سيجارة في يد امرأة.. وروسيا كما لم أرها من قبل

 

 

محمد أنور البلوشي **

كان الصباح لا يزال في بدايته في موسكو، والساعة تقترب من الثامنة، حين مرّ أمام عيني مشهد بسيط، لكنه بقي عالقًا في الذاكرة أكثر من كثير من المعالم والميادين التي زرتها لاحقًا. كنا في طريقنا إلى الفندق، وعلى الجهة المقابلة من الشارع رأيت امرأة تقود سيارة أجرة. كانت تمسك سيجارة بيدها اليسرى، بينما تستقر يدها اليمنى بثقة على عجلة القيادة.

ظللتُ أراقبها للحظات وهي تدخن وتقود وتعمل وتمضي في صباحها بهدوء، من دون أن تعتدي على حرية أحد، ومن دون أن يبدو أنها تنتظر من أحد إذنًا كي تعيش حياتها كما اختارتها.

لا أعرف لماذا استوقفني ذلك المشهد إلى هذا الحد. ربما لأنني لم أرَ أمامي مجرد امرأة تقود سيارة أجرة وسيجارة بين أصابعها، بل رأيت حكاية كاملة عن الإنسان والعمل والحرية والصراع اليومي من أجل الحياة. رأيت امرأة اختارت أن تعمل، فلم تجلس تنتظر من يعيلها، ولم تجعل من ظروف الحياة ذريعة للاتكاء على الآخرين. كانت تقود سيارتها، تكسب رزقها، وتشارك في حركة المدينة واقتصادها. وفي ذلك شيء من الكرامة التي يمنحها العمل للإنسان حين يشعر أن له مكانًا في دورة الحياة، وأنه لا يقف على هامشها متفرجًا.

ورأيت في المشهد معنى آخر، هو الحرية. حريتها في اختيار مهنتها، وحريتها في أن تُدخِّن إن أرادت، وحريتها في أن تعيش بالطريقة التي تراها مناسبة لها ما دامت لا تؤذي الآخرين؛ فالحرية، كما فهمتها في تلك اللحظة، ليست شعارًا سياسيًا يُكتب على الجدران أو يُردد في الخطب، بل مساحة يعيش فيها الإنسان حياته من دون أن تلاحقه عيون المجتمع في كل تفصيل صغير.

ومن هنا بدأت روسيا بالنسبة إليّ. لم تبدأ من الكرملين، ولا من الساحة الحمراء، ولا من كتب التاريخ، بل من امرأة مجهولة كانت تقود سيارة أجرة في صباح موسكو. وسألت نفسي وأنا أتأمل المدينة، لماذا جئت إلى روسيا أصلًا؟ وما الذي جذبني إليها؟ كانت الإجابة واضحة في داخلي. جئت من أجل ثلاثة أشياء طالما أثارت فضولي، وهي التاريخ والأدب والاقتصاد.

كان من أهم أهداف رحلتي أن أزور الساحة الحمراء، وأن أقف بالقرب من ضريح لينين. قرأت عنه كثيرًا، وعن الثورة التي ارتبط اسمه بها، وعن أفكاره التي غيرت مسار روسيا وامتد تأثيرها إلى مناطق كثيرة من العالم. وحين تقف في مكان ارتبط بشخصية تاريخية كهذه، فإنك لا تقف أمام قبر رجل فقط، بل أمام سؤال كبير عن قوة الأفكار. كيف تستطيع فكرة أن تحرك شعبًا؟ وكيف يمكن لفلسفة سياسية أن تعيد تشكيل دولة، ثم تعبر حدودها لتؤثر في أجيال وشعوب لم ير أصحابها صاحب تلك الفكرة قط؟

لم تكن زيارتي لذلك المكان موقفًا مع لينين أو ضده، بقدر ما كانت وقوفًا أمام ثقل التاريخ نفسه. فالتاريخ لا يطلب منا دائمًا أن نصفق لشخصياته أو ندينها، وإنما يدعونا أحيانًا إلى أن نفهم كيف استطاعت أفكار بعض البشر أن تغير مصائر الملايين.

ومن التاريخ أخذني الطريق إلى الأدب. فكيف يزور المرء روسيا ولا يستحضر تولستوي؟ كنت أسأل نفسي ما الذي جعل هذا الرجل واحدًا من أعظم كتّاب العالم. هل كان السر في عمق نظرته إلى الإنسان؟ أم في قدرته على الدخول إلى المناطق الخفية في النفس البشرية؟ أم أن وراء الأدب الروسي عمومًا شيئًا من طبيعة هذا المجتمع، ومن تاريخه القاسي، وشتائه الطويل، وصراعاته، وأسئلته التي لا تنتهي عن الحياة والموت والحب والإيمان والمعاناة؟

في روسيا تشعر أن الأدب لم يكن يومًا مجرد كلمات تُكتب على الورق، بل هو فلسفة ممزوجة بالتاريخ، وعلم نفس يرتدي ثوب الرواية. وربما لهذا السبب استطاع الأدب الروسي أن يسافر إلى العالم كله، لأن الإنسان الذي وصفه لم يكن روسيًا فقط، بل كان الإنسان أينما كان. حين نقرأ تولستوي أو دوستويفسكي أو تشيخوف، فإننا لا نقرأ روسيا وحدها، بل نقرأ شيئًا من أنفسنا، من مخاوفنا وتناقضاتنا وأسئلتنا التي نحملها معنا أينما ذهبنا.

لكن روسيا التي رأيتها لم تكن ماضيًا فقط. وأنا أمشي في شوارع موسكو وأراقب حركة الناس، لفت انتباهي أمر اقتصادي بسيط لكنه مهم. قلّما رأيت أحدًا بلا حركة. هذا يعمل، وذاك يبيع، وآخر يقود، وآخر يشتري. المتاجر تستقبل الناس، والأسواق تتحرك، والمقاهي والشوارع تعكس إيقاع مدينة تعرف قيمة الوقت والعمل.

بالنسبة إليّ، الاقتصاد لا يُقرأ فقط من خلال الأرقام والجداول وتقارير الناتج المحلي. أحيانًا يمكن أن نقرأ شيئًا من الاقتصاد في الشارع نفسه. راقب الناس، هل يعملون؟ هل يشترون؟ هل تتحرك الأسواق؟ هل يشعر الإنسان العادي بأنه قادر على المشاركة في الحياة الاقتصادية؟ فالاقتصاد في النهاية ليس أرقامًا صامتة، بل بشر يعملون ويكسبون وينفقون ويحاولون أن يعيشوا.

والتجربة الاقتصادية الروسية لها خصوصيتها التاريخية والمؤسساتية، ولا يمكن اختزالها ببساطة في الرأسمالية أو الاشتراكية. إنها تجربة تشكلت عبر مراحل طويلة، من الحقبة السوفيتية إلى اقتصاد السوق الحديث، مع استمرار حضور الدولة في قطاعات مهمة. وما يهم المسافر العابر ليس إصدار حكم اقتصادي شامل، وإنما مراقبة ما يراه أمامه من حركة وعمل واستهلاك وحياة يومية.

وهنا عادت إلى ذاكرتي سائقة سيارة الأجرة. شعرت فجأة أنها كانت تختصر جزءًا كبيرًا مما حاولت فهمه طوال الرحلة. امرأة عادية لا يعرفها التاريخ، ولن تُكتب عنها الكتب، لكنها تستيقظ في الصباح، وتقود سيارتها، وتعمل، وتكسب رزقها، وتتخذ خياراتها الشخصية. ربما لن يعرف أحد اسمها، وربما لم تكن تعلم أن مسافرًا غريبًا كان يراقبها من الجهة الأخرى من الطريق، وأن صورتها ستبقى في ذاكرته بعد انتهاء الرحلة.

جئت إلى روسيا باحثًا عن لينين وتولستوي والاقتصاد، لكنني وجدت شيئًا آخر لم يكن مكتوبًا في برنامج الرحلة. وجدت الإنسان العادي. وحين عدت بذاكرتي إلى الرحلة، اكتشفت أنني لا أتذكر المباني والتماثيل وحدها، بل أتذكر تلك اللحظات الصغيرة التي تكشف لك بلدًا أكثر مما تفعل بعض الكتب السياحية.

أتذكر سيجارة في يد امرأة، ويدًا أخرى تمسك عجلة القيادة، وسيارة أجرة تعبر أحد شوارع موسكو في الثامنة صباحًا. وقد يكون ذلك مشهدًا عابرًا بالنسبة إلى غيري، لكنه جعلني أفكر بأن المجتمعات لا تُقرأ فقط من خلال حكامها وأنظمتها السياسية وأيديولوجياتها الكبرى، بل من خلال حياة الناس العاديين، ومن خلال المساحة التي يمتلكونها للعمل والاختيار والعيش بكرامة.

ربما كانت روسيا التي جئت أبحث عنها موجودة في كتب التاريخ وروايات الأدباء، لكن روسيا التي بقيت في ذاكرتي وجدتها في الشارع، في امرأة مجهولة كانت تقود سيارة أجرة، تمسك سيجارة بيد، وعجلة الحياة باليد الأخرى. وتلك، بالنسبة إليّ، كانت لمحة من روح روسيا.

** محاضر الاقتصاد بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z