المؤشرات تتحسن.. والمواطن ينتظر الأثر!

 

 

 

 

سعيد بن محمد الرواحي

في عام 2020 واجهت سلطنة عُمان واحدة من أصعب مراحلها المالية؛ تمثلت في تداعيات جائحة كورونا، وانخفاض أسعار النفط، وضغوط مالية متراكمة، ودين حكومي اقترب من 70% من الناتج المحلي الإجمالي.

ومنذ ذلك الحين بدأت عملية إصلاح اقتصادي ومالي وإداري واسعة، في إطار رؤية عُمان 2040 والخطة المالية متوسطة المدى، شملت ضبط الإنفاق، وإعادة هيكلة عدد من المؤسسات والشركات الحكومية، وتنمية الإيرادات غير النفطية، وتحسين إدارة الدين العام، ورفع كفاءة الإنفاق، وإعادة ترتيب أولويات المالية العامة.

وكانت النتيجة، عند النظر إليها بلغة الأرقام، تقترب من وصفها بأنها معجزة مالية هادئة؛ فقد انخفض الدين الحكومي من نحو 68% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020 إلى قرابة 36% في عام 2025 وفق تقديرات وكالة فيتش، فيما قدّر صندوق النقد الدولي الدين الحكومي بنحو 34.7% من الناتج المحلي بنهاية 2025. وقد انعكس ذلك على نظرة المؤسسات المالية الدولية إلى الاقتصاد العُماني، وعادت السلطنة إلى الدرجة الاستثمارية لدى وكالات التصنيف الائتماني الكبرى.

كما أظهر الاقتصاد الحقيقي قدرة جيدة على الصمود؛ فقد سجل الناتج المحلي الحقيقي نموًا بنحو 2.4% في عام 2025 وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، مع توقع نموه بنحو 3.7% في عام 2026، بينما بقي التضخم عند مستويات منخفضة نسبيًا، بمتوسط يقارب 1% خلال عام 2025.

إلى ذلك، تبقى هذه أرقام مهمة، ولا يقلل أحد من قيمتها أو من حجم الجهد الذي بُذل للوصول إليها. لكن ألم يحن الوقت أن نتداول السؤال الأكثر طرحًا في المناقشات اليومية بين المواطنين والمهتمين؛ متى ننتقل من نجاح الاقتصاد في المؤشرات الدولية إلى أثر الاقتصاد في حياة الناس؟

فنجاح أي اقتصاد في نهاية المطاف لا بُد أن يقاس بقدرته على خلق الوظائف، ورفع الدخول الحقيقية، وتحريك الأسواق، وتوسيع قاعدة المنتجين، ومنح المواطن فرصة عادلة للعمل والاستثمار وتحسين مستوى معيشته.

وهنا تظهر فجوة تستحق الوقوف أمامها؛ فبحسب الكتاب الإحصائي السنوي 2026 الصادر عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، بلغ معدل الباحثين عن عمل 3.1% في عام 2025 مقابل 3.3% في العام السابق. غير أن الصورة تصبح أكثر دلالة عند النظر إلى المؤهلات؛ إذ يبلغ معدل الباحثين عن عمل بين حملة دبلوم التعليم العالي 8.3%، وبين حملة البكالوريوس 6% قضوا سنوات في الجامعات والكليات، ثم يجد بعضهم أن الطريق بين شهادة التخرج وأول وظيفة أطول مما كان يتوقع، ويستدعي صبرا قد يفوق طاقته!

قد يقول قائل، لماذا ينتظر هذا الشاب الوظيفة الحكومية؟ لماذا لا يبادر ويتجه إلى العمل الحر وينشئ مشروعه الخاص؟ ولكن هناك سؤال آخر يطرح نفسه: هل البيئة الاقتصادية الحالية تجعل من ريادة الأعمال بديلًا حقيقيًا ومستدامًا للوظيفة، أم أنها لا تزال مغامرة شاقة أمام صاحب المشروع الصغير؟

لقد أصبح تأسيس المؤسسة على الورق أسهل بكثير من السابق، وهذه حقيقة ينبغي الاعتراف بها. لكن نجاح المؤسسة بعد إنشائها قصة أخرى؛ فالتمويل والتراخيص والإيجارات والعقود والضمانات وتكاليف التشغيل والمنافسة وتأخر المستحقات في بعض القطاعات، كلها عوامل تحدد قدرة المشروع على البقاء.

وقبل ذلك كله هناك عامل أكثر أهمية؛ هل توجد في السوق قوة شرائية كافية لشراء ما يقدمه هذا المشروع؟ وهنا نصل إلى إحدى أهم حلقات الاقتصاد الداخلي ألا وهي القوة الشرائية للمواطن.

فحين تصبح الأسرة أكثر حذرًا في إنفاقها، ينتقل الأثر مباشرة إلى المتاجر والمطاعم والخدمات والمقاولين الصغار وأصحاب المهن والمشروعات الناشئة. لذلك فإن نجاح الاقتصاد الكلي لا يكتمل إلا عندما تبدأ دورة المال بالحركة بصورة أوسع داخل الاقتصاد المحلي. ويمكن ملاحظة المفارقة نفسها عند النظر إلى بعض مظاهر النشاط الاقتصادي الأخرى.

نعم، الجميع يسمع عن نمو الناتج المحلي، وارتفاع الاستثمارات، وتطور القطاعات غير النفطية، لكن المواطن ورجل الأعمال الصغير ينظران كذلك إلى حركة الأسواق، والمبيعات، ونشاط المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والطلب التجاري، وحيوية الأسواق في المدن والمحافظات. هذه هي المؤشرات اليومية التي تصنع في النهاية شعور الإنسان بحالة الاقتصاد.

وفي هذا الشأن قد تقدم الموانئ تقدم مثالًا بالغ الدلالة؛ فالموقع الجغرافي الاستثنائي لعُمان، ووجود موانئ رئيسية خارج مضيق هرمز، منح السلطنة ميزة استراتيجية مهمة، ازدادت قيمتها في ظل الظروف الإقليمية المعروفة. وقد أشار صندوق النقد الدولي في يونيو 2026 إلى مرونة الاقتصاد العُماني أمام الاضطرابات الإقليمية، مستفيدًا من بين عوامل أخرى، من موقع موانئه الرئيسية خارج عنق زجاجة مضيق هرمز. لكن هيل يقتصر السؤال على: كم حاوية ناولنا؟ وكم طنًا عبر موانئنا؟ وكم سفينة استقبلنا؟

أم ينبغي نطرح مع أنفسنا السؤال الاقتصادي الأهم: كم ريالًا بقي داخل الاقتصاد العُماني بسبب هذه المناولة؟ كم شركة عُمانية صغيرة نشأت حول الميناء؟ وكم مستودعًا ومصنعًا وورشة وشركة نقل وتموين وصيانة وتغليف وإعادة تصدير أُنشئت؟ وكم وظيفة نوعية حصل عليها المواطن؟ وكم من القيمة المضافة بقي يدور داخل المحافظات القريبة من صحار والدقم وصلالة؟

وإذا دخلت ملايين الأطنان من البضائع إلى الموانئ ثم غادرتها، بينما بقي النشاط التجاري خارج بوابة الميناء محدودًا، فإننا نكون قد نجحنا في بناء ممر لوجستي عالمي، لكننا لم نستثمر بعد كامل قيمته الاقتصادية المحلية.

وهذا، في تقديري هو جوهر التحدي المقبل.

لقد نجحت بلادنا خلال الأعوام الماضية في إصلاح ميزانية الدولة، والمرحلة التالية ينبغي أن تركز بصورة أكبر على ميزانية الأسرة العُمانية.

نجحت في خفض الدين العام، والمطلوب الآن رفع قدرة الاقتصاد على توليد الدخل.. نجحت في إقناع وكالات التصنيف الائتماني بمتانة مركزها المالي، والمأمول الآن أن يشعر صاحب المؤسسة الصغيرة بالثقة نفسها عندما يفتح متجره في الصباح. نجحت في بناء موانئ ومناطق اقتصادية وبنية أساسية بمستويات عالمية، والمطلوب الآن تعظيم ما يتولد حول هذه الأصول من شركات وفرص عمل وسلاسل توريد محلية.

وعندما أتكلم عن هذا الأمر، لا أعني بأي حال من الأحوال العودة إلى الإنفاق غير المنضبط، أو التضحية بالمكتسبات المالية التي تحققت بثمن كبير، أو تبني حلول شعبوية قصيرة الأجل. بل العكس؛ المطلوب هو المحافظة على الانضباط المالي، مع الانتقال تدريجيًا من مرحلة تثبيت الوضع المالي إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي والاجتماعي لهذا الاستقرار. من نجاح المؤشرات إلى انعكاس الأثر على المواطن العادي.

ولتحقيق ذلك، فإن أولى الخطوات من وجهة نظري هي تعظيم العائد المحلي للمشروعات الكبرى، وذلك من خلال قياس نسبة العقود والمشتريات والخدمات التي تحصل عليها المؤسسات العُمانية، وربط جانب من الحوافز والمزايا المقدمة للمشروعات الكبيرة بحجم القيمة الاقتصادية التي تضيفها داخل السلطنة.

ثم تأتي أهمية تحويل الموانئ والمناطق الحرة والاقتصادية إلى محركات للاقتصاد المحيط بها، من خلال تشجيع قيام أحزمة من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة حولها في مجالات النقل والتخزين والصيانة والتغليف والتموين والخدمات البحرية والصناعات التحويلية وإعادة التصدير.

وفي المقابل ينبغي مراجعة رحلة المستثمر الصغير بعد تأسيس المشروع، ولا نكتفي فقط بتسهيل الإجراءات التأسيسية؛ لأن التحدي الحقيقي يبدأ بعد إصدار السجل التجاري: التمويل، والرسوم، والتراخيص، والإيجارات، والحصول على العقود، والمنافسة، والتدفقات النقدية. وبالتالي فإن المعيار الحقيقي لقياس نشاط هذه المؤسسات الصغيرة والفرص الممنوحة لها يكمن في استمرارها بعد ثلاث أو خمس سنوات ونموها وتوسعها.

من جهة أخرى، فإن توسيع فرص المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في المشتريات الحكومية ومشتريات الشركات الحكومية والمشروعات الكبرى، مع ضمان سرعة سداد مستحقاتها؛ لأن تأخر دفعة بالنسبة إلى شركة كبيرة قد يكون أمرًا يمكن إدارته، لكنه قد يعني نهاية المشروع بالنسبة إلى مؤسسة صغيرة!

ثم يأتي دور ربط سياسات التشغيل بصورة أكبر بالفرص الاقتصادية الفعلية، بحيث يرتبط التدريب والتأهيل بالمشروعات التي ستدخل مرحلة التشغيل خلال السنوات المقبلة، ويعرف الطالب والباحث عن عمل مسبقًا أين ستكون الوظائف وما المهارات التي ستحتاج إليها.

إضافة إلى ما تقدم، فإن الاهتمام بتنشيط القوة الشرائية بصورة مستدامة، لا يقتصر- بكل تأكيد- على زيادات عامة في الإنفاق والأجور، وإنما أيضا من خلال توسيع فرص العمل والدخل، وتخفيف بعض الأعباء التي يمكن تخفيفها دون الإضرار بالموازنة، وتشجيع المنافسة، وتمكين المشروعات المحلية من الحصول على حصة أكبر من الإنفاق والاستثمار الجاري داخل البلاد.

وأخيرًا، حان الوقت أن نضع بجانب مؤشرات الناتج والدين والتصنيف الائتماني مجموعة من مؤشرات الأثر المعيشي والاقتصاد المحلي؛ مثل نمو الدخل الحقيقي للأسر، ومتوسط أجور المواطنين، وعدد الوظائف الجديدة ذات القيمة المضافة، ومعدل بقاء المؤسسات الصغيرة بعد ثلاث وخمس سنوات، وحصتها من العقود الكبرى، ونسبة المحتوى المحلي، وحجم القيمة الاقتصادية التي تبقى داخل المحافظات المستضيفة للموانئ والمناطق الصناعية والاقتصادية. كم وظيفة خلقنا؟ وكم مؤسسة عُمانية استفادت؟ وكم ريالًا بقي يدور داخل الاقتصاد المحلي؟

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z