من لا يعرف طلال خلفان؟

محمد بن سلطان الساعدي

طلال خلفان الفارسي من الشخصيات التي من الصعب أن أنساها، ليس بسبب ما قدمه في الملاعب، ولا بسبب تجربته الرياضية التي يعرفها كثيرون، وإنما بسبب الإنسان الذي عرفته عن قرب، وعرفت منه معنى الأخلاق والوفاء والوقوف مع الآخرين في أوقاتهم الصعبة. ولمن لا يعرفون طلال بن خلفان الفارسي، فهو أول محترف عماني ومن أوائل العمانيين الذين خاضوا تجربة الاحتراف خارج السلطنة، وكانت تجربته في ليبيا، في وقت لم يكن فيه الاحتراف بالنسبة للاعب العماني أمرًا معتادًا كما هو اليوم، وربما لم ينل طلال في ذلك الوقت ما يستحقه من اهتمام إعلامي، ولم تأخذ تجربته المساحة التي تستحقها، رغم أنها كانت تجربة مهمة في تاريخ الرياضة العمانية. لكنني لست هنا بصدد الحديث عن طلال اللاعب، ولا عن مستواه، ولا عن تفاصيل تجربته الرياضية، وإنما أتحدث عن طلال الإنسان، عن الشخصية التي عرفتها وعاشرت مواقفها، وعن أخلاق بقيت في ذاكرتي سنوات طويلة.

وأذكر من تجربته في ليبيا حادثة خطيرة كادت أن تؤدي بحياته، فقد حدث موقف في إحدى المباريات وكاد أحد المشجعين أن يضربه بآلة حادة من الخلف على رأسه، ولولا تدخل أحد زملائه في اللحظة الحرجة لربما كانت النتيجة مختلفة تمامًا. ذلك الموقف ترك أثرًا في نفس طلال خلفان، وجعله يدرك أن الاستمرار في اللعب في ذلك المكان قد يعرض حياته للخطر، ولذلك جاء قرار الانسحاب ومغادرة النادي. وهذه الحادثة بالنسبة لي ليست للحديث عن الرياضة بقدر ما هي جزء من قصة إنسان عاش تجربة صعبة، وأدرك أن هناك أمورًا في الحياة لا تستحق أن يخاطر الإنسان بحياته من أجلها.

لكن طلال الذي أعرفه لا أختصره في هذه التجربة، ولا أختصره في كرة القدم، لأنني عرفت طلال في الحياة اليومية، جلست معه في الدوام، وجلست معه في بيتهم، وتحدثنا في أمور كثيرة، وعرفت منه صفات لا يمكن أن يعرفها الإنسان من خلال الأخبار أو الصور أو ما يكتب في وسائل التواصل الاجتماعي. ومن أكثر المواقف التي بقيت في ذاكرتي وقوفه معي في فترة مرض ابنتي، فقد كان طلال حاضرًا بدعم معنوي كامل، وكان موقفه بالنسبة لي أكبر من مجرد سؤال أو اتصال عابر، لأن الإنسان في الأوقات الصعبة لا يبحث عن كثرة الكلام، وإنما يبحث عن من يقف إلى جانبه بصدق، وطلال كان من أولئك الذين شعرت بوقفتهم معي، ولذلك لا يمكن أن أنسى له ذلك الموقف مهما مرت السنوات.

وأنا أكتب عن طلال اليوم لأنني أؤمن أن الإنسان يجب أن يُعرف من خلال مواقفه، لا من خلال ما يقال عنه في وسائل التواصل الاجتماعي. فقد أصبحت بعض الحسابات تثير الفتنة، وتطلق الأحكام على الناس، وتقدم صورة عن شخصيات لا يعرف أصحاب تلك الحسابات عنها شيئًا، وربما يتحول الأمر إلى ظلم وافتراء، لأن من يكتب لا يعرف الإنسان الذي يتحدث عنه، ولا يعرف ظروفه، ولا يعرف مواقفه، ولا يعرف ما يحمله داخله. ومن هنا أقول إن وسائل التواصل الاجتماعي، رغم أهميتها، أصبحت في بعض الأحيان سببًا في ظلم الإنسان، لأن كلمة واحدة قد تنتشر في دقائق، بينما يحتاج تصحيحها إلى وقت طويل، وقد يصدقها من لا يعرف الحقيقة أصلًا.

وطلال خلفان من الشخصيات التي أقول عنها إن من يعرفها عن قرب يعرف إنسانًا مختلفًا. طلال يحمل في داخله قلب طفل، ودمعته حاضرة، لأنه إنسان حساس ونقي من الداخل، وهذه ليست عبارة مجاملة أكتبها اليوم، وإنما هي نتيجة سنوات من المعرفة والمواقف. هناك أشخاص تستطيع أن تعرف حقيقتهم من موقف واحد، وهناك أشخاص تحتاج إلى سنوات حتى تعرف معدنهم، وطلال بالنسبة لي من الأشخاص الذين كشفت الأيام معدنهم الحقيقي.

ومن أكثر الأمور التي لفتت نظري فيه وفاؤه لأهله. خلال سنوات كثيرة كنت أتابع ما يكتبه في الواتس أب، وكان يذكر أخاه وأخته اللذين فقدهما في وقت مبكر ورحلا وهما في سن الشباب، رحمهما الله، وبعد ذلك فقد والدته ووالده، رحمهما الله جميعًا. ومع مرور السنوات ظل طلال مخلصًا في ذكرهم والدعاء لهم، وظل حضورهم في ذاكرته واضحًا. قد يقول البعض إن كثيرين يحبون أهلهم ويذكرونهم، وهذا صحيح، فمحبة الأهل أمر طبيعي، لكنني أتحدث هنا عن شيء آخر، أتحدث عن الوفاء الذي لا يتغير مع مرور الوقت، وعن الإنسان الذي لا ينسى من أحبهم حتى بعد سنوات طويلة من رحيلهم.

كثيرون يحبون أهلهم، وكثيرون يحزنون على من يفقدونهم، لكن مع مرور السنوات تأخذ الحياة الناس، وتأتي مسؤولياتها ومشاغلها، وقد تخف التفاصيل في الذاكرة، بينما وجدت طلال مختلفًا في هذه الناحية، فما زال يذكر من رحلوا عنه ويدعو لهم، وكأن المسافة الزمنية لم تستطع أن تبعدهم عن قلبه. وهذا أمر جعلني أقدره أكثر، لأن الوفاء ليس في لحظة الحزن فقط، وإنما في أن يبقى الإنسان وفيًا لمن أحبهم حتى بعد مرور السنوات.

وأنا شخصيًا لم أر في حياتي وفاء مثل وفاء هذا الإنسان. قد تكون هذه شهادتي الشخصية، وقد يعرفه آخرون من زوايا مختلفة، لكنني أكتب عن الذي عرفته أنا، وعن المواقف التي عشتها معه، وعن الإنسان الذي كان حاضرًا معي عندما كنت في ظرف صعب، وعن الشخص الذي رأيت منه وفاءً لأهله بصورة لا يمكن أن تخطئها العين. ولهذا عندما أقول إن طلال خلفان من الشخصيات التي من الصعب أن أنساها، فأنا لا أقولها بسبب شهرته أو بسبب تجربته الرياضية، وإنما بسبب أثره الإنساني في حياتي.

وأحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى عشرات المواقف حتى يعرف قيمة شخص، فقد يكفي موقف واحد في وقت صعب ليكشف لك من يقف معك ومن يبتعد عنك. وطلال كان حاضرًا في وقت احتجت فيه إلى الكلمة الطيبة والموقف الصادق، ولذلك بقي ذلك الموقف في ذاكرتي. الإنسان قد ينسى هدية، وقد ينسى كلامًا كثيرًا قيل له، لكنه لا ينسى من وقف معه عندما كان يحتاج إلى الوقوف.

ولذلك أجد أن الكتابة عن طلال اليوم ليست مجرد كتابة عن شخصية رياضية عمانية خاضت تجربة الاحتراف في ليبيا، وإنما هي كتابة عن قيمة أصبحت نحتاج إلى الحديث عنها كثيرًا، وهي قيمة الأخلاق والوفاء. ففي زمن أصبحت فيه الأحكام سريعة، والحديث عن الآخرين أسهل من معرفتهم، نحتاج إلى أن نتذكر أن خلف كل اسم إنسانًا له قلب ومشاعر وأهل وذكريات وتجارب، وأنه من الظلم أن نحكم على شخص من خلال ما نراه في حساب أو منشور أو مقطع قصير.

طلال خلفان بالنسبة لي إنسان قبل أن يكون لاعبًا، وهذه هي الصورة التي بقيت في ذاكرتي عنه. ربما يعرفه الناس من خلال الملاعب، وربما يتذكرون تجربته الاحترافية في ليبيا، وربما يعرفه آخرون من خلال مواقف مختلفة، لكنني أعرفه من الجانب الذي عاشرته فيه، من جلساتنا في الدوام، ومن وجودي في بيتهم، ومن حديثنا، ومن موقفه معي، ومن وفائه لأهله، ومن تلك الدمعه الحاضرة التي تكشف أن وراء هذا الإنسان قلبًا حساسًا لم تغيره السنوات.

وأعتقد أن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان بعد سنوات من حياته ليس فقط إنجازًا مهنيًا أو لقبًا أو شهرة، وإنما أن يقول عنه من عرفه: كان إنسانًا طيبًا، وكان وفيًا، وكان يقف مع الناس. هذه الكلمات قد تبدو بسيطة، لكنها عندي أكبر من كثير من الألقاب، لأن الإنسان في النهاية يبقى بما تركه في قلوب الآخرين.

ولهذا أقول لطلال خلفان الفارسي إنني لم أنسَ وقفتك معي في مرض ابنتي، ولم أنسَ دعمك المعنوي، ولم أنسَ السنوات التي عرفت فيها أخلاقك عن قرب، ولم أنسَ وفاءك لأهلك الذين رحلوا عن الدنيا، ولم أنسَ الطريقة التي ظللت بها تذكرهم وتدعو لهم. رحم الله أخاك وأختك، ورحم الله والدك ووالدتك، وجعل دعاءك وذكرك لهم في ميزان حسناتك.

قد لا يعرف الإنسان مقدار أثره في الآخرين، وقد تمر السنوات دون أن يسمع كلمة تقدير ممن وقف معهم، ولذلك أرى أن من الوفاء أن نقول للإنسان الطيب إنه ترك أثرًا طيبًا، وأن نقول لمن وقف معنا إننا لم ننسَ وقفته. وأنا اليوم أكتب عن طلال لأنني لا أريد أن تكون الكلمات الطيبة مؤجلة، ولا أريد أن ننتظر حتى يرحل الإنسان حتى نتحدث عن أخلاقه ومواقفه.

لقد رأيت ناسًا كثيرين في حياتي، وعرفت شخصيات مختلفة، والتقيت بأشخاص من مجالات متعددة، لكنني لم أرَ وفاءً مثل وفاء طلال خلفان. وهذه ليست محاولة لصناعة صورة مثالية عنه، ولا هي مبالغة في مدح شخص أعرفه، وإنما هي شهادة إنسان لإنسان، شهادة من عاشر وعرف وشاهد مواقف بقيت في الذاكرة.

ولعل أجمل ما في طلال أنه لا يحتاج إلى كثير من الكلام حتى تعرفه، فالأيام تكشف الإنسان، والمواقف تكشف الإنسان، وطريقة تعامله مع أهله تكشف الإنسان، وطريقة وقوفه مع أصدقائه تكشف الإنسان. وكلما مرت السنوات وتذكرت طلال، وجدت أن أكثر ما بقي في ذاكرتي ليس طلال اللاعب، وإنما طلال الإنسان.

وفي زمن يمكن أن تظلم فيه وسائل التواصل الاجتماعي إنسانًا بكلمة، وتمنح آخر صورة لا تشبه حقيقته، يبقى من الواجب علينا أن نكون أكثر إنصافًا، وأن نتذكر أن الإنسان أكبر من منشور، وأكبر من تعليق، وأكبر من حكم سريع. ومن لا يعرف الشخص من قرب لا يستطيع أن يعرف كل ما في داخله، ولا يستطيع أن يعرف مواقفه التي عاشها بعيدًا عن أعين الناس.

وطلال خلفان الفارسي من أولئك الذين أقول عنهم بكل صدق: عرفته، وعرفت أخلاقه، وعرفت وفاءه، ولذلك بقي في ذاكرتي. وربما تكون هذه الكلمات قليلة أمام سنوات من المعرفة والمواقف، لكنها أقل ما يمكن أن أقدمه لإنسان وقف معي في وقت احتجت فيه إلى الوقوف، وإنسان ظل وفيًا لأهله حتى بعد رحيلهم، وإنسان رأيت فيه قلبًا نقيًا ودمعة قريبة ووفاءً لا تغيره الأيام.

طلال خلفان.. الإنسان والأخلاق، هذا هو طلال الذي أعرفه، وهذا هو طلال الذي سيبقى في ذاكرتي، بعيدًا عن الملاعب والضجيج والجدل، قريبًا من الإنسان الذي عرفته وعاشرته، ومن الوفاء الذي رأيته بعيني ولم أحتج فيه إلى شهادة أحد.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z