لا تستسلم.. إلا قليلًا!

 

 

 

ريتّا دار

darrita936@gmail.com

 

لديّ مشكلة مع العبارة الشهيرة: «لا تستسلم أبدًا».

صحيح أنها تبدو جميلة جدًا على الجدران، وتحت صور الجبال، وفي المنشورات التي يكتبها شخص استيقظ في الخامسة صباحًا وقرر أن يجعلنا جميعًا نشعر بالتقصير قبل الإفطار.

لكنني لا أثق بأي نصيحة تحتوي كلمة «أبدًا».

ماذا لو بدأت مسلسلًا من ثمانية مواسم، واكتشفت في الحلقة الثالثة أنك تكره البطل والبطلة والمخرج، وأنك تتمنى شخصيًا إغلاق المدينة التي تدور فيها الأحداث بعد إجبار الكاتب الفذ على العيش فيها مع مواسمه الثمانية لبقية حياته؟

هل يجب أن تكمل؟

بحسب ثقافة «لا تستسلم»، نعم.

ثمانية مواسم.

مئة وستون حلقة على الأقل.

ثم تموت وأنت فخور بأنك لم تستسلم.

لدينا تقدير مبالغ فيه للاستمرار.

ابدأ شيئًا، وعليك أن تكمله. اختر طريقًا، وعليك أن تصل إلى نهايته. ادخل علاقة، وحاول إنقاذها حتى يصبح إنقاذك أنت مشروعًا أكثر إلحاحًا.

أما أن تقول ببساطة: «غيرت رأيي»، فهذه عند البعض ليست جملة، بل انهيار أخلاقي.

أعرف امرأة اشترت حذاءً غاليًا كان يؤلمها.

في المرة الأولى قالت إنه يحتاج إلى أن «يأخذ شكل القدم».

بعد أسبوع أصبحت القدم هي المشكلة التي يجب أن تتخلى عن عنادها وتأخذ شكل الحذاء.

ظهرت جروح، واشترت لاصقات، ثم وسائد سيليكون، ثم منتجًا لتوسيع الحذاء، ثم بدأت ترتدي جوارب معينة معه.

باختصار، أنشأت قسمًا كاملًا لإدارة الأزمة، بدل أن تعترف بأن الحذاء سيئ. وحين سألتها لماذا لا تتوقف عن ارتدائه، نظرت إليّ بدهشة: «بعد كل المبلغ الذي دفعته فيه؟»

بالضبط.

هذه هي المشكلة.

نحن مستعدون أحيانًا لأن ندفع أكثر، فقط حتى لا نترك الدفعة الأولى ترحل عنا وحدها.

والحذاء، لحسن الحظ، يكتفي بإيذاء القدم.

بينما بعض اختياراتنا الأخرى أكثر طموحًا، وأشد فتكاُ.

نعطيها سنوات. وكأننا نقول للحياة بكل غباء: "لقد خسرت هنا بما يكفي، ومن غير المنطقي أن أتوقف قبل أن أخسر أكثر!!!"

صديقة لي بقيت مدة طويلة في علاقة انتهت عمليًا قبل أن تنتهي رسميًا.

لم تكن هناك كارثة كبرى. وهذا جعل الأمر أصعب.

فالكوارث مريحة من هذه الناحية. إذا عاد شخص إلى المنزل فوجد السقف في الصالة آيل للسقوط، لن يجلس تحته ثلاثة أشهر ليمنح العلاقة بين السقف والجدار فرصة أخرى.

ولو وجد الغرفة تشتعل لن يناقش إن كان الخروج منها قرارًا متسرعًا.

أما العلاقات الإنسانية فلها نظام مختلف.

«ربما يمر بمرحلة.» «أنا حساسة أكثر من اللازم.» «نحتاج إلى إجازة.» «ستتحسن الأمور بعد أن يخف ضغط العمل.»

تنتهي الأعذار، لكن يأتي الشتاء، ويصبح الشتاء نفسه ظرفًا غير مناسب لاتخاذ القرارات. ثم يأتي الصيف، والسفر، وعيد ميلاد أحدهما، وعيد ميلاد الآخر، ورأس السنة.. وهكذا يمكن لعلاقة منتهية أن تعيش سنوات إضافية بفضل التقويم وحده.

كانت حجة صديقتي الأساسية: «لكننا معًا منذ خمس سنوات.»

وكأن السنة الخامسة موظفة أمن تقف على الباب وتمنعها من المغادرة.

وحين انفصلا أخيرًا، اكتشفت شيئًا كان يمكن للرياضيات البسيطة وأغبى منطق في العالم أن يخبروها به منذ البداية: أن خمس سنوات مضت ليست سببًا كافيًا لإضافة سنة أخرى. وأن السنوات لن تشهد لمصلحة استمرار العلاقة في أي محكمة محترمة.

نفعل الأمر نفسه في العمل.

قد يمضي الإنسان سنوات وهو يكره وظيفته، ثم عندما يفكر في تركها يقول: «لكنني بنيت نفسي هنا.»

حسنًا. لقد بنيت نفسك. يمكنك الآن أخذ نفسك معك. ليس شرطًا أن تبقى ملتصقًا بالمبنى.

لكن الوظائف تتمتع بحماية اجتماعية ممتازة. فهو يشبه أن تتسلق سلمًا طويلًا، ثم تكتشف في الأعلى أنه مسنود إلى جدار لا يناسبك، أو لا يعجبك لا فرق، فتقرر البقاء لأن النزول قد يبدو محرجًا. ويزداد الأمر سوءًا عندما يكون الآخرون معجبين بالسلم الغبي.

قل للناس إنك تريد ترك وظيفة جيدة، وسيتحول معارفك فورًا إلى مجلس إدارة.

«هل ستترك وظيفة رائعة؟» «وماذا بعد؟» «هل ضمنت البديل؟» «هل أنت بكامل قواك العقلية؟»

وقد يكون السائل نفسه قد تزوج بعد ثلاثة أيام من التعارف تحت تأثير نوبة جنون رومنسي عارضة، لكنه يريد منك دراسة جدوى ومستندات تدعم أهليتك القانونية لاتخاذ قرار تغيير وظيفة تكرهها.

 

والأطرف أننا لا نطالب بالبراهين نفسها عند البقاء.

لا أحد يسألك كل ستة أشهر: «هل ما زالت هذه الوظيفة مناسبة لك؟ يرجى إرفاق الأسباب والمستندات.»

البقاء لا يحتاج إلى ملف.

الانسحاب وحده يحتاج إلى محامٍ وشاهدين وربما تقرير خبير. ويحتاج أيضًا إلى سبب درامي للرحيل. كمدير شرير، أو خيانة كبرى، أو انهيارًا مدويًا، أو على الأقل مشهدًا يسمح بموسيقى حزينة في الخلفية.

أما "لم أعد أريد هذا" فتبدو لنا وللآخرين حجة ناقصة. مع أنها برأيي كل ما يلزم.

ولهذا أظن أن بعضنا لا يبقى لأنه يريد البقاء، بل لأن الانسحاب يحتاج إلى طاقة إضافية لا نملكها.

والانسحاب نفسه يعاني من مشكلة علاقات عامة. فكلمة «انسحب» تبدو كأن صاحبها خائن، غادر المعركة تاركًا خوذته وراءه. أما «صمد» فهو بطل فورًا.

مع أن الصمود ليس فضيلة مستقلة.

البعوضة أيضًا تصمد. تطردها، فتعود.

تغطي وجهك، فتجد أذنك.

تشغل الضوء، فتختفي. تطفئه، فتعود إلى عملها بكل نشاط.

ومع ذلك لا أعتقد أن أحدًا منا يعتبرها نموذجًا ملهمًا في المثابرة.

هناك أشياء تستحق المحاولة، بالطبع. وعلاقات تمر بأزمات ثم تتحسن، ومشاريع تفشل مرات قبل أن تنجح.

الفكرة ليست أن نهرب عند أول إزعاج.

وإلا لاستقالت البشرية كلها من وظائفها وشركاء حياتها صباح الاثنين.

لكن هناك فرقًا بين أن تحاول لأن هناك شيئًا يستحق الإنقاذ، وأن تستمر فقط لأنك لا تريد أن تكون الشخص الذي استسلم وتوقف.

والفكرة الأهم بالنسبة لي أن حياتنا ليست عقدًا مع النسخة التي كنا عليها حين اتخذنا قرارًا ما.

من اختار تخصصًا في الثامنة عشرة ليس ملزمًا بأن يقضي الأربعين سنة التالية في إثبات أن مراهقًا كان خبيرًا ممتازًا في مستقبله.

ومن أحب شخصًا في الخامسة والعشرين ليس ملزمًا بحبه في الخامسة والثلاثين احترامًا للأرشيف.

ومن بدأ مشروعًا لا يحتاج إلى الإفلاس رسميًا كي يحصل على إذن بالتوقف.

قد يتغير الطريق. وقد نتغير نحن. وأحيانًا يكون القرار سيئًا منذ البداية، وهذه أيضًا معلومة مفيدة، وإن كانت تصل متأخرة قليلًا.

المشكلة أننا نحب القصص التي يقول فيها البطل: «الجميع طلب مني أن أتوقف، لكنني واصلت حتى نجحت.»

ولا نسمع كثيرًا عن الرجل الذي قال الجميع له إن مشروعه سيئ، فأصر عشر سنوات، وخسر كل ما يملك، ثم اكتشف أن الجميع كانوا، في واقعة تاريخية نادرة، على حق.

هذا الرجل لا تتم دعوته إلى المؤتمرات التحفيزية. مع أن لديه معلومات مهمة جدًا.

ربما النضج ليس أن نتعلم كيف نتمسك بكل شيء.

ربما جزء منه أن نعرف أي الأشياء تستحق أن نمسك بها أصلًا.

أن نميز بين باب يحتاج دفعة إضافية، وباب كُتب عليه «مغلق نهائيًا» ونحن منذ ثلاث سنوات نهزه ونشتكي من جودة المفصلات. مؤمنين -بكل سذاجة- أن طرقه للمرة الأربعين قد يفتحه.

فالبطولة أحيانًا ليست في أن تتحمل عامًا آخر، بل في أن توفر على نفسك عامًا إضافيًا.

وإذا قال لك أحدهم: "لا تستسلم أبدًا".. اطلب منه أن يكمل عنك.

وحين يستسلم هو، لا تشمت. فيكفي أن النظرية أثبتت نفسها.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z