د. عارف بن خميس الفزاري **
"ما لا يُمكن قياسه لا يُمكن إدارته، وما لا يُمكن إدارته لا يُمكن تطويره".. تضعنا هذه الفكرة أمام سؤال يتجاوز تسجيل الإنجاز إلى فهم قيمته وأثره؛ فالموظف يريد أن يرى جهده مقدرًا بإنصاف، والمسؤول يحتاج إلى صورة واضحة عمّا يجري، والمستفيد ينتظر خدمة أفضل. ومع اتساع مسؤوليات المؤسسات، يصبح قياس الأداء ضرورة إدارية لا مجرد إجراء روتيني.
وفي هذا السياق تكتسب أولوية حوكمة الجهاز الإداري للدولة والموارد والمشاريع في رؤية "عُمان 2040" معناها العملي؛ فالوصول إلى جهاز إداري مرن ومبتكر يتطلب معرفة مواضع القوة والضعف وربط الصلاحيات بالمسؤوليات وجعل تقييم الأداء أكثر وضوحًا وعدالة واكتشاف الخلل قبل أن يتحول إلى ثقافة عمل. وجاء تطبيق منظومة إجادة ضمن هذا التوجه. غير أن فاعليتها لا تتوقف على إدخال الأهداف واعتمادها، بل تبدأ من مؤسسة تعرف غاياتها وتحدد اختصاصاتها وتنظم إجراءاتها. فإذا طُلب من الموظف بناء خطته دون مرجعية واضحة، فقد يختار أهدافًا يسهل إثباتها، بينما تبقى أعمال أكثر أهمية خارج القياس أو لا تحظى بتقدير يناسب أثرها.
وتكشف آليات التقييم السنوي في إجادة عن وجود بنية رقمية واضحة في تحديد الأهداف ومتابعتها، لكن المراحل النهائية لا تزال تعتمد بدرجة ملحوظة على الترشيح القائم على التقدير البشري وتقديم المبررات والمناقشة داخل اللجان، ثم الموافقة أو الرفض. وهذا يعني أن سلسلة الأداء لم تتحول بعد بالكامل من العمل إلى القياس في مسار رقمي متكامل. لذلك لا يكفي تطوير نموذج التقييم نفسه؛ بل ينبغي رقمنة الأعمال المؤسسية وربطها بالأهداف الفردية وأهداف الوحدات والخطط التشغيلية والتنفيذية والاستراتيجية.
وتظهر فجوة بنيوية أخرى عندما لا تواكب منظومة التقييم طبيعة العمل الفعلية داخل المؤسسات؛ إذ تُنجز بعض المهام عبر مشروعات وفرق عمل ولجان مشتركة خارج حدود الاختصاص الوظيفي أو الوحدة التنظيمية للموظف. وتصبح هذه المرونة إشكالية إذا ظلت تلك المساهمات خارج الأنظمة الرقمية أو غير مرتبطة بخطته وأهدافه في إجادة، بما قد يؤدي إلى عدم ظهور بعض مسؤولياته الفعلية في التقييم أو صعوبة تحديد حجم مساهمته. ومن هنا تبرز أهمية رقمنة التكليفات وفرق العمل والمشروعات وتحديد الأدوار والمخرجات ومؤشرات الإنجاز ونسبة مساهمة كل عضو وربطها بملفه الوظيفي وأهداف وحدته والمؤسسة ضمن تقييم إجادة. وبذلك يعكس التقييم العمل المنجز فعليًا، سواءً تم داخل الهيكل التنظيمي المعتاد أو عبر فرق ولجان مؤقتة داخل المؤسسة أو خارجها.
ويستدعي ذلك تحديث الأطر التشريعية والتنظيمية الناظمة لعمل مؤسسات القطاع العام؛ فرفع الكفاءة يتطلب لوائح أوضح للاختصاصات وتفويضًا مناسبًا للصلاحيات وإجراءات أبسط وتبادلًا أفضل للبيانات. فإذا أظهرت نتائج التقييم تأخرًا متكررًا سببه تعدد الموافقات أو تداخل المسؤوليات، فلا ينبغي أن تقع المسؤولية على الموظف وحده، بل يجب أن تمتد المراجعة إلى القواعد المنظمة للعمل. ويتسق ذلك مع ما أكده حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- في الخطاب السامي بتاريخ 23 فبراير 2023، الذي جاء فيه: "ومن أجل توفير الأسباب الداعمة، لتحقيق أهدافنا المستقبلية فإننا عازمون على اتخاذ الإجراءات اللازمة لإعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة، وتحديث منظومة التشريعات والقوانين وآليات وبرامج العمل وإعلاء قيمه ومبادئه وتبني أحدث أساليبه، وتبسيط الإجراءات وحوكمة الأداء والنزاهة والمساءلة والمحاسبة".
ويبدأ الترابط المؤسسي من أهداف رؤية "عُمان 2040"، التي تترجمها الخطط الاستراتيجية إلى أولويات، ثم تحولها الخطط التشغيلية إلى برامج ومشروعات، وصولًا إلى أهداف الوحدات والموظفين. وحين تنبثق الخطة الفردية من خطة القسم والقسم من الدائرة والدائرة من المديرية والمديرية من الخطة الاستراتيجية للمؤسسة، يصبح من الممكن معرفة كيف يُسهم العمل اليومي في تحقيق النتائج المؤسسية. كما تتراجع صياغة أهداف لمجرد ملء الحقول، ويصبح كل هدف مُرتبطًا بأثر يمكن تتبعه.
ويتصل بذلك وضوح المسار المهني؛ فالموظف يحتاج إلى معرفة ما الذي ينقصه للتقدم وما المهارات المطلوبة للمرحلة التالية وكيف ستسانده المؤسسة. وعند وضوح هذا المسار يصبح التقييم أداة للتطوير لا مجرد حصيلة لفترة قصيرة وتصبح خطط التدريب والتأهيل وتوزيع الكفاءات أكثر ارتباطًا باحتياجات فعلية.
ويتطلب اكتمال هذا المسار وضع معايير واضحة ومعلنة للتعيين في الوظائف الإشرافية والقيادية، بحيث لا تكون نتائج إجادة منفصلة عن قرارات الاختيار والترقية. فالتعيين في هذه الوظائف ينبغي أن يستند إلى منظومة متكاملة تشمل سجل الأداء والكفايات القيادية والقدرة على إدارة الفرق وتحقيق النتائج والخبرة والمؤهل والتخصص، إلى جانب النزاهة والقدرة على تحمل المسؤولية، وأن تمتد هذه المعايير إلى تحديد الحوافز والامتيازات المرتبطة بالوظائف الإشرافية والقيادية، بما يعكس حجم المسؤولية ومستوى الأداء المتوقع. وعندما ترتبط هذه المعايير بنتائج التقييم ومسار الموظف المهني، يصبح الانتقال إلى المواقع الإشرافية أكثر موضوعية وشفافية، ويعرف الموظف ما المطلوب منه للتقدم، كما تستطيع المؤسسة بناء قياداتها على أسس قابلة للقياس والمتابعة بدل الاعتماد على التقدير والاجتهاد الشخصي.
وهنا تظهر الحلقة الأهم؛ فالموضوعية لا تتحقق برقمنة نموذج التقييم وحده، وإنما برقمنة العمل الذي يُبنى عليه التقييم. فعندما تُنفذ المعاملات والمشروعات والمهام إلكترونيًا، يمكن استخراج بيانات الإنجاز من مصدرها: حجم العمل ومدته ومواعيد التسليم ومعدلات الإعادة للتصحيح ومستوى الجودة وفق مؤشرات معتمدة. عندها تقل الحاجة إلى إعادة إدخال الأدلة وتضيق مساحة الحكم القائم على التقدير الشخصي والانطباع.
لكن الرقمنة لا تجعل كل تقييم عادلًا تلقائيًا؛ فعدد المعاملات لا يعكس دائمًا تعقيدها وسرعة الإنجاز لا تعني بالضرورة جودة النتيجة وقد يتأخر الموظف بسبب إجراء خارج صلاحياته. لذلك يجب أن تُصمم المؤشرات بعناية وأن تكون البيانات موثوقة وأن تظل الحالات الاستثنائية والاعتراضات قابلة للمراجعة البشرية. فالهدف ليس استبدال الإنسان بالآلة، بل حصر تدخله في المواضع التي تحتاج حُكمًا مهنيًا موضوعيًا يستند إلى معايير واضحة.
يُمكن للذّكاء الاصطناعيّ أن يدعم إجادة في كشف الأنماط والتنبيه إلى حالات التعثر أو التباين، مع بقاء القرارات المؤثرة في تقييم الموظف قابلة للتفسير والمراجعة البشرية. وتستطيع إجادة أن تعمل بتدخل بشري أقل في إجراءات القياس عندما تتكامل الخطط والمسارات المهنية والأنظمة الرقمية داخل إطار مؤسسي محوكم. فالهدف ليس إلغاء الدور البشري، بل وضعه في موضعه الصحيح.
وعندما تستند القرارات إلى أعمال موثقة ونتائج ذات قيمة، تتجه الجهود المالية والإدارية نحو أهداف المؤسسة الاستراتيجية ويظهر أثرها في كفاءة العمل داخليًا وجودة الخدمة التي يلمسها المستفيد خارجها. وهنا تتحول إجادة من أداة لتسجيل الأداء إلى منظومة تُسهم في تطوير المؤسسات ورفع كفاءتها وحوكمتها.
** باحث في المعرفة
