من مخرجات التدريب إلى أثر إقتصادي.. كيف نصنع قيمة قائمة على المهارات؟  

 

 

 

 

د. مرتضى بن جمعة بن عبدالله الخائط

 

حين يرتبط التدريب باحتياجات الاقتصاد حينها لا يعود مجرد برامج تُنفذ أو أعداد تُسجل، بل يصبح استثمارًا مباشرًا في الإنتاجية وفرص العمل والنمو. فالمهارة التي يكتسبها المتدرب يمكن أن تتحول إلى قيمة مضافة لصاحب العمل، وقدرة تنافسية للقطاع، ومساهمة أوسع في تنويع الاقتصاد وبناء مستقبله.

 

 لذلك لم يعد السؤال الأهم في قطاع التدريب: كم برنامجًا نُفذ؟ وكم متدربًا التحق به؟ بل أصبح السؤال الأهم هو: ماذا أضاف التدريب للمتدرب ولصاحب العمل، وللاقتصاد؟

إن هذا التوجه ينسجم مع ما تستهدفه رؤية عُمان 2040 في أولوية سوق العمل والتشغيل، التي تركز على بناء سوق عمل ذي قوى بشرية ذات مهارات وإنتاجية عالية. وتستهدف الرؤية رفع نسبة العمالة الماهرة من إجمالي العمالة في القطاع الخاص من 56.6% في عام 2024 إلى 81% بحلول عام 2030، ثم 83% في 2040. كما بلغ معدل نمو إنتاجية العمالة 2.2% في عام 2024. وهذه المؤشرات تجعل تطوير المهارات جزءًا من مسار اقتصادي، وليس شأنًا تدريبيًا منفصلًا.

 

ومن واقع متابعة قطاع التدريب، أرى أن المرحلة المقبلة لا تحتاج بالضرورة إلى المزيد من البرامج بقدر ما تحتاج إلى برامج أكثر دقة في تحديد المهارات التي يحتاجها الاقتصاد وسوق العمل. فالتغير في طبيعة الوظائف والتحول الرقمي، وتوجهات التنويع الاقتصادي، تجعل المؤسسات التدريبية الخاصة شريكًا مهمًا في بناء رأس مال بشري أكثر مهارة وإنتاجية.

والحقيقة أن عُمان لا تبدأ من الصفر. فهناك جهود قائمة في مسح احتياجات سوق العمل، وتطوير المعايير المهنية، وربط الوظائف بالجدارات، وتطوير المؤهلات المهنية، إلى جانب العمل على تطوير منظومة المؤسسات التدريبية الخاصة. كما يجري التوسع في ربط الوظائف بالإطار الوطني للجدارات واعتماد المهن، بما يعكس توجهًا متزايدًا نحو ربط المهارات باحتياجات سوق العمل.

 

لذلك، في تقديري، لا تكمن الأولوية في إنشاء مسار جديد، وإنما في زيادة التكامل بين المسارات القائمة وقياس أثرها بصورة أوضح. وهنا يمكن أن ننتقل من مفهوم مخرجات التدريب إلى مفهوم أوسع هو «سلسلة أثر المهارة»: تبدأ بالحاجة الاقتصادية، ثم تحديد المهارة المطلوبة، وتصميم البرنامج التدريبي، واكتساب المهارة، ثم استخدامها في مكان العمل، وصولًا إلى تحسن الأداء والإنتاجية.

 

 

 

وهذا التحول يمكن أن يغير أيضًا طريقة النظر إلى جودة المؤسسات التدريبية. فالجودة لا ينبغي أن تقاس فقط باكتمال المتطلبات أو تنفيذ البرامج، بل بقدرة المؤسسة على إثبات أن برامجها تستجيب لاحتياجات حقيقية، وأن المتدربين اكتسبوا مهارات قابلة للاستخدام، وأن أصحاب العمل وجدوا قيمة فعلية في هذه المخرجات.

ومن هنا يأتي التصنيف المؤسسي للمؤسسات التدريبية الخاصة كفرصة مهمة لتطوير القطاع. فإذا أصبح التصنيف متطلبًا تنظيميًا، فمن المفيد أن يتحول أيضًا إلى حافز للتطور، بحيث ترتبط المستويات المتقدمة بمزايا عملية، مثل فرص أكبر للشراكة في المبادرات التدريبية، وإبراز المؤسسات ذات الأداء المتميز، وتشجيع البرامج المرتبطة بالقطاعات ذات الأولوية.

وفي الوقت نفسه، ينبغي أن يراعي التصنيف اختلاف أحجام المؤسسات وتخصصاتها ومواقعها الجغرافية، حتى لا تتحول الجودة إلى عبء إجرائي يفضل المؤسسات الأكبر فقط. والأهم أن تكون المعايير معلنة وقابلة للقياس، وأن تنتقل تدريجيًا من قياس الامتثال إلى قياس النتائج.

 

كما أن البعد الجغرافي يستحق اهتمامًا أكبر، فاحتياجات محافظة تضم نشاطًا صناعيًا أو لوجستيًا ليست بالضرورة هي نفسها في محافظة يغلب عليها النشاط السياحي أو الزراعي. ومن هنا يمكن التفكير في خريطة وطنية للمهارات ذات بعد قطاعي وجغرافي، تساعد المؤسسات التدريبية على توجيه برامجها نحو الفرص الاقتصادية الفعلية في كل منطقة.

 

وهذا لا يعني نسخ تجربة أخرى كما هي، فعلى سبيل المثال في سنغافورة: يوفر «إطار المهارات» لغة مشتركة تربط القطاعات والوظائف والمهارات والمسارات المهنية والبرامج التدريبية، ويُطوّر بالشراكة بين الحكومة وأصحاب العمل والجهات التعليمية والتدريبية. وتكمن أهمية التجربة في آلية الربط نفسها، وليس في نقلها حرفيًا إلى عُمان.

 

كما تقدم التجارب الإقليمية اتجاهًا مشابهًا في تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص وربط التدريب بالمهارات المطلوبة. وتظهر مبادرة «وعد» في السعودية مثالًا على توسيع الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص والجهات التدريبية، مع التركيز على فرص التطوير المهني المرتبطة باحتياجات القطاعات. لكن الدرس الأهم ليس في حجم الفرص التدريبية، وإنما في ضرورة الانتقال من قياس النشاط إلى متابعة ما تحقق بعد التدريب من توظيف واستقرار وتطور مهني.

وفي عُمان، يمكن أن يبدأ هذا التحول بصورة عملية دون إنشاء منظومة معقدة جديدة؛ من خلال ربط بيانات احتياجات سوق العمل بالبرامج التدريبية، وتشجيع المؤسسات على التخصص، وإدخال مؤشرات نتائج ما بعد التدريب ضمن تقييم الجودة، وتعزيز مشاركة أصحاب العمل في تحديد المهارات المطلوبة.

 

وقد تكون المؤشرات الأكثر دلالة في المرحلة المقبلة هي: نسبة إكمال التدريب، واكتساب المهارة، والتوظيف، والاستمرار في العمل، ورضا صاحب العمل، ومدى استخدام المهارة في الوظيفة. فهذه المؤشرات تنقلنا من سؤال «كم درّبنا؟» إلى سؤال أكثر أهمية وهو: ماذا أنتج التدريب؟

في النهاية.. أعتقد أن نجاح قطاع التدريب لن يقاس بعدد المؤسسات أو البرامج أو المتدربين فقط، بل بعدد المهارات التي أصبحت أكثر جودة، والوظائف التي أصبحت أكثر إنتاجية، والقطاعات الاقتصادية التي وجدت في التدريب شريكًا حقيقيًا للنمو.

وإذا استطعنا أن نصل بالمهارة من احتياج الاقتصاد إلى قاعة التدريب، ومن قاعة التدريب إلى مكان العمل، ومن مكان العمل إلى أثر اقتصادي قابل للقياس، فسنكون قد خطونا خطوة حقيقية من مخرجات التدريب إلى مخرجات الاقتصاد، ومن اقتصاد يقوم على البرامج إلى اقتصاد قائم على المهارات.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z