ريما سلمان حمزة **
يُقال: فيما مضى كانت القبائل العربية تحتفلُ بظهور شاعرٍ فيها كما نحتفل اليوم بإطلاقِ رائدٍ فضائي.. ومن رنين القصائد في سوق عكاظ مرورًا بفصاحةِ سيبويه، وانتهاءً بـ"كورونا" الشعر الذي لا يدري ماذا يفعل بعد أن أصبحت لغتهُ رُمَّانة تفستقَ حبها عن دينها، وتفرّطَ في شتات القصد.
لذا لا نطالب اللغة الشعرية بفتوحاتٍ قاموسيّة، أو جلب شجرة أنساب من الأراشيف لتعليقها على صدر البيت، ولم نرتجي أن يكون حرف الضاد كعبتها، ولكن منذ عَبَرَ الشعر بفتوى، وضعت القصيدة حملها الكاذب على ناصية الشِّعر في عراءِ الروح، وتحت ظلال السيد مارك زوكربيرغ اللامتناهي، وموائدهِ المفتوحة للقاصي والداني؛ فكَبُرَ الشعر ثم عاد صبيًا، وكَبُرَ ثانيةً حدَّ العطش المتراكم في اللغة، وتكرّز الضحك في شبقٍ ساحر، واستلّ مرتزقة الشعر، الّذين رفعوا رايات الحداثة سيوف بلاغتهم الصدئة وبيّتوا نواياهم على اغتيال اللغة الشعرية فلملمت ثيابها وجمعت حقائبها، وولّت هاربة.
وليس من اللياقة، ومكارم الأخلاق في شيء أن نرمي لُغتنا من النافذة بحجّةِ انتهاءِ عقد الإيجار ومن قبل ذلك مزّقوا جِلد قداستها، ونزعوا حياء بلاغتها فصار برد الغياب يُرجفها اغترابا، وبدا الشعر أطلالًا بينَ مِشبك جفنيها.
أنا مع الحداثة الّتي لا تشي بسرّها؛ فيناهز شغفي عطرها، وتضيف معنىً لوجودي، وتمنحني أرضًا أقف عليها، لا تلك الحداثة التي تسلبني أرضي، ولا تناولني أسباب العودة، وتقطع رحمي من شجرة العائلة الّتي انتمي إليها، ولا الحداثة الّتي بغت أيامها فهربت أسماءها في ضبابّ مسّن. ومن المؤسف أن أقول: إنَّ الكل يكتب؛ لكن ليس الكل يقرأ، وهذه حقيقة مؤلمة وتشي بالجهل المُركب لدى أدعياء الثقافة الزائفون وسدنة الأدب المزيّفون.
ألّا يأتي الشعر بصورِهِ السيميائية المَهُولة، ورؤاه الفلسفية وانزياحاته المجنونة، وبصيغٍ تعتمد الموسوعات الثقافية لدى المتلّقي، والتي تعوّل على بعدهِ الجمالي في تحليل المركبات الدلالية.
إنّ الشعر- من وجهة نظري- غواية معرفية وشَرَكٌ مُفخخٌ بالأسئلة، يستدرج القارئ إلى محطاته التأملية العميقة، ويستولد حالة من التساؤل الوجودي تُربك الذات، وتكشف عن هشاشتها أمام أسئلة لا تجد إجابًة، وتظل تلاحقها كظلٍ مُريب. بينما القراءة إصغاءٌ للذات عبر تمثّلات النص في تجاربها؛ فحين تهجر القراءة تجافيك ذاتك؛ لأنَّ فعل القراءة حوار داخلي، والنصّ مرآة تعكس أفكار القارئ وتجاربه، والقراءة رحلة تأملية استكشافية عميقة، بل عملية تفاعل ذاتي تُسهم في تكوين فهم أعمق للذات، ومن ثَمَّ الشعر سَفَرٌ بين موتين، ورقصٌ بين هاويتين، حُلمٌ مُعلّقٌ بين الثُريّا والثرى، وقانونٌ يكتبُ نفسه بنفسه خارج كل الشرائع ويستدرجنا إلى حشدهِ بِدُربةٍ عالية.
فأين من هذه الرؤية الذين باعوا الشمس واستبدلوها بـ"مصباحٍ كهربائيّ" من خمسين شمعة؟ ثُمّ قطعوا حبلهم السُرّيّ، وقفزوا فوق رقبة الزمن بشكلٍ بهلوانيّ!. وكيف يتحقق هذا الثالوث الشعري بين الرؤية المعرفية واللمسة الشعرية والوعي النقديّ؟، مع من يصفّون القصيدة بلاطًا رومانيًا وِفْقَ القياسات المطلوبة بدلًا من أن يَدْعُوا روحها إلى حلبة الرقص.
والقصيدة- في اعتقادي الذي لا يهتزّ ويقيني الذي لا تخور قواه- جدليةُ البوح مع الصمت، وتراقص الأضداد على نغمات إيقاعٍ يجعل للشعر طعمًا ربّما. ومن هذا المنطلق الرؤيويّ فإن الشعر المغمور بإيقاع داخلي يوحي لنا بأن المتكلّم ليس مجرد شاعر، بل كيان تعبيري ينبض بذاكرة موسيقية تُملي على الكلمات تموجّاتها، وتجعل من اللغة امتدادًا للصوت الداخلي بحسٍّ شعري يتعدّى الذات إلى الكونيّة، ويكشف عن فهمٍ للجمال بوصفه مراوغة بين القوّة والنعومة.
وفي نهاية المطاف.. فإنَّ اللامنتمي لا ظل له ولا كلام، ومهدور القصد في المرايا، وما أكثر ما يجتاحُ الغراب حنجرة المسافات، أمّا الكرسي المنفرد في زمنٍ مُهمَل سيتلو فراغه، وهو شاعرٌ مطعونٌ بالانتباه إليه، أمّا في إمساك الوجود؛ فالسرد يُمسك بتسلسل الأحداث وتحولاتها الواقعية بينما الشعر يُمسك بالعمق الوجداني للزمن وتجربته؛ فالشاعر حين يكتب لا يَوثِّق، بل يعيد تشكيل ذاكرة الناس. والقصائد الجميلة لا يمكن تحويلها لأوقاف أميريّة لأنَّ سلطتها شعبية.
** شاعرة سورية
