ماجد بن علي الهادي
عندما سُئِلَ بيكاسو لماذا بعض لوحاته غير مفهومة؟ أجاب: العالم بلا معنى.. لماذا تريدون مني أن أرسم لوحات ذات معنى!
(1)
كانت الصورة بلا إطار وكانت بالأبيض والأسود، (الكمة) لبست على عجل دائرتها غير متساوية، حوافها خيوطها منقوضة والرسمة شاحبة، متعنونة بحماس الطموح، تناقض غريب لكنه يعبر في النهاية عن الهدف والمهمة. الهدف حماس الدراسة والمهمة التميز والتفوق. الصورة لا تعبر عن حقيقة المشاعر، لكنها تبوح ببهجة الطموح. (الدشداشة) بيضاء، ولكنها كأنها رصاصية، هل هي عدسة الكاميرا أم انعكاس الرؤية لاجتياز الولوج لكل ما هو صعب. ولكن لماذا اللون الرصاصي تحديدا؟! أ لأنه يتميز بأنه يمنح إطلالات متميزة تتسم بالهدوء والأناقة؟ ولكن هذا الوجه الطفولي المغبر بالفوضى والاندفاع لا ينطبق عليه. قد يكون أقرب تفسير لأنه لوناً محايداً ممتازاً يسهل دمجه وتنسيقه مع معظم الألوان الأخرى، سواء كانت زاهية أو داكنة. ولكن من طرح هذا التحليل هل هو صاحب الوجه الطفولي وهو قد شارف على الكهولة؟ أم القلم الذي يخترع قصصا وهمية ويبتكر حكايات خيالية.
(2)
فلنفرض الخيال يلقي على كاهل الورقة خارطة طريق ملهمة؛ لماذا كانت الصورة بلا إطار؟ قد يكون الإطار لونه يشذ عن لون (الكمة والدشداشة)، وقد يكون غير جاهز لاحتضان هذه الصورة، وقد يكون يرى نفسه أكبر مقاما من ضآلة صورة طفولية فوضوية. كل الاحتمالات واردة، وكل المعطيات تتغذى من فكر الخيال وذهن الإلهام.
فها هي أشهر لوحة فنية خارجة من الإطار لوحة "الهروب من النقد" (Escaping Criticism) للرسام الإسباني بيري بوريل ديل أبلو (Pere Borrell del Caso) والتي رُسمت عام 1874، تحاكي وتغذي روح الإلهام وتتواكب مع معطيات الإبداع الفني الأدبي. فهل يا ترى تعمد ذلك الوجه الطفولي الذي كان يسبق عمره الحقيقي في التفكير.. هل تعمد محاكاة الإبداع أم أن الإبداع هو من كان يصوره بتلك الفوضى الجميلة. نعم وجهه جميل وملامحه تتميز بالوسامة والأناقة رغم صغر سنه وجهله لمعنى الوسامة والاناقة. إنه الهروب إذن.. ولكن ممن ولماذا؟!
(3)
يهرب الجمال غالبا من الوحوش المفترسة، والجمال هنا رمز وليس مقياس، والوحوش المفترسة هنا أداة وليست تجسيم. وبالتالي الهروب يمثل انتصارًا وليس هزيمة أو جُبنًا. وقد يكون حيلة للنصر، بمعنى إيهام العدو بالتقهقر والانسحاب، ولكنه في الحقيقية، لملمة للقوى وشحذ للنفس. إرسال رسالة للعدو بالضعف ليستقوي هو إلى الضعف؛ فبعض القوى تضعف بالغرور، تنكسر بزيف التعالي، وتتحطم على صخرة التكبر. الهروب إذن قد يكون من وإلى، من النفس المرتبكة إلى الأخرى المتغطرسة؛ فتمتزجان ويكونان (اللون الرصاصي) وهذا قد سبق طرحه يقول القلم الوهمي. نجيء إلى (الحقيقة) الوجه الطفولي لا يدرك ولا يعي ما يدور حوله، مجرد طفل طلب من والديه من قبل جهة تعليمية أن تلتقط لابنهم صورة، لاستكمال إجراءات تسجيله للدراسة. وبالتالي لا داعي للإطار، ودشداشته وكمته متناسبتان مع المتطلبات؛ الأمر عادي وطبيعي هذا كل شيء، ولا داعي للفلسفة والخيال العلمي وغيرها من التُرَّهات.
(4)
ما تسميه أنت تُرَّهات هو في الحقيقة سيرورة إبداعية رسمت بدقة وبإلهام ذهني عميق، فالوجه الطفولي أصبح له شأنا في الإبداع، والإطار المفقود كان المساحة الشاسعة لخيال الإلهام. تراصت الحروف بكلماتها الجميلة فسطَّرت أروع الابتكارات الأدبية. من كان يسخر بالأمس أضحى يتوق إلى ملامسة روح الإبداع المنبثق من ذلك الوجه الطفولي. كل كان له دلالة وتأشيرة دخول لعالم الإبداع. اللون الرصاصي الإطار المفقود، الكمة الغريبة والدشداشة الغامضة اللون. كل ترنيمة مبدعة كانت ترتسم بين عدسة الكاميرا والوجه الطفولي. لم يكن هناك أية مشكلة في عدسة الكاميرا، الصورة المبدعة كانت واضحة، لكن العيون المبصرة والعقول كانت تحت وقع تخدير اللامبالاة.
ولم لا تكون هناك علاقة أدبية فنية عميقة بين لوحة الرسام الإسباني بيري بوريل ديل أبلو والتي رُسمت عام 1874، وهذا الصورة الطفولية الملتقطة في فترة الثمانينات مع فارق التوقيت!
(5)
فارق التوقيت لا يشكل فجوة إن كان الإبداع يطوف حول الكون بمداراته الجميلة غير القابلة للنسخ، فارق التوقيت لا يمثل استخفافًا إن تمازجت ألوان الإبداع في محبرة الجمال غير القابل للتغيير أو التدويل. أصبحت الصورة بإطار جميل متزخرف باللون الرصاصي، (الكمة) مرتبة وواقعة في منتصف الرأس باتزان، خيوطها المحفوفة برسمة رائعة، متعنونة بحماس الطموح، تمازج وتكامل وتناسب رائع يعبر عن الهدف والمهمة. الهدف حماس الدراسة والمهمة التميز والتفوق. الصورة تعبر عن حقيقة المشاعر وتبوح ببهجة الطموح. (الدشداشة) ناصعة البياض وكأنها شمس مشرقة؛ هل هي عدسة الكاميرا أم انعكاس الرؤية لاجتياز الولوج لكل ما هو صعب ومتفائل.
