مواقف وعبر من سيرة الكاتب الصحفي عوض بن مسلم زعبنوت

 

 

 

سعيد بن محمد الجحفلي

تكتسب السيرة الذاتية مكانة أدبية مهمة في الآداب العالمية، نظرًا لقيمتها الموضوعية ونضجها الفني وبعدها الإنساني الزاخر بالأحداث المهمة التي يكون الكاتب قد عاصرها وربما شارك في صناعتها، وهذا اللون من الأدب الوصفي السردي الممتع يستهويه الكثير من القراء، لما له من قيمة ثقافية وتاريخية وتوثيقية تكشف للقارئ الكثير من المعلومات المثيرة عن المرحلة التي عاشها صاحب السيرة، وتجربته المتميزة في إدارة أحداث حياته والتعامل مع مفاجآتها ومخاطرها التي تكثر فيها الدروس وتنضج فيها التجربة الإنسانية، بعبرها وخلاصات دروسها المفيدة حرصًا على تقديم وليمة فاخرة من سرديات الأحداث لمن تهمهم معاني الكفاح والمكابدة في صناعة ما يفيد لتربية الإنسان وتعليمه.

والإنسان مجبول بطبعه على حبه وشغفه لمعرفة ما استتر وخفِيَ عنه من تجارب وهذا يأتي في سياق ما يُنشر في السير الذاتية بكثافة أحداثها، وماتع تجاربها؛ لنقل المعرفة للأجيال التي تهمهم هذه السير في تشكيل واقعهم.

وهنا نقف عند إحدى هذه السير المفعمة بالأحداث التي وثّق كاتبها العديد من المحطات المؤلمة التي مرت عليه، والموسومة بـ"الكويت وذاكرة وفاء لمراحل عمرية من حياتي"؛ حيث وصف المحطات العمرية التي عاشها الكاتب بكل شفافية دون إضافات تجميلية أو مقص رقيب ذاتي. وهذا ما دفعني إلى نشر هذه القراءة المتأثرة بهذه السيرة، لأنها بحق مؤثرة وشائقة عن مرحلة لم نعشها ولم نتصورها وقد تولى الكاتب بتقنيات سرده المغرية للكشف عن مظهر مؤلم من المعاناة التي كان يعانيها سكان الجزيرة العربية وخاصةً في سلطنة عُمان وبلاد المهرة- آنذاك- فكانت دولة الكويت هي المحطة الأولى التي وصل إليها كاتب السيرة بصحبة والده بقصد العلاج؛ فقد سافر به طفلًا رضيعًا، وأمضى كل غربته هناك إلى أن عزم المغادرة النهائية إلى أرض الوطن في بداية السبعينيات من القرن الماضي، فكان أحد رجال السبعين الأوائل الذين ساهموا بفعّالية في بناء المنظومة الإعلامية للسلطنة منذ بداية النهضة المباركة، من خلال عمله في المجال الإعلامي والتحقيق الصحفي بوزارة الإعلام واستمر في العمل الصحفي إلى أن أوصله قطار العمر إلى سن التقاعد.

ومن خلال قراءتي للأحداث التي سردها كاتب السيرة بكل وضوع وشفافية، أرى فيها ميزة مختلفة عن بقية السير الذاتية التي يميل كُتابها إلى تجميل الصورة الذهنية عنهم عند القراء فيبتعدون عن سرد الأحداث الحيَّة التي مرت عليهم ويقدمون سير مُعدلة "بتصرف"؛ وهي كذلك بعيدة عن أسلوب الروايات التي تُنسج من وحي الخيال لتُبحر بالقارئ في خيالات غير واقعية وأحيانًا غير منطقية، فتكون مادة سهلة للتسلية وتخفيف ضغوط الحياة، وهذا ليس تعميمًا بالطبع لأدب الرواية الذي ينمي الفكر والذوق ويوسع مدارك القارئ بثقافة عميقة.

وقد صاغ الكاتب سيرته بأسلوب فاخر ليكشف للأجيال الحاضرة والقادمة مدى صعوبة حياة الناس في الجزيرة العربية قبل ظهور النفط بكميات تجارية ورغم تلك المعاناة، كانت حياة الناس تستمر بلونها الأبيض والأسود الداكن على كل مناحي الحياة. فمصطلح رفاهية الخليج كان لازال جنينًا يتشكل في بطن الغيب في تلك الفترة، فتلكم الأجيال كانوا ينحتون في الصخور الصماء فرص عيشهم بمعاناة شديدة للبقاء على قيد الحياة! فصبروا وتحملوا ضنك العيش إلى أن عبروا رمال الخليج الحارقة على الدفع الرباعي نحو بر الأمان، حيث طفرات النفط وما صاحبها من رغد العيش.

شخصية الكاتب هنا صنعته أحداث جِسام في كل محطات عمره، فتماهت معاناة الطفولة التي عاشها في الغربة، مع الثقافة الواسعة التي اكتسبها فيما بعد من خلال مجالسته لعلوم الرجال في الديوانيات العريقة لدولة الكويت، فمن تلك التوليفة المتجانسة أنتج أسلوبًا بارعًا في سرد الأحداث، وكأنه أراد أن يثأر لنفسه بأثر رجعي من قُرّاء سيرته تلك من خلال تعمده كشف المآسي والحرمان التي عاشها في طفولته هو وأمثاله من المغتربين في تلك الفترة دون إجراء عمليات تجميلية للأحداث التي مر بها!!

تذكرت القول المأثور الذي يقول "من رحم المعاناة يولد النجاح والإبداع"، ومن وجع الألم والندبات تتشكل أكثر الشخصيات عظمةً وأثرًا؛ فعلى رغم الألم الذي ينتاب شعوري حين أنتقل بين المحطات المليئة بالأحزان التي يسردها الكاتب، إلّا أن تأثري وصل حد الخيال الناظر بعين باكية ونفس تحيا بالأمل، عندما قابلت الأم طفلها- أي أم كاتب السيرة- بعد غياب دام أربع سنوات عجاف في الكويت، تخللها لوم نفسي قاتل، وعتاب ممتد لا ينقطع منذ أن سلمت رضيعها الصغير المريض لأبيه ليدبر أمره عندما عجزوا عن معالجته في أرض المهرة التي ولد فيها، وقد حبستها الأعذار والظروف العائلية القاهرة من أن تكون مع رضيعها في السفر، فأخذ الوالد الجسور يهيم بطفله المريض وهو لا يتجاوز العام ونصف في دروب الغيب المظلم، فيركب عباب البحار الطامي ليصل به القدر الذي قدّره القادر الرحيم مدبر الحلول المستحيلة، إلى دولة الكويت عبر رحلة شاقة امتدت لأشهر، فكان الموعد مع الأسرة الكريمة وبنت الأجاويد الشيخة موضي المطيرية والدة الشيخ علي الأحمد الصباح التي تكفلت بتربية الرضيع إلى أن وصل عمره أربع سنوات، فقرر والده الرجوع به من الكويت إلى أمه ليسلم عليها.

هنا أقف لا ترك المجال للقارئ الكريم للتعرف على كل محطات السيرة المثيرة والشيقة من خلال قراءتها بتمعنٍ.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z