ناجي بن جمعة البلوشي
في مساء يوم الجمعة، وأثناء وجودي في ولاية قريات، وتحديدًا في سوق الأسماك، أقبل إليّ عدد من الصيادين، يحملون في صدورهم همًّا، وفي كلماتهم رجاءً، وفي أعينهم أملًا بأن تصل أصواتهم إلى من يعنيه الأمر، وأن تُرفع مظلمتهم إلى الجهات المختصة؛ لعلها تجد من ينصت إليها بعين المسؤولية، ويقف عليها بما تستحقه من اهتمام وإنصاف.
بدأ حديثهم بالحديث عن ضيق الحال، وضعف العائد، وقلة الحيلة، ثم انتقلوا إلى ما يرونه من محدودية الدعم الموجه إليهم، حتى استرسلوا في الحديث، وفتحوا ما في صدورهم من تساؤلات وملاحظات تجاه ما تقوم به الجهة المختصة، ممثلة في وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه. وقالوا: ألا تعلم الجهات المختصة أننا ما زلنا، رغم تبدل الحياة وتغير الظروف، نحافظ على هذه المهنة العريقة، ونمارسها ونكافح من أجل البقاء فيها، في وقت أصبحت فيه مشقة العمل في البحر تفوق قدرة كثير منا، ليس رغبةً في ترك هذه الحرفة، وإنما بسبب ظروف الحياة ومتطلباتها، وضعف العائد، وارتفاع تكاليف المعيشة؟ ألا تعلم الجهات المختصة أن كثيرًا من الصيادين قد اضطروا إلى ترك هذه المهنة والبحث عن مصدر رزق آخر في المؤسسات الحكومية أو القطاع الخاص، بعد أن أصبحت مهنة الصيد في نظر كثير منهم عاجزة عن الوفاء بمتطلبات الحياة؟ وألا تدرك الجهات المعنية أن من بين أبناء هذه المهنة من واجه تحديات اجتماعية وحياتية متشابكة، دفعت بعضهم إلى اتخاذ خيارات شخصية مختلفة، في ظل صعوبة الاستقرار وتكوين الأسرة؟ ثم ألا يستحق الصياد العُماني، الذي ظل متمسكًا بهذه المهنة رغم قسوة البحر وتقلباته، أن يجد من مؤسسات الدولة الدعم والتشجيع والتيسير، بدلًا من أن تتزايد عليه الالتزامات والأعباء؟
لقد استحدثت الدولة مهنًا ووظائف عديدة للوافدين تختلف في مسماها وتخصصها لكنها لا تنحرف عن مهنة الصيد في شيء؛ وذلك بعد أن تعثرت سبل بقاء العُمانيين في مهنة الصيد في كثير من ولايات السلطنة، ونحن لا نعترض على تنظيم سوق العمل أو على وجودهم، وإنما نسأل: أين يقف الصياد العُماني من منظومة الدعم والحماية والتشجيع؟ كيف يُطلب من الصياد أن يستمر في إنتاج الغذاء وتأمين مورد أساسي من موارد الأمن الغذائي الوطني، ثم يُحمّل في الوقت ذاته رسومًا والتزامات مالية، من بينها ما يُفرض عليه من نسبة قدرها 5% للوزارة لمجرد استخدام نظام المناداة، مع الضغط المتكرر لرفعها إلى 10% بحجة تنفيذ التحول الرقمي في عمليات البيع؟
ألا تدرك الجهات المختصة أن التضخم وارتفاع الأسعار وتحرير سعر المحروقات النفطية يلتهمان جزءًا متزايدًا من دخل المواطن عامًا بعد عام، بينما لا يقابل ذلك ارتفاع مماثل في دخل الصياد، فلا راتب ثابت، ولا علاوة دورية، ولا إجازة مدفوعة الأجر، ولا تلك المزايا التي يتمتع بها الموظف في الوظائف الأخرى؟
إن الصياد يبدأ يومه في ساعات لا يعرف فيها كثير من الناس معنى الاستيقاظ، ويعود وقد أنهكه التعب، وكل ذلك من أجل لقمة عيشه، وخدمة أسرته، والمساهمة في توفير الغذاء لأبناء وطنه. فهل من الإنصاف أن يتحول هذا الكفاح اليومي إلى سلسلة من المخالفات والغرامات؟ كيف يُغرَّم الصياد مبلغًا يصل إلى 500 ريال بسبب عدم حمله رخصة مزاولة مهنة الصيد أو ملكية قاربه، في الوقت الذي يدرك فيه الجميع أن صرف بعض هذه الوثائق قد توقف منذ سنوات لأسباب لا يد للصياد فيها؟ وكيف يُطلب من الصياد تصحيح أوضاعه، ثم يُلاحق بالمخالفات قبل انتهاء المهلة الممنوحة له لتصحيح تلك الأوضاع؟
وقد نشرت الجهة المختصة اللائحة التنفيذية رقم 70/2026، ثم يجد الصياد نفسه أمام حملات تفتيش ومخالفات متواصلة من جهة أخرى، أهكذا يكون دعم صُنّاع الأمن الغذائي في وطننا؟ أهكذا نكافئ رجالًا اختاروا البحر طريقًا للرزق، ووهبوا أعمارهم لهذه المهنة، وتحملوا مخاطرها ومشقتها، وأسهموا في توفير أحد أهم مصادر الغذاء لأبناء عُمان؟ ألسنا نحن من يرفع شعار دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتشجيع الأفراد العاملين لحسابهم الخاص، وتمكين أصحاب الأعمال الحرة؟
فإذا كان الصياد العُماني واحدًا من هؤلاء، فلماذا لا يجد الدعم ذاته الذي تُقدمه الدولة لغيره؟
وفي المقابل أين هو من كل هذه التسهيلات؟ وأين هو من منظومة التمكين والدعم؟ ومتى يُنظر إلى الصياد العُماني بوصفه شريكًا في بناء هذا الوطن، لا مجرد صاحب مهنة تُفرض عليه الرسوم والغرامات.
ألا يجدر بنا أن نوازن في الإدارة والإرادة إذا كنا نريد تنظيمًا يحمي المهنة ولا يخنقها، وقانونًا يصحح الأوضاع ولا يثقل كاهل من لم يكن سببًا في تعثرها، وتحولًا رقميًا يُواكب العصر دون أن يتحول إلى عبء إضافي على من يكافح يوميًا من أجل رزقه.
لعلَّ هذه الكلمات لا تكون مجرد مقالة عابرة، وإنما تكون بدايةً لحوار مسؤول، تُسمع فيه أصوات الصيادين من قبل صناع القرار أنفسهم، لتُراجع فيه الإجراءات، وتُدرس فيه آثار القرارات على أرض الواقع، وصولًا إلى منظومة تحقق التوازن بين هيبة القانون، وكرامة المواطن، واستدامة المهنة، وأمن الوطن الغذائي.
