عباس المسكري
ما أجمل أن تكون للدول أرواحٌ تُعرف بها، وملامحُ تسبق أسماءها، وحضورٌ لا يحتاج إلى ضجيجٍ كي يُرى، ولا إلى كثرة القول كي يُسمع؛ فثمة أوطانٌ يهبها الله من الحكمة ما يجعلها في عيون محيطها موئلًا للطمأنينة، وفي لحظات التوتر فسحةً للعقل، وعند اشتداد الخلاف نافذةً لا تُغلق في وجه الرجاء، وما بين أرضٍ عرفت معنى السلام، وشعبٍ تشرب قيم الوفاق، وقيادةٍ آمنت بأن جسور المحبة أبقى من متاريس الخصومة، تتشكل حكايةُ وطنٍ لم يجعل من قوته صخبًا، ولا من حضوره استعراضًا، بل جعل من هدوئه حكمة، ومن اتزانه موقفًا، ومن علاقاته جسورًا تمتد حيث تضيق الطرق؛ وطنٍ إذا ذُكرت الحكمة حضر معناها، وإذا ذُكر الوفاق اتسع مداه، وإذا ضاقت على الآخرين مسالك الحل، بقي له في الأفق بابٌ مفتوح.
ليست الدول بما تملكه من منصاتٍ تتحدث منها، وإنما بما تملكه من أرضٍ تقف عليها ومواقفَ تُختبر فيها، وبين «المواقع» و«الواقع» مسافةٌ لا تردمها البلاغة وحدها؛ فالموقع مساحةٌ للظهور، أما الواقع فساحةٌ للفعل، والموقع يمنح صاحبه فرصة أن يقول، بينما الواقع يسأله عمّا صنع، ومن هذه الزاوية يتبدى الحضور العُماني بمعناه الأعمق، حضورٌ لا يستمد وزنه من كثرة الإطلالات، وإنما من القدرة على أن يكون حيث تتعقد المسائل، وتضيق المخارج، وتحتاج العلاقات بين الدول إلى عقلٍ يفتح الطريق بدل أن يزيده تعقيدًا.
وهذا النهج لم يتشكل في لحظةٍ عابرة، ولم يكن وليد ظرفٍ سياسي مؤقت، بل يستند إلى إرثٍ عُماني عريق عرف الاتصال بالعالم، ومدّ جسور التجارة والتواصل عبر البحار، وأدرك منذ وقت مبكر أن قوة الدولة لا تنفصل عن قدرتها على بناء علاقات متوازنة مع محيطها والعالم، ومع امتداد التجربة السياسية العُمانية، ترسخت مدرسةٌ في التعامل مع الخارج تقوم على الانفتاح، وحسن الجوار، واحترام الخصوصيات، وصيانة القرار الوطني، والنظر إلى الاختلاف بوصفه مساحةً يمكن إدارتها بالحكمة لا ذريعةً لإغلاق الأبواب.
وتلك الخبرة الطويلة أنشأت نهجًا سياسيًا يعرف أن الدبلوماسية ليست كثرةً في البيانات، ولا ارتفاعًا في نبرة الخطاب، وإنما دقةٌ في قراءة اللحظة، وحسنٌ في تقدير المصالح، وقدرةٌ على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة عندما تغلقها الانفعالات؛ فالنهج العُماني، كما تعكسه مبادئ سياسته الخارجية، يقوم على الحوار والتسامح والاحترام المتبادل، وعلى معالجة الخلافات بالوسائل السلمية، مع الحفاظ على علاقات متوازنة لا تجعل الاختلاف سببًا للقطيعة.
وفي القضايا المعقدة، لا يبدأ العمل الحقيقي من المنصة، بل من المساحة التي تسبق المنصة، ومن الإصغاء، وفهم المصالح، ومعرفة ما تستطيع الأطراف احتماله، وما يمكن أن يجمع بينها بعد أن تتباعد المواقف، لذلك تكون الدبلوماسية في كثير من الأحيان عملًا هادئًا في ظاهره، عميقًا في أثره، اتصالًا يحفظ طريق العودة، أو لقاءً يمنع سوء الفهم من التحول إلى قطيعة، أو مسعىً يهيئ أرضًا يستطيع المختلفون أن يقفوا عليها من غير أن يُطلب من أحدهم التخلي عن كرامته، وحين تنجح هذه المساعي، لا يكون النجاح في عدد من عرف بها، بل في مقدار ما تركته من إمكانٍ للحل.
أما «المواقع» بمعناها الرقمي، فليست مقياسًا للدولة ولا مرآةً كاملةً لسياستها، فيها أصواتٌ كثيرة، ومواقفٌ فردية، وانطباعاتٌ متباينة، وقد يتقدم الرأي الشخصي على الموقف المؤسسي، ويعلو التعليق على المعلومة، وتصبح السرعة معيارًا للانتشار لا للدقة، أما الدولة فشيءٌ آخر؛ لها مؤسساتها، وقنواتها الرسمية، ومسؤولياتها، وحساباتها التي لا تُدار بمنطق اللحظة، ولذلك فإن الموقف العُماني الرسمي لا يُقرأ من كل ما يُكتب عنه، ولا يُختصر في كل ما يقال باسمه؛ إنما يُقرأ في نهجه المعلن، وفي عمل مؤسساته، وفي المواقف التي تتحمل الدولة مسؤوليتها.
بين المواقع والواقع يتحدد الفارق بين حضورٍ يصنع صدىً سريعًا، وحضورٍ يصنع أثرًا يبقى بعد انطفاء الصدى، الأول يملك لحظةً من المشهد، والثاني يتحمل مسؤولية ما بعد المشهد؛ الأول يستطيع أن يرفع الصوت، أما الثاني فعليه أن يفتح طريقًا، وفي عالمٍ تتسارع فيه الأخبار، وتتزاحم فيه المنصات، وتتحول فيه الكلمة خلال دقائق إلى موقفٍ متداول، تبقى قيمة الدولة في قدرتها على تجاوز سرعة اللحظة إلى عمق الأثر؛ في تحويل الاتصالات إلى تفاهم، والتوتر إلى مساحةٍ للحوار، والاختلاف إلى إمكانيةٍ للحل.
السياسة العُمانية لا تستمد قوتها من استعجال المشهد، وإنما من تراكمٍ طويل جعل الاتزان جزءًا من شخصيتها السياسية، والحوار أداةً من أدوات حضورها، والاحترام المتبادل قاعدةً لعلاقاتها، والانفتاح نافذةً لا تُغلقها الخلافات.
وفي امتداد هذا الإرث الدبلوماسي العريق، تبدو عُمان دولةً تعرف كيف تصون ثوابتها من غير أن تعزل نفسها، وكيف تقترب من المختلفين من غير أن تفقد توازنها، وكيف تمارس حضورها من غير حاجةٍ إلى الاستعراض. تلك حكمةٌ تصنعها التجربة، وحنكةٌ تنضجها السنوات، وسياسةٌ تعرف أن الأثر الأعمق ليس ما يملأ المشهد ضجيجًا، بل ما يترك في الواقع طريقًا مفتوحًا للسلام والتفاهم.
