الإصلاح الاقتصادي في سلطنة عُمان: صناعة اقتصاد المستقبل

 

 

 

د. سليمان بن حمد الفارسي

 

تقف سلطنة عُمان أمام مرحلة اقتصادية تتجاوز في طبيعتها حدود الإصلاح المالي التقليدي؛ فهي مرحلة تتطلب النظر إلى الاقتصاد باعتباره منظومة متكاملة، وأن كل قرار مالي أو تنظيمي لا يقف أثره عند حدود الخزينة العامة، وإنما يمتد إلى الاستثمار والتوظيف والأسعار والقدرة الشرائية وتعميق الاقتصاد ومستقبل القطاع الخاص. ومن هنا فإنَّ الإصلاح الاقتصادي لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مسألة فنية تخص الإيرادات والنفقات فقط، بل باعتباره مسؤولية في إدارة مصالح المجتمع وضمان قدرة الاقتصاد الوطني على النمو والاستمرار.

والدولة، حين تفرض رسمًا أو تُعدِّل ضريبة أو تُغيِّر تكلفة ممارسة النشاط أو تضع اشتراطًا تنظيميًا جديدًا، لا تتعامل مع أرقام مجردة، وإنما تتخذ قرارًا يؤثر في حياة الناس وفي قرارات المستثمرين وفي مستقبل المؤسسات. ولذلك فإنَّ مسؤوليتها لا تقتصر على تحقيق إيراد إضافي أو خفض بند من بنود الإنفاق، وإنما تمتد بالتوازي إلى تقدير الآثار الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على القرار، ومعرفة من سيتحمل تكلفته، وما إذا كان سيعزز الإنتاج أم سيضعف القدرة على الاستثمار والتوظيف.

وهنا تكمن إحدى أهم مسؤوليات الدول؛ وهي: حماية التوازن بين متطلبات اليوم ومصالح الغد؛ فالمالية العامة تحتاج إلى الاستدامة، وهذا أمر لا خلاف على أهميته، لكن الاستدامة المالية لا يمكن أن تتحقق على حساب إضعاف القاعدة الإنتاجية التي ستعتمد عليها الدولة في المستقبل. وإذا كان القطاع الخاص هو أحد المحركات الأساسية للتوظيف والاستثمار والتنويع الاقتصادي، فإن إضعاف قدرته على النمو قد يؤدي في المدى البعيد إلى نتيجة عكسية تتمثل في إيرادات أقل، واستثمارات أضعف، وفرص عمل أكثر شحًا، واعتماد أكبر على الإنفاق العام.

ولا شك أن الهدف الرئيس للدول هو كيفية زيادة الدولة لإيراداتها دون أن تضعف قدرة الاقتصاد على إنتاج إيرادات أكبر في المستقبل، هذه المسؤولية تكتسب أهمية خاصة في اقتصاد يسعى إلى تقليل اعتماده على النفط، لأن الانتقال من اقتصاد تقوده الإيرادات النفطية إلى اقتصاد أكثر تنوعًا لا يمكن أن يتم بمجرد إضافة رسوم أو ضرائب أو إطلاق مبادرات متفرقة، وإنما يحتاج إلى بناء قاعدة واسعة من المؤسسات المنتجة والقادرة على المنافسة. والمشروع الصغير الذي يبدأ اليوم قد يتحول غدًا إلى مؤسسة كبيرة، والمؤسسة المتوسطة قد تصبح شركة إقليمية، وكل واحدة منها يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى مصدر للوظائف والاستثمار والضرائب والصادرات.

لذا فإنَّ التعامل مع ريادة الأعمال والقطاع الخاص يجب أن يتجاوز فكرة الدعم المؤقت إلى مفهوم أعمق هو صناعة البيئة التي تجعل النجاح الاقتصادي ممكنًا؛ فالمستثمر لا يحتاج فقط إلى تمويل أو إعفاء، وإنما يحتاج قبل ذلك إلى وضوح واستقرار في القواعد، وإلى قدرة على التنبؤ بالتكاليف، وإلى سوق عادلة، وإلى تشريعات متوازنة، وإلى قضاء تجاري فعّال، وإلى فرص حقيقية للنمو.

الرسوم والضرائب ليست في ذاتها عائقًا أمام الاقتصاد، كما أن الإصلاح المالي ليس خصمًا للقطاع الخاص. لكن المشكلة تظهر عندما تتراكم الالتزامات والتكاليف إلى درجة تتجاوز قدرة النشاط على تحقيق عائد معقول. عندها يبدأ المستثمر في إعادة حساباته في التوسع، والتوظيف، ورفع الأسعار، وتأجيل الاستثمار، والانسحاب من السوق. وهذه القرارات الفردية، عندما تتكرر على نطاق واسع، تتحول إلى نتيجة اقتصادية مؤثرة على الاقتصاد الوطني.

وتزداد أهمية هذه المسألة عندما ننتقل إلى سوق العمل؛ فالدولة مسؤولة عن توفير بيئة تتيح للمواطن فرصة حقيقية للعمل والتطور، لكنها في الوقت ذاته مسؤولة عن عدم تحويل سياسات سوق العمل إلى تكلفة تؤدي إلى إضعاف المؤسسات التي يفترض أن توظف المواطنين. ولذلك فإن نجاح التوظيف لا يقاس بعدد الوظائف التي تم شغلها فقط، وإنما بمدى ارتفاع إنتاجية المواطن، وتطور مهاراته، وزيادة مساهمته في القيمة المضافة للمؤسسة والاقتصاد.

وهنا تظهر مسؤولية الدولة في بناء علاقة صحية بين المواطن وصاحب العمل. فلا ينبغي أن يكون المواطن هو الطرف الذي يخسر عندما تتعثر المنشأة، ولا ينبغي أن يكون صاحب العمل هو الطرف الذي يرى في توظيف المواطن مخاطرة اقتصادية. والسياسة الأكثر استدامة هي التي تجعل توظيف المواطن جزءًا من نجاح المؤسسة وليس عبئًا على بقائها ومهددًا لاستمراريتها.

كما أن الدولة مسؤولة عن حماية القوة الشرائية للمجتمع؛ لأن الاقتصاد لا يقوم على الإنتاج وحده، بل يحتاج أيضًا إلى طلب قادر على شراء هذا الإنتاج. وإذا أدت التكاليف المتراكمة إلى ارتفاع الأسعار وانخفاض الدخول الحقيقية، فإنَّ آثار ذلك لا تتوقف عند المستهلك، بل تمتد إلى التاجر والصانع ومقدم الخدمة، لأنَّ ضعف الطلب يعني في النهاية ضعف دورة النشاط الاقتصادي.

ومن هنا تبرز ضرورة أن تصبح دراسة الأثر الاقتصادي جزءًا أصيلًا من عملية صناعة القرار. فلا يكفي أن تعرف الدولة كم سيضيف القرار إلى الإيرادات، بل ينبغي أن تعرف كم قد يكلف الاقتصاد من استثمار ووظائف وإنتاج، وأثره على الأسعار، واحتمالات انتقال تكلفته إلى المستهلك، وما إذا كان سيؤدي في النهاية إلى توسيع الوعاء الاقتصادي أم إلى تضييقه.

الدولة التي تمتلك القدرة على اتخاذ القرار تمتلك أيضًا مسؤولية تقدير عواقبه. وهذه ليست دعوة إلى تجميد الإصلاح أو إعفاء القطاع الخاص من مسؤولياته، وإنما دعوة إلى إصلاح أكثر ذكاءً وتدرجًا ودقة؛ إصلاح يميز بين المنشأة الناشئة والمؤسسة الناضجة، وبين النشاط المنتج والنشاط الريعي، وبين التكلفة التي ترفع كفاءة الاقتصاد والتكلفة التي تثقل قدرته على المنافسة.

كما أن مسؤولية الدول لا تنتهي عند تنظيم السوق، بل تشمل استخدام أدواتها الاقتصادية لبناء الأسواق نفسها؛ فالإنفاق الحكومي والمشتريات الحكومية يمكن أن يكونا وسيلة لتطوير المؤسسات الوطنية وسلاسل الإمداد المحلية، وربط الشركات الصغيرة والمتوسطة بالمشروعات الكبرى، وفتح الطريق أمام المؤسسات القادرة على التوسع والتصدير، وأن كل مبلغ يُضخ من قبل الحكومة يترك أثرًا ملموسًا واقتصادًا مستدامًا.

والتنويع الاقتصادي، في جوهره، يجب أن يَعني بناء اقتصاد يستطيع أن يقف على أكثر من محرك؛ اقتصاد لا يعتمد على مورد واحد، ولا يستبدل اعتمادًا بآخر، بل يخلق قطاعات منتجة قادرة على الاستثمار والتصدير والابتكار وتوفير الوظائف ودفع الضرائب. وهذه المهمة لا يستطيع القطاع الخاص إنجازها وحده، كما لا تستطيع الحكومات إنجازها وحدها؛ وإنما تحتاج إلى دولة تضع الاتجاه والقواعد، وقطاع خاص يمتلك المساحة والحافز والقدرة على التنفيذ.

مسؤولية الدولة في المرحلة المقبلة تتمثل، قبل كل شيء، في تحقيق هذا التوازن الدقيق، بأن تحافظ على الاستقرار المالي دون أن تحد من النمو، وأن تزيد الإيرادات دون أن تضيق الوعاء الذي تُحصّل منه على الإيرادات، وأن تدعم التوظيف دون أن تضعف تنافسية المؤسسات، وأن تنظم السوق دون أن تثقله بالتكاليف، وأن تحمي المواطن دون أن تعزل الاقتصاد عن المنافسة.

ولهذا فإن معيار نجاح الإصلاح الاقتصادي لا ينبغي أن يكون مقدار ما تحصله الدولة في سنة مالية واحدة، وإنما مقدار ما يضيفه الإصلاح الاقتصادي إلى قوة الاقتصاد بعد سنوات؛ فالدولة لا تُقاس مسؤوليتها فقط بقدرتها على إدارة المال العام، وإنما بقدرتها على صناعة الظروف التي تجعل المجتمع أكثر إنتاجًا، والقطاع الخاص أكثر قدرة على الاستثمار، والشباب أكثر قدرة على بناء مستقبلهم، والاقتصاد أكثر قدرة على خلق الثروة من موارده الذاتية.

وفي نهاية المطاف، فإن الرؤية الاقتصادية الأكثر استدامة هي التي تجعل العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص علاقة بناء متبادل وشراكة متجذرة لا علاقة جباية وتمويل فقط؛ دولة قوية في تشريعاتها، عادلة في تنظيمها، رشيدة في إنفاقها، بعيدة النظر في قراراتها، وقطاع خاص مبادر وقوي في إنتاجه واستثماره وتوظيفه وابتكاره.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z