السؤال.. رحلة الفضول المعرفي

 

 

 

 

د. سليمان بن خليفة المعمري

يُعد السؤال أهم أدوات الاستقصاء والبحث العلمي وأحد أهم المؤشرات التي تُؤكد على نهم الإنسان وفضوله المعرفي، فإذا كانت "الحاجة أم الاختراع" فإنّ" السؤال أبوه"، ولطالما كان تساؤل الإنسان المستمر وبحثه الدائم وراء الظواهر والمشكلات التي تواجهه في الحياة سببا في تقدمه وتطوره وكشفه للكثير من الغموض الذي يعتري مسائل الحياة المختلفة وأساسا مهما للوصول إلى الحقيقة الغائبة عن الأذهان، بل إنّ المختصين يرون أنّ طرح السؤال الجيد أكثر أهمية ودلالة على نباهة وذكاء الشخص من الإجابة الجيدة.

وقد ذكر الفيزيائي الأمريكي أيزدور رابي الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1944، أنّ سؤال أمه الدائم له بعد عودته من المدرسة بقولها: "هل سألت اليوم سؤالا جيدا؟"، كان سببا في أن يصبح عالما كبيرا، وأن يحصل على هذه الجائزة المرموقة، إذ تعوّد منذ طفولته على التساؤل والتفكير النقدي والفضول المعرفي.

وأكّد القرآن الكريم على أهمية السؤال كأحد أهم سبل التعلم والمعرفة فقال عز وجل "فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" (النحل: 43)، وقد قال رجل لابن عباس رضي الله عنهما: بم أصبت هذا العلم؟ قال: بلسان سؤول، وقلب عقول، وقد عدّ العلماء السؤال المفتاح الأساس والركيزة الأهم لتحصيل العلم، وفي ذلك يقول الزهري" إنما هذا العلم خزائن، ومفتاحها المسألة"، ولله در الشاعر حين قال:

وَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ جَهْلٍ وَمِنْ ... كَسَلٍ، وَاسْأَلْ إِذَا العِلْمُ أَشْكَلْ

لذا كان طرح وتوجيه السؤال مهارة يحتاج الشخص أن يكتسبها سواء لتحصيل العلم والمعرفة أم لأجل بناء علاقات اجتماعية إيجابية مع الآخرين، وقد وضع المختصون قواعد وأسس يجب مُراعاتها لجعل السؤال جيدا وبالتالي يحصل منه على هدفه ومبتغاه ويشبع فضوله المعرفي، كأن يكون للسؤال هدفا واضحا، وأن يتسم بالبساطة والوضوح، وأن يستثير لدى المتلقي إجابات غير غامضة، وأن يتم تجنب الأسئلة المزدوجة أو التي تحمل دلالات الاتهام أو التهكم أو السخرية، وفي المجال العلمي؛ فإنه من المهم أن يُحقق السؤال أحد أهداف العلم المعروفة المتمثلة في الوصف الدقيق للظاهرة التي يدرسها، والتفسير الجيِّد للأسباب والعوامل التي أسهمت في حدوث تلك الظاهرة، والتنبؤ الدقيق بإمكانية حدوث الظاهرة، ومن ثم التحكم والسيطرة على العوامل والمسببات اللازمة لحدوث تلك الظاهرة  الطبيعية أو الاجتماعية أو العلمية محل الدراسة.

على أنه ورغم وجود مثل هذه القواعد المنظمة لآليات وقواعد السؤال الجيد، إلا أنه ينبغي على الإنسان أن يرحب بالسؤال وألا يضيق ذرعا بسؤال الطالب والمتعلم، وأن يشجع الطرق المختلفة للتفكير بعيدا عن النمطية في طرق التعلم وأساليب البحث والاستقصاء، فإنَّ من شأن ذلك أن يحد من انطلاقة التعلم والإبداع والابتكار ويحتكر على الآخر أن يفكر أو يتساءل بطريقة مختلفة، ومن طريف ما ذكر في هذا الجانب أنه في القرن الخامس عشر ثار خلاف حاد بين مجموعة من الرهبان حول "عدد الأسنان في فم الحصان"، وقد تم عقد مؤتمر لذلك وظل النقاش والتداول في هذه المسألة لأكثر من ثلاثة عشر يوما دون التوصل إلى شيء، وفي اليوم الرابع عشر طلب أحد الرهبان الشباب من رؤسائه أن يسمحوا له بأن يقول رأيه في هذه المسألة، فطلب منهم الراهب الشاب شيئاً لم يسبق لهم أن سمعوا به أو ألفوه، إذ قال لهم: لماذا لا تفتحوا فم الحصان وتحصلوا على الإجابة عن هذه المسألة؟

وهنا شعر المجتمعون بإهانة بالغة وهاجوا وماجوا وأمطروا الشاب بوابل من اللكمات والشتائم، وطردوه من قاعة المؤتمر، وقالوا: لا بد أنّ الشيطان قد أغوى هذا الشاب الجريء ليقول بهذه الطريقة غير المقدسة التي لم يسمع بها من قبل للحصول على الحقيقة على نقيض ما تعلموه من آبائهم عبر البحث في أمهات الكتب والمراجع القديمة ومقولات القدماء.

وقد انفض المؤتمرون بعد أربعة عشر يوماً ليعلنوا بصوت رجل واحد: أنّ المشكلة غامضة غموضا أبديا، بسبب عدم كفاية الأدلة التاريخية والدينية.

وخلاصة القول.. لقد كان ولا يزال السؤال ركيزة أساسية للوصول إلى ما يتوق له الإنسان من علوم ومعارف وإبداع وابتكار، وأنه حتى يصل الإنسان إلى غايات العلم وأهدافه فإنِّه لا بد أن تكون أبواب التساؤل مشرعة فلا وجود لطريقة مُقدسة وأخرى غير مقدسة في طرق ومهارات التفكير والبحث والمعرفة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z