من الصين إلى عُمان (1)

الصين التي لا تُدار كلها من بكين

 


الطليعة الشحرية

حين ننظر إلى الصين من الخارج، يسهل اختزال تجربتها الإدارية والتنموية في صورة دولة شديدة المركزية؛ حكومة قوية في بكين، وخطط وطنية طويلة المدى، وجهاز إداري واسع يمتد من المركز إلى المقاطعات والمدن والمحافظات والبلدات.

وهذه الصورة صحيحة في جانب منها، لكنها لا تكفي لفهم الطريقة التي أدارت بها الصين واحدة من أعقد عمليات التحول الاقتصادي والاجتماعي في التاريخ المعاصر. فالدولة التي تضم أقاليم شاسعة تتفاوت في مواردها ومستويات نموها وتركيبتها السكانية لا يمكن تفسير مسارها التنموي باعتباره مجرد سلسلة من الأوامر تصدر من العاصمة وتُنفذ بالطريقة نفسها في كل مكان. وما يلفت الانتباه في التجربة الصينية تحديدًا هو أن قوة المركز لم تمنع نشوء مساحات واسعة للتنفيذ والتجريب المحلي، بل إن الجمع بين الأمرين أصبح أحد المفاتيح الضرورية لفهم النموذج الإداري الصيني.

من هنا ربما ينبغي تصحيح السؤال منذ البداية. فبدل أن نسأل؛ هل الصين دولة مركزية أم لامركزية؟ يصبح السؤال الأكثر دقة: كيف استطاعت دولة شديدة المركزية في بنيتها السياسية والاستراتيجية أن تمنح مستوياتها المحلية قدرًا من المرونة في إدارة التنمية واختبار الحلول؟ ذلك أن اللامركزية الصينية لا تشبه بالضرورة النماذج الفيدرالية المعروفة، ولا تعني استقلال الحكومات المحلية عن الدولة المركزية، وإنما تعمل داخل بنية هرمية واضحة يحتفظ فيها المركز بسلطة تحديد الاتجاهات الوطنية والأهداف الكبرى، فيما تتحمل المستويات المحلية مسؤوليات واسعة في إدارة الاقتصاد والخدمات والتنمية الحضرية والريفية ضمن ذلك الإطار.

هذه العلاقة بين المركز والمحليات أنتجت معادلة أكثر تعقيدًا من التقابل التقليدي بين المركزية واللامركزية؛ فالمركز يحدد الاتجاه العام، لكنه لا يفترض بالضرورة أن الطريق إلى الهدف يجب أن يكون متطابقًا في كل مقاطعة ومدينة ومحافظة. والسبب بسيط في ظاهره وعميق في أثره: الجغرافيا ليست متشابهة، والاقتصادات المحلية ليست نسخًا بعضها من بعض، وما يصلح لمنطقة ساحلية صناعية لا يصلح بالضرورة لمنطقة زراعية داخلية، كما أن المدينة التي تمتلك قاعدة صناعية وموانئ وشبكات لوجستية لا يمكن أن تُدار تنمويًا بالمنطق نفسه الذي تُدار به قرية جبلية أو منطقة يعتمد اقتصادها على الزراعة أو السياحة أو الحرف التقليدية.

لهذا ارتبط مسار الإصلاح الصيني بفكرة أصبحت موضع اهتمام واسع في الدراسات الأكاديمية، هي "التجريب تحت الهرمية". ويعني ذلك، في أبسط صوره، أن وجود سلطة مركزية قوية لا يمنع السماح بتجربة بعض السياسات والحلول على نطاق محلي قبل توسيعها. فبدل أن تأتي السياسة العامة دائمًا في صورة مكتملة من العاصمة ليجري تطبيقها دفعة واحدة على بلد هائل التنوع، يمكن أن تبدأ تجربة في مدينة أو محافظة أو مقاطعة، ثم تخضع للمراقبة والتعديل والقياس. فإذا أثبتت جدواها يمكن توسيعها أو الاستفادة من عناصرها في أماكن أخرى، وإذا أخفقت بقي نطاق الإخفاق محدودًا وأصبح من الممكن تصحيح المسار قبل تحويل التجربة إلى سياسة أوسع.

هذه الآلية جعلت أجزاء من الصين، في مراحل مختلفة من مسيرتها الإصلاحية، أقرب إلى مختبرات للسياسات العامة، ولم تعد الإدارة المحلية مجرد ذراع تنفيذية تنتظر التعليمات، بل أصبحت في بعض المجالات طرفًا في البحث عن الوسيلة المناسبة لتحقيق الهدف الوطني. والفارق هنا بالغ الأهمية؛ لأن الدولة لا تحتاج، وفق هذا المنطق، إلى أن تعرف منذ البداية كل الإجابات الممكنة لمشكلات التنمية، لكنها تحتاج إلى بناء نظام يسمح بظهور الإجابات محليًا، واختبارها، وقياس نتائجها، ثم التمييز بين ما يستحق التوسع وما ينبغي التخلي عنه.

وعندما نقرأ بهذه الطريقة كثيرًا من النماذج التي ظهرت في المدن والريف الصيني، تتغير زاوية النظر إليها. فالقرية التي نجحت في التجارة الإلكترونية، والبلدة التي تخصصت في صناعة بعينها، والمنطقة التي بنت اقتصادًا حول السياحة الريفية أو الزراعة ذات القيمة المضافة، ليست أهميتها في المشروع الظاهر وحده. الأهم هو البيئة الإدارية والاقتصادية التي سمحت للمكان بأن يبحث عن ميزته النسبية ويختبرها ويبني حولها نشاطًا اقتصاديًا. ولذلك فإن محاولة نقل المظهر النهائي لهذه التجارب إلى دولة أخرى قد تكون أقل أهمية بكثير من فهم الآلية التي أنتجتها.

وهنا يظهر تحول آخر يستحق الانتباه في مفهوم التنمية المحلية؛ فالنظرة التقليدية إلى القرية أو البلدة تبدأ غالبًا من احتياجاتها: طريق، ومدرسة، ومركز صحي، وشبكات مياه وكهرباء، وخدمات عامة. وهذه كلها ضرورات لا يمكن الحديث عن التنمية من دونها، لكنها لا تجيب عن السؤال الذي يحدد مستقبل المكان بعد اكتمال بنيته الأساسية، ما الذي سيُنتجه هذا المكان؟ ومن أين سيأتي دخله؟ وما الذي سيجعل أبناءه يرغبون في البقاء فيه أو العودة إليه؟ وكيف يمكن تحويل موارده الطبيعية والبشرية والثقافية إلى قيمة اقتصادية قابلة للاستمرار؟

عند هذه النقطة تنتقل الإدارة المحلية من إدارة الاحتياجات إلى إدارة الإمكانات، فالقرية لا تعود مجرد وحدة سكانية تحتاج إلى الإنفاق عليها، بل يمكن النظر إليها باعتبارها جزءًا من اقتصاد أوسع؛ قد تنتج سلعة زراعية ذات قيمة مرتفعة، أو تحتضن نشاطًا صناعيًا صغيرًا، أو تتحول إلى مقصد سياحي، أو تحيي حرفة تقليدية وتربطها بالسوق، أو تستخدم التجارة الإلكترونية للوصول إلى مستهلك يبعد عنها آلاف الكيلومترات وكذلك المدينة والمحافظة؛ فبدل أن تكون مهمتهما إدارة المشروعات التي تصل إليهما، يصبح السؤال، ما الميزة الاقتصادية التي يستطيع هذا المكان بناءها وتطويرها على المدى الطويل؟

لكن هذه المرونة ليست وصفة سحرية، ولا ينبغي قراءة التجربة الصينية باعتبارها مسارًا متصلًا من النجاحات؛ فالاختلاف الكبير في قدرات الحكومات المحلية أنتج تفاوتًا في النتائج، كما واجهت بعض المستويات المحلية ضغوطًا مالية وديونًا واختلالات في استخدام الموارد، ولم تكن جميع التجارب المحلية قابلة للاستمرار أو النقل إلى مناطق أخرى؛ بل إن إحدى أهم الدروس التي تقدمها التجربة هي أن منح الصلاحيات وحده لا يصنع تنمية ناجحة؛ فالصلاحية من دون موارد قد تتحول إلى عبء، والموارد من دون مساءلة قد تنتج الهدر، والاستقلال في التنفيذ من دون بيانات وكفاءات وقدرة مؤسسية على القياس قد يحول اللامركزية إلى مجرد تغيير في موقع اتخاذ القرار، لا في جودته.

لذلك لا تكمن المسألة في نقل السلطة من المركز إلى الأطراف بقدر ما تكمن في بناء علاقة مختلفة بينهما؛ علاقة يحتفظ فيها المركز بوظيفته الاستراتيجية في تحديد الاتجاهات الوطنية وضمان المعايير والعدالة بين المناطق، فيما يمتلك المستوى المحلي الأدوات والمسؤولية والقدرة على قراءة واقعه وصناعة الحلول المناسبة له. وبهذا المعنى، لا تكون اللامركزية نقيضًا للدولة القوية، بل يمكن أن تصبح إحدى أدواتها إذا ارتبطت بالمساءلة والقياس والقدرة المؤسسية.

وهنا تحديدًا تبدأ أهمية التجربة الصينية بالنسبة إلى عُمان، فالغاية من دراستها ليست البحث عن وصفة جاهزة ولا استنساخ نموذج نشأ في سياق سكاني واقتصادي وسياسي مختلف تمامًا. عُمان ليست الصين، ولا ينبغي أن تكون، لكن قيمة التجارب الدولية لا تكمن في نسخ نتائجها، وإنما في قدرتها على دفعنا إلى إعادة النظر في الأسئلة التي نطرحها على تجربتنا الخاصة.

لقد اتجهت سلطنة عُمان خلال السنوات الأخيرة إلى تعزيز أدوار المحافظات وتوسيع مساحة العمل التنموي المحلي، ومع هذا التحول يصبح من المشروع أن نسأل عن المرحلة التالية: هل تنتهي اللامركزية عند نقل مجموعة من الاختصاصات والميزانيات من المركز إلى المحافظات، أم أن بإمكانها أن تتطور إلى مستوى تصبح فيه المحافظة نفسها شريكًا في صناعة النمو، لا مجرد مستوى إداري أقرب إلى المواطن؟

الفارق بين الحالتين ليس لغويًا؛ فهناك فرق بين محافظة تدير مجموعة من المشروعات ومحافظة تعرف ما الذي تريد أن تكونه اقتصاديًا بعد عشرين عامًا، وبين ولاية تنتظر نصيبها من المشروعات وولاية تحدد ميزتها النسبية وتبني حولها شبكة من الاستثمارات والمؤسسات الصغيرة وفرص العمل، وبين قرية تتحسن خدماتها بفضل الإنفاق العام وقرية تستطيع، إلى جانب ذلك، أن تنتج جزءًا من الدخل الذي يضمن استمرارها ويخلق لأبنائها سببًا اقتصاديًا للبقاء فيها.

وربما يكون السؤال الأهم في هذه المرحلة ليس مقدار ما تستطيع الحكومة المركزية أن تنقله إلى المحافظات، وإنما مقدار القدرة التي يمكن بناؤها داخل المحافظات نفسها لكي تفكر وتخطط وتجرب وتقيس وتتعلم. فاللامركزية التي تنقل الميزانية من دون أن تنقل القدرة على صناعة الفكرة تظل محدودة الأثر، كما أن نقل الصلاحية من دون بناء المؤسسة القادرة على استخدامها لا يغير كثيرًا من منطق الإدارة التقليدي.

ومن هنا يبدأ الخيط الذي ستتبعه هذه السلسلة، لن تكون الصين موضوعها النهائي، كما لن يكون الهدف وضع التجربتين الصينية والعُمانية في مقارنة مباشرة لا تراعي اختلاف السياق. سنحاول بدلًا من ذلك تفكيك الآليات التي جعلت بعض المناطق الصينية مختبرات للتنمية، ثم نتتبع كيف استطاعت بعض المدن والبلدات والقرى الانتقال من تلقي التنمية إلى المشاركة في إنتاجها، قبل أن نعود تدريجيًا إلى عُمان لنسأل عما يمكن أن نتعلمه، وما ينبغي أن نرفض استنساخه، وما يمكن أن نصوغه بطريقتنا الخاصة.

فربما تكون القضية في النهاية أكبر من المركزية واللامركزية بمعناهما الإداري، إنها تتعلق بكيفية توزيع القدرة على التفكير في التنمية نفسها. يستطيع المركز أن يرسم الاتجاه الوطني ويحمي التوازن بين المناطق ويضع القواعد الكبرى، لكن المكان يعرف تفاصيله وموارده وذاكرته ومشكلاته وفرصه التي قد لا تظهر كاملة في الخرائط والتقارير المركزية. وعندما تجتمع الرؤية الوطنية مع معرفة المكان، يصبح السؤال مختلفًا؛ ليس ماذا سنمنح هذه المحافظة أو تلك القرية، وإنما ماذا يمكن لهذا المكان أن يصنع إذا امتلك الأدوات والمسؤولية والمساحة الكافية للتجريب؟

في الإجابة عن هذا السؤال قد نجد واحدًا من أهم مفاتيح التنمية المحلية؛ لأن المكان حين يتحول من متلقٍ للسياسة إلى شريك في صناعتها، لا تتغير الإدارة وحدها، بل تتغير العلاقة بين الجغرافيا والاقتصاد والدولة والمجتمع.

وفي الحلقة المقبلة من هذه السلسلة نقترب من قلب هذه الفكرة: كيف تحولت المحافظة والمدينة في التجربة الصينية إلى مساحة لاختبار السياسات والنماذج الاقتصادية، وكيف يمكن أن يصبح "التجريب المحلي" أداة للتنمية بدل أن يكون مخاطرة إدارية؟

هذا المقال هو الحلقة الأولى من سلسلة أسبوعية من ثماني حلقات بعنوان "من الصين إلى عُمان"، تتناول اللامركزية والتنمية المحلية وتحول المدن والقرى إلى مجتمعات منتجة ومستدامة، وصولًا إلى قراءة إمكانات بناء نموذج ينطلق من الخصوصية العُمانية.

الأكثر قراءة

z