مدرين المكتومية
كثيرًا ما يكون الفن هو الملاذ الذي نلجأ إليه عندما تشتد علينا هموم الدنيا، وبعد أن تضغط علينا تفاصيل الحياة اليومية، فما أجمل أن أستمع إلى غناء فيروز بينما أقود سيارتي عائدة إلى المنزل بعد يوم عمل ضاغط، وما أعذب أن أنصت إلى آهات كاظم الساهر بينما أتامل النجوم في ليلة قمرية ساحرة، ينعكس فيها ضوء القمر على صفحة ماء البحر المنساب نحو الشاطئ، وليس هناك أروع من حضور حفلة أوبرالية في نهاية أسبوع مزدحم، لأستمعُ وأرى وأشعر بجمال هذا الفن الأوبرالي الكلاسيكي الأصيل، خاصة إذا كانت الحفلة في دار الأوبرا السلطانية مسقط، قلب الفن النابض في عُمان.
هنا لا يكون الفن مجرد وسيلة للترفيه أو التسلية أو قضاء الوقت، وإنما غذاء للروح، ومصدر للطاقة النفسية الإيجابية، فكل نغمة تطرب لها آذاننا تسري في دواخلنا مثل الإكسير الذي يُخفف الألم ويُعالج الالتهاب ويشفي العِلل. وعندما نندمج شعوريًا مع هذا الفن، سواء كان أغنية أو عملًا أوبراليًا أو حتى فيلمًا في قاعات السينما أو مسرحية على خشبة أبي الفنون، فإنَّ أرواحنا تتعافى من الضغوط، وأجسامنا تبرأ من الآلام، وعقولنا تنعم بالراحة والطمأنينة.
والفن منظومة متكاملة لا تنتهي حدودها عند الأغنية أو العمل الأوبرالي أو غيرهما، وإنما تمتد لتشمل فريق العمل والموسيقيين والجهة المُشرفة والمُنظمة للحفل أو المُنتجة للأغنية.
أقول ذلك، ودار الأوبرا السلطانية تحتفل هذا العام بمرور 15 عامًا على تأسيسها؛ حيث قررت تقديم إنتاج خاص لأوبرا "ريغوليتو" للمؤلف الموسيقي المُدهش جوزيبي فيردي، ويوما الخميس والسبت، سيكون زوار دار الأوبرا على موعد مع هذا العمل الرائع والفريد، ليستمتعوا بواحدة من أجمل العروض الأوبرالية على مر تاريخ هذا الفن.
ولقد تشرفت في عام 2011، بحضور الافتتاح الرسمي للأوبرا، عندما عُرضت أوبرا "توراندوت" لتُعلن- آنذاك- عن ميلاد أول دار أوبرا في الخليج، لتكون منارة تُرسل أشعة الثقافة والفنون من مسقط إلى أنحاء الخليج والعالم العربي؛ بل والعالم أجمع. وعلى مدى هذه السنوات الخمسة عشرة، حظيت بفرص لا مثيل لها لحضور العديد من العروض الأوبرالية والحفلات الغنائية والسهرات الفنية، وكذلك المحاضرات التعليمية التي تقدمها الأوبرا السلطانية بصفة دورية.
نجحت دار الأوبرا السلطانية في ترسيخ مكانة مسقط كعاصمة للفنون، وخاصة الفنون الكلاسيكية الراقية؛ حيث قدمت كبرى الفرق الأوبرالية والفلهارمونية عروضها على خشبة الأوبرا السلطانية، التي أضافت مجدًا فوق المجد الذي حققته تلك الفرق في أنحاء العالم. كما مثّلت الأوبرا السلطانية فرصة للكثير من النجوم العُمانيين والعرب، ليطلقوا إبداعاتهم، ويستمتع بها جمهور الأوبرا من مختلف الجنسيات.
ومثّل نجوم الأغنية العُمانية والعربية أحد أبرز الشواهد على نجاح دار الأوبرا السلطانية في أن تكون جسرًا للفن الراقي، فمن كاظم الساهر إلى ماجدة الرومي، ومن أنغام إلى أصالة، ومن لطفي بوشناق إلى علي الحجار، ومن شيرين إلى ريهام عبدالحكيم، تألق هؤلاء النجوم فوق خشبة الأوبرا السلطانية، واندمج معهم الجمهور وتفاعل في أمسيات لا تُنسى، ظلت محفورة في الذاكرة، وستظل، لأن الفن الراقي يفرض نفسه، ويؤكد تفوقه في كل وقت وحين.
وبينما تمضي دار الأوبرا السلطانية في مسيرتها حاملة مشاعل الإبداع والريادة الفنية، نتطلع دائمًا إلى الأفضل، وإلى استقطاب المزيد من النجوم والفرق العربية والعالمية. وفي هذا السياق، أقترح على القائمين على أمر الدار، عدم الاكتفاء باحتضان واستضافة الحفلات، وأن تُنشئ دار الأوبرا السلطانية أكاديمية فنون متخصصة، تستقبل المُبدعين وأصحاب المواهب، بهدف اكتشاف النجوم وتأهيلهم، ومثل هذه الخطوة سوف ترسخ مكانة عُمان كقوة ثقافية فاعلة، خاصة وأن الثقافة تمثل أحد أبرز مظاهر القوة الناعمة لأي دولة. كما أقترح إطلاق مهرجان أوبرالي سنوي، خارج الموسم، ليكون بمثابة محفل عالمي يجمع كبرى الفرق والمتخصصين في الفنون الأوبرالية، على أن يتضمن مسابقة رسمية لأفضل عرض أوبرالي، وجوائز لأفضل سوبرانو وأفضل تينور، وأفضل إخراج أوبرالي، وأفضل أزياء، وأفضل موسيقى أوبرالية.
هكذا تتعزز مكانة دار الأوبرا السلطانية كمركزٍ للفنون والثقافة والمعرفة، وبوتقة تمتزج فيها مختلف الفنون لتخرج لنا بإبداعات تُلبي تطلعات الجمهور.
الفن حياة، هكذا يجب أن نرى الفن، هكذا يجب أن نعيش الفن، فبدون فن تصبح حياتنا بلا معنى وبلا هدف وبلا طعم. انشروا الفنون قدر المستطاع، فإنها تُهذِّب النفس وترتقي بالذائقة. ادعموا الفنانين، لأنهم أكثر النَّاس قدرة على التعبير عن المشاعر والأفكار. ساهموا في الترويج لمكانة عُمان الفنية، لأنَّ الفن العُماني جزء أصيل من القوة الناعمة لهذا الوطن الذي يستحق منَّا جميعًا أن نعمل من أجله وأن نُسهم في الارتقاء به، بكل السُبل المتاحة، والفن على رأسها.
