لماذا انتصر الفكر العُماني؟

 

 

 

 

د. محمد بن عوض المشيخي **

سلطنة عُمان استثناءٌ في كل شيء؛ بدايةً بسياستها الخارجية التي تنظر من خلالها إلى العالم بموازين الاحترام للقانون وحسن الجوار واحترام الغير؛ فالقيادة العُمانية تنطلق من المبدأ والمنظور الذي يرى أنه لا يجوز أن نعود بالإنسانية إلى عصور التخلف والقوة الغاشمة والسيطرة على الآخرين واستباحة ثرواتهم الوطنية ومصادرتها، وكذلك التوسع خارج الحدود الجغرافية المعترف بها دوليا.

تلك القاعدة العُمانية، نادرة في عالم الجغرافيا والسياسة، لكونها لا تعامل الآخرين بضغائنهم وبسريرتهم أو حتى بأفعالهم وانتهازيتهم؛ بل هناك مفهوم أوسع وراسخ وحكمة عُمانية لا تقبل القسمة في نهجها القويم الذي أبهر العالم من أقصاه إلى أقصاه، وذلك من خلال الارتقاء بمبادئ التعايش السلمي واحترام حقوق الناس، ليس فقط في داخل عُمان؛ بل امتدادًا إلى هذا الكوكب المثقل بالهموم والمتناحر على المصالح. وبالفعل أقل ما يمكن قوله هنا أن هذا العالم أرهقت حكوماته الفتن والحروب والخلافات من جل المصالح، حتى ولو كان ذلك على حساب المبادئ الأخلاقية التي قامت عليها الدول والتي يفترض بها أن تحترم تلك الأسس التي تحفظ استمرارية الأنظمة وتحفظها من الزوال، خاصة عند ما تجنح للمصالح والتوجه الميكافيلِّي القائم على أن الغاية تبرر الوسيلة.

إلّا أنه على العكس من ذلك، يظهر في الأفق النموذج العُماني الفريد في عالم السياسية الذي هو عبارة عن قصة نجاح مبهرة للكل؛ فالقيادة العُمانية المتمثلة في حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- تملك الكثير من مفاتيح الحل والعقد وحل الخلافات، وقبل ذلك كله نفخر به ربانًا لسفينة الوطن التي يقودها باقتدار في إقليم يُعاني من الكثير من المتاعب والتحديات. وعلى الرغم من ذلك، يخطو بلدنا العزيز خطوات ناجحة نحو المجد؛ بما تحمله هذه الكلمة من معنى، في اكتساب سمعة وثقة جميع الأطراف في العالم وخاصة دول الإقليم، وتلك قيمة مضافة للمجتمع العُماني. وقد انتهجت السلطنة سياسية الأبواب المفتوحة والشفافية والصدق وحسن الجوار وعدم التدخل في شؤون الغير، خاصة مع الدول الشقيقة في رسم حدودها مع جيرانها منذ مطلع السبعينيات من القرن الفائت؛ لكونها- أي السلطنة- تنطلق من قاعدة معروفة "لا ضرر ولا ضرار" فقد تجاوزات بذلك الخلافات الضيقة حول الحدود التي تفصل بين الدول.           

أما على مستوى السياسة الداخلية في هذا البلد العزيز؛ فقد كانت مختلفة عن الغير، وناجحة بكل المقاييس في الحفاظ على أمن وسلامة الغبيراء واستقرارها، وخاصة جيل المستقبل من الشباب الذين يتم استهدافهم بشكل خاص بهدف غسل أدمغتهم من خلال الدعاية السوداء والرمادية. من هنا تبدأ الملحمة الوطنية العُمانية بنجاح أجهزتها الوطنية في جعل العُماني بعيدًا عن الاصطفاف أو الانضمام إلى التنظيمات التي صنعتها أجهزة أجنبية لكي تستخدمها لاستهداف الشعوب الأمانة في العالم بهدف تشويه الدين الإسلامي الحنيف؛ فكانت تلك التنظيمات الضالة من اختراع الغرب ليكون الإسلام العدو البديل للشيوعية. وبالفعل نجحت الأجهزة السرية بزرع العديد من المُنظمات السرية التي تمارس الإرهاب باسم الإسلام في جسد الأمة؛ ففي السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، صنع زبغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي في عهد الرئيس الأسبق جيمي كارتر النسخة الجهادية الأولى للأفغان العرب الذين جاهدوا بحُسن نيَّة ضد القوات السوفييتية في أفغانستان، ثم ظهرت "داعش" التي استخدمت من جديد أسطوانة الجهاد للتأثير على الشباب في مختلف دول العالم للانضمام إليها؛  إذ كان يتم تجنيد 3 آلاف شخص يوميًا عبر التكنولوجيا الغربية كوسائل التواصل الاجتماعي ومختلف منصات الإعلام الرقمي على الإنترنت، بينما على الجانب الآخر نجحت سلطنة عُمان في المحافظة على أبنائها، بفضل الله وتضافر جهود الأجهزة الأمنية العُمانية والمجتمع العُماني الذي طُبع بقيم المحبة والسلام والتآخي؛ فلا تنمو النباتات الخبيثة على تربة السلطنة الطاهرة، وقبل ذلك كله القيادة العُمانية التي نجحت في انتشال الشعب من الفتن والقبلية والمذهبية الضيقة لخلق وطن شامخ يزهو بإخلاص المواطن واعتزازه بوطنه لتبقى راية عُمان عالية خفاقة في السماء.

وبالفعل.. أصبحت عُمان والمواطن العُماني يُشار لهما بالبنان في احترام الغير والتسامح، وكانت عُمان استثناءً في هذا العالم؛ فعدد الذين انضموا إلى تلك التنظيمات الظلامية قليل جدًا ولا يتجاوز عدد أصابع اليدين.

** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري

الأكثر قراءة

z