هويتنا.. عُمانية

 

 

 

 

إدريس السعيدي

idris.alsaidi@kg.om

عُرِفَ المُجتمع العُماني عبر تاريخه بتنوعه في المذاهب والانتماءات الاجتماعية والثقافية وقبوله للآخر، وحرصه على وحدته وتماسكه، وعلى الرغم من هذا التنوع، فإنَّ الهوية الوطنية التي تجمع أبناء عُمان، أساسها الانتماء إلى الوطن والمواطنة والعيش المشترك؛ فالعُماني قد ينتمي إلى مذهب أو قبيلة أو منطقة، لكن هذه الانتماءات لا تكون سببًا لتصنيفه أو المفاضلة بينه وبين غيره، لأنَّ ما يجمع أبناء الوطن أكبر من ذلك بكثير.

والتعايش في عُمان ليس مجرد خطاب يُقال، بل هو واقع نراه في الحياة اليومية؛ فأبناء المذاهب الإسلامية المختلفة يعيشون ويدرسون ويعملون جنبًا إلى جنب، ويؤدون صلواتهم في المساجد نفسها، كما أن الروابط الاجتماعية والأسرية بينهم تعكس قدرة المجتمع على المحافظة على تنوعه دون أن يحوله إلى حاجز يفصل بين أبنائه.

وقد رسَّخت الدولة هذا المبدأ بصورة واضحة في النظام الأساسي للدولة، الذي يؤكد أن المواطنين جميعهم سواسية أمام القانون، ومتساوون في الحقوق والواجبات العامة، ولا تمييز بينهم بسبب الجنس أو الأصل أو اللون أو اللغة أو الدين أو المذهب أو الموطن أو المركز الاجتماعي. وهذا يجعل المساواة بين المواطنين قاعدة قانونية، إلى جانب كونها قيمة اجتماعية ينبغي المحافظة عليها.

ومن هنا، فإنَّ نبذ الطائفية والمذهبية لا يعني أن يتخلى الإنسان عن مذهبه أو قناعاته، ولا يعني تجاهل التنوع الموجود في المجتمع، وإنما يعني ألا يتحول هذا الاختلاف إلى وسيلة للفرقة أو التعصب أو التشكيك في الآخر. فمن الطبيعي أن تختلف الاجتهادات والمذاهب في بعض المسائل، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح المذهب أداة لتقسيم الناس، أو معيارًا للحكم على وطنيتهم وانتمائهم.

وقد أثبتت تجارب كثيرة حولنا أن الخطاب الطائفي عندما يتسلل إلى المجتمعات لا يتوقف دائمًا عند حدود النقاش الديني؛ بل قد يمتد إلى انقسامات اجتماعية وسياسية. ولذلك فإنَّ المحافظة على التماسك الداخلي مسؤولية لا تقل أهمية عن المحافظة على أي مكتسب وطني آخر.

وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت هذه المسؤولية أكبر؛ فالمحتوى الذي يصل إلينا لم يعد محليًا، والخلاف الذي يحدث في دولة أخرى قد ينتقل خلال ساعات إلى هواتفنا ومجالسنا ونقاشاتنا. وهنا يجب أن نُميِّز بين معرفة ما يحدث حولنا وبين استيراد صراعات الآخرين إلى مجتمعنا. فليس كل خلاف في المنطقة يجب أن نجد له امتدادًا بين العُمانيين، وليس من مصلحة عُمان أن تتحول الأحداث السياسية أو المذهبية خارج حدودها إلى سبب لتصنيف أبنائها في الداخل.

وهذا النهج يتفق مع ما تسعى سلطنة عُمان إلى ترسيخه من قيم المواطنة والهوية والتماسك الاجتماعي. كما أن رؤية "عُمان 2040" جعلت المواطنة والهوية والتراث والثقافة الوطنية ضمن أولوياتها، وربطت ذلك بمجتمع معتز بهويته ومواطنته، ومتمسك بقيم التفاهم والتعايش والسلام.

لكن المحافظة على هذه القيم لا تقع على الدولة وحدها، بل تبدأ من المجتمع نفسه؛ من الأسرة التي تربي أبناءها على احترام الآخر، والمدرسة التي تعزز المواطنة، والخطاب الديني الواعي، والإعلام المسؤول، والفرد الذي يدرك أثر الكلمة التي يكتبها أو ينشرها. كما تقع مسؤولية كبيرة على الشباب تحديدًا، باعتبارهم الأكثر حضورًا في الفضاء الرقمي والأكثر تعرضًا للخطابات والأفكار الوافدة من الخارج.

إنَّ قوة المجتمع العُماني ليست في أن يكون جميع أفراده متشابهين، وإنما في قدرته على استيعاب التنوع مع المحافظة على وحدته. فقد نختلف في بعض الاجتهادات ونتنوع في بعض الانتماءات، لكننا نتفق على الوطن واحترام بعضنا بعضًا، وعلى أن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة أو فرقة.

المذهب جزء من قناعة الإنسان الدينية، والقبيلة جزء من امتداده الاجتماعي، والمنطقة جزء من مكانه وذكرياته، لكن عُمان هي المساحة التي تجمع كل ذلك. وحين يتعلق الأمر بالوطن، فلا ينبغي أن نسأل من أي مذهب أنت أو من أي منطقة أتيت، بقدر ما يجب أن ندرك أن ما يجمعنا هو الانتماء إلى أرض واحدة، وتاريخ واحد، ومستقبل نصنعه معًا، ومن هنا فإن أبناء عُمان جميعًا، وفي كل رقعة ينادون بصوت واحد، وقلب واحد، ولسان واحد، وحضور واحد، بثقة تامة، وعزيمة راسخة، وإرادة لا تتزعزع، ورغبة صادقة لا يمكن الحد منها، وسور حصين لا يمكن اختراقه كلهم بصوت واحد: «هويتنا.. عُمانية».

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z