حمد الناصري
بمشاعر يملؤها الحزن والأسى، أُعزي في وفاة أخي وصديقي الإعلامي والكاتب القدير الأستاذ أحمد بن درويش الحمداني، الذي انتقل إلى جوار ربه، تاركًا وراءه غصّة في قلوبنا، وإرثًا إبداعيًا زاخرًا وأثرًا طيبًا لن يمحوه الغياب.
لقد فقدت الساحة الإعلامية العُمانية برحيله قامة استثنائية وصوتًا مخلصًا كان نبضًا حيًا للمجتمع وهويته المحلية، حيث تجلى عطاؤه عبر أثير إذاعتيْ سَلطنة عُمان والشباب من خلال برامجه الجماهيرية التي تبُث الأمل والطاقة الإيجابية، ولا يُمكن أن ننسى كيف كان يُرافقنا بأسلوبه العفوي الصادق مخلّفًا أثرًا عميقًا في برنامجه الرمضاني الشهير "معكم دوم" وبرنامجه اليومي "صباح الياسمين".
وأستذكر في هذا المقام ببالغ الفخر والاعتزاز واحدة من أزهى وأعمق المحطات الفكرية في تاريخ الصحافة العُمانية، وتحديدًا في أواخر ثمانينيات القرن الماضي عبر مَنبر مجلة النهضة العُمانية بمطرح، التي أسسها ورعاها رائد الصحافة العُمانية الشيخ الراحل طالب بن سعيد المعولي؛ حيث فتح الكاتب والإعلامي القدير محمد اليحيائي صفحات المجلة على مصراعيها ليُدِير بكل اقتدار سجالًا مكتوبًا ساخنًا وجريئًا ضِمن حلقات "ملف الحركة الأدبية في عُمان"، وهو الملف الذي جمع في مواجهة قلمية وفكرية مباشرة بين الراحل أحمد بن درويش الحمداني وبين كاتب هذه السطور. وقد تناولت تلك السجالات والتعقيبات الفكرية الرصينة نقد مكامن "الجمود الفكري" وآليات التغيير الثقافي في عُمان، وناقشنا بجرأة تامة شؤون المسرح، وآليات النهوض بالدراما العُمانية، وكيفية صَون الهوية الوطنية، واحتدم بيننا النقاش حول الوسيلة الأجدى لمحاربة هذا الجمود والوصول إلى وعي الجماهير.
فبينما كان الأستاذ أحمد بن درويش الحمداني يُدافع بقوة عن مشروعية تبسيط الخطاب واستخدام الأدب الدرامي التوعوي القريب من وجدان وتعبيرات المجتمع المحلي العُماني لانتشاله من التقليدية، كنتُ أرى ضرورة التمسك بالفصحى الرصينة والعمق الفكري لتجنب تسطيح القضايا الاجتماعية، ليكون حوارنا نموذجًا حيًا لثقافة الوعي والأناة العُمانية، ونجح الإعلامي الأستاذ محمد اليحيائي بإدارته الذكية في جعله مرجعًا توثيقيًا مُلهمًا.
ولم يكن الراحل مجرد صوت يصدح خلف الميكروفون، بل كان قلمه يفيض وعيًا وفنًا؛ إذ سخّر أدواته الإبداعية ككاتب ومؤلف درامي مخضرم لرفعة الوعي المجتمعي عبر أعمال تركت بصمة خالدة في الذاكرة العُمانية، وفي مقدمتها مسلسله الاجتماعي المبكر "يوميات سعيد وسعيدة" عام 1991، وروائعه اللاحقة كمسلسل "إنسان من هذا الزمان" عام 2011، والسلسلة التوعوية المحبوبة "الكلام المعلوم مع خَلف وسَلوم"، ومسلسل "مُخالف ملتزم جدًا"، إلى جانب خطوط إبداعية أخرى تجلت في "غدًا تبتسم الحياة" و"طيور بلا ريش".
وإلى جانب عطائه الإعلامي والفني، كان مُعَلّمًا وموجهًا للأجيال؛ إذ أفاض بخبراته الطويلة لتأهيل الكوادر الوطنية الشابة وتدريبها عبر ورش ودورات متخصصة رسمت لهم معالم النجاح في مهارات الأداء والعمل الإعلامي، وما زلت أستذكر نبل خُلقه ودماثته وتواضعه، مما جعل منه مثالًا للزميل الوفي والمبدع المخلص لوطنه حتى النفس الأخير.
وختامًا.. رثاؤنا في رحيل الأستاذ أحمد بن درويش الحمداني لا يُطوي به أثره؛ إذ يظل نبض إبداعه وسيرته العطرة خالدَيْن في ذاكرة الوطن، فرحم الله أبا نواف بواسع مغفرته، وأجزل له النُّزل في فردوسه الأعلى، وسكبَ السكينة والسلوان في قلوب أهله ومُحبيه.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.
