي وذكي يحافظ على التوازن بين الخبرة والشباب، موضحا أن البطولة أثبتت قدرة بعض العناصر الجديدة على اللعب في هذا المستوى وتحمل الضغوط، بينما يحتاج آخرون إلى المزيد من الوقت والعمل والتطور.
وأكد أن باب المنتخب سيظل مفتوحا أمام جميع اللاعبين، وأن كل لاعب يثبت قدرته على تقديم الإضافة والالتزام بمنظومة العمل سيكون ضمن الحسابات، مشددا على أن بناء المنتخب يستهدف المديين المتوسط والبعيد وليس مجرد البحث عن نتائج آنية.
واعتبر الوصول إلى نصف النهائي والوجود بين أفضل أربعة منتخبات في البطولة مكسبا مهما بالنظر إلى الظروف التي صاحبت المشاركة، مؤكدا أن الجهاز الفني أصبح يمتلك رؤية أوضح كثيرا عن المجموعة وعن احتياجات المرحلة المقبلة.
وواكب مشاركة منتخبنا حضور إعلامي عماني واسع، سواء عبر الوفد الإعلامي الرسمي المرافق للبعثة أو وسائل الإعلام والصحف والقنوات والإذاعات والمنصات الرقمية التي أوفدت ممثليها إلى جدة.
وكان الإعلام الرياضي العماني من أكثر الوفود حضورا في المشهد الإعلامي للبطولة عبر مختلف المنصات المقروءة والمسموعة والمرئية والرقمية، مع متابعة يومية لتدريبات المنتخب ومؤتمراته الصحفية ومبارياته وكواليس المشاركة، إلى جانب الحضور في مؤتمرات المنتخبات المنافسة ونقل تفاصيل البطولة إلى المتابع العماني.
كما قدمت القنوات والإذاعات العمانية تغطية موسعة وبرامج مصاحبة وتحليلات فنية، فيما واصلت الصحف والمنصات الإلكترونية حضورها اليومي من الملاعب ومقار التدريبات والمؤتمرات الصحفية، وشكلت التغطية الإعلامية جسرا بين المنتخب والجماهير في سلطنة عمان طوال أيام البطولة.
ولم تقتصر التغطية على نقل النتائج، بل اتسعت إلى القراءة الفنية والنقد والتحليل ومناقشة خيارات الجهاز الفني ونقاط القوة والضعف، وهو ما منح المشاركة زخما إعلاميا كبيرا، خصوصا خلال الساعات المجنونة التي صاحبت مباراة الكويت والقرعة التاريخية مع العراق، ثم قبل مواجهة الإمارات في نصف النهائي.
