أهمية مؤتمر الزكاة.. من الحوكمة إلى الاستدامة

 

 

 

 

أحمد بن عبدالعزيز العوضي

حين تمتد يد العطاء إلى الإنسان، فإنها لا تمنحه مالًا فحسب، بل تمنحه أملًا، وتصون كرامته، وتفتح أمامه أبوابًا جديدة للحياة. ومن هنا تأتي الزكاة باعتبارها منظومةً راسخة من التكافل والرحمة والتمكين، قادرةً على صناعة أثر يتجاوز لحظة العطاء إلى آفاق أرحب من الاستقرار والإنتاج.

ومن هذا المنطلق، تأتي أهمية مؤتمر الزكاة، الذي يستشرف مستقبل العمل الزكوي، ويجمع الفكر بالخبرة، والتجربة بالممارسة، نحو منظومة أكثر كفاءة وحوكمة واستدامة، تعظّم موارد الزكاة وتوسّع دائرة نفعها.

لم تعد قيمة العمل الزكوي تُقاس بما يُجمع ويُوزع فحسب، وإنما بما يتركه من أثر في حياة المستفيدين. فالسؤال الأهم ليس: كم أنفقنا؟ بل ماذا غيّرنا؟

وحين تتجه موارد الزكاة إلى التأهيل والتمكين وتنمية مصادر الدخل، فإنها لا تعالج حاجةً عابرة فحسب، بل تفتح للإنسان طريقًا نحو الاعتماد على الذات والإنتاج، وتحول العطاء من مساعدة مؤقتة إلى فرصة مستدامة.

وتتجلى هذه الرؤية في التوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- بمنح لجان الزكاة أراضيَ لاستثمارها وتنمية مواردها، بما يعزز قدرتها على الاستمرار، ويفتح أمامها آفاقًا أوسع لخدمة المستحقين وتوسيع دائرة النفع.

ويمثل هذا التوجه رؤيةً بعيدة المدى للعمل الزكوي؛ فالأرض ليست مجرد أصلٍ يُمنح، وإنما فرصةٌ لبناء موردٍ مستدام يعزز موارد لجان الزكاة، ويمنحها قدرة أكبر على الوفاء برسالتها الاجتماعية والإنسانية.

وكشف معالي وزير الأوقاف والشؤون الدينية عن مؤشرات الأداء لعام 2025، وأبرزها ارتفاع إيرادات الزكاة إلى 15.75 مليون ريال عُماني، مدفوعةً بالثقة المجتمعية في القطاع الزكوي.

وبيّن معالي الوزير أن الوزارة تسعى خلال عام 2026 إلى تعزيز هذا الأداء عبر استكمال منظومة الحوكمة في قطاع الزكاة، وتحويل لجان الزكاة إلى مؤسسات زكوية متخصصة، بما يعزز كفاءة العمل الزكوي، ويرتقي بمستوى الإدارة، ويدعم قدرته على تحقيق أثر أكثر استدامة.

فالزكاة اليوم بحاجة إلى منظومة مؤسسية راسخة، تضمن حسن إدارة الموارد، ووضوح الإجراءات، وشفافية المصارف، وقياس الأثر.

إن تطوير العمل الزكوي مسؤوليةٌ تشاركية، تتكامل فيها جهود اللجان والمزكين والمؤسسات والخبراء، لتتحول الموارد من مبادرات متفرقة إلى منظومة أكثر تنظيمًا وكفاءة وأثرًا.

فحين تجتمع الحوكمة مع الكفاءة، والتقنية مع الخبرة، والعطاء مع التمكين، تصبح الزكاة أكثر من مالٍ ينتقل من يدٍ إلى يد؛ تصبح حياةً تُبنى، وأسرةً تستقر، وإنسانًا يستعيد قدرته على صناعة مستقبله.

وهنا تكمن رسالة مؤتمر الزكاة: أن ننتقل بالعطاء من أثرٍ لحظي إلى أثرٍ مستدام، ومن معالجة الحاجة إلى صناعة التمكين، ومن فريضةٍ تؤدى إلى منظومةٍ تصنع الخير وتبقي أثره.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z