نيويورك واختبار ضمير العالم

 

 

 

أنيسة الهوتية

في الدورة الـ81 للأمم المتحدة.. علينا أن نضع قادة العالم أمام سؤال الإنسانية: هل تتحول الكلمات في المنصة إلى أفعال في المضمار؟

تحت قبة الأمم المتحدة؛ حيث تجتمع أصوات 193 دولة، تبدو نيويورك خلال سبتمبر مركزًا للعمل الدبلوماسي الدولي، في وقت يواجه فيه العالم حروبًا ونزاعات وتهجيرًا وأزمات إنسانية، إلى جانب تحديات تمس حقوق الإنسان والطفل والمرأة والتنمية والأمن.

وقد انطلقت أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2026، وشكّل الأسبوع الممتد من 22 إلى 28 سبتمبر محطة سياسية بارزة مع انعقاد المناقشة العامة ومشاركة رؤساء الدول والحكومات ووزراء الخارجية وكبار المسؤولين. وتأتي الدورة تحت شعار «استعادة الثقة، إدارة التحوّل: أمم متحدة تُحقق النتائج للجميع».

وفي هذا المشهد، يبرز الحضور العُماني بنهج يقوم على التفاهم والبحث عن الحلول السلمية والتوافقية. فقد أكد معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية- في كلمة سلطنة عُمان أمام الدورة الـ81- أهمية الحوار لتجاوز الخلافات وبناء الثقة وحل الأزمات، مجددًا تمسك السلطنة بالحلول السلمية والتوافقية واحترام ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي.

وامتد الحضور العُماني إلى لقاءات مع مسؤولين دوليين تناولت تطورات المنطقة والأزمات الإقليمية وسبل احتواء التصعيد، إلى جانب المشاركة في لقاءات إنسانية، ومنها الاجتماع الوزاري لدعم الأونروا.

ومن المشاهد التي لفتت نظري خلال اجتماعات الجمعية العامة، خروج عشرات الوفود من القاعة مع بدء رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلقاء كلمته، في موقف احتجاجي على حرب الإبادة في غزة، وما ارتبط بها من تسجيل عشرات الآلاف من الشهداء والمصابين، فضلًا عن التهجير القسري، واغتيال الأطفال والنساء وغيرها من الجرائم التي يندى بها جبين البشرية، وهي جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

هنا يبرز سؤال يتجاوز المشهد السياسي نفسه: إذا كان المجتمع الدولي يرفع صوته دفاعًا عن الأطفال في مناطق الحرب، فكيف يتعامل مع الأطفال الذين يواجهون أشكالًا أخرى من الخطر بعيدًا عن ساحات القتال؟

ففي دول مختلفة، ولا سيما في أجزاء من إفريقيا وجنوب آسيا، يواجه ملايين الأطفال الفقر، والحرمان من التعليم والرعاية الصحية، والعمل والاستغلال، فيما يعيش بعضهم في الشوارع أو يفتقدون الرعاية الأسرية. وتُظهر بيانات اليونيسف حجم الفجوة؛ إذ يوجد عشرات الملايين من الأطفال خارج المدارس في مناطق من إفريقيا، فيما تُقدّر أعداد الأطفال خارج التعليم في باكستان بالملايين، وتواجه الهند تحديات واسعة في حماية الأطفال الأكثر هشاشة.

والقضية لا تتوقف عند الفقر والتعليم؛ فاختفاء الأطفال، واختطافهم، واستغلال الأطفال الذين يعيشون في الشوارع أو بلا حماية أسرية، كلها ملفات ترتبط بمكافحة الاتجار بالبشر. وتؤكد الأمم المتحدة أن الأطفال يمثلون نسبة كبيرة من ضحايا الاتجار المكتشفين عالميًا، وأن الاستغلال قد يشمل العمل القسري والاستغلال الجنسي وأشكالًا أخرى من الانتهاك. ومن أخطر صور الاتجار ما يرتبط بنزع الأعضاء. وقد وثقت الأمم المتحدة هذا النوع من الجرائم باعتباره أحد أغراض الاتجار بالبشر، مع الإشارة إلى صعوبة اكتشاف الحالات بسبب طبيعة الجريمة وسرية الشبكات المتورطة فيها. وهذا يفرض رقابة أكبر على الجهات التي تتعامل مع الأطفال، بما فيها مؤسسات الرعاية ودور الأيتام، خصوصًا عندما تكون هذه الجهات غير خاضعة للرقابة أو تستغل حاجة الأطفال إلى الحماية.

لذلك، فإن حماية الطفل في منظومة الأمم المتحدة لا ينبغي أن تُقاس فقط بعدد القرارات المتعلقة بالحروب، وإنما بقدرة الدول على منع اختطاف الأطفال والاتجار بهم، وضمان تسجيلهم وتعليمهم ورعايتهم الصحية، ومتابعة الأطفال الذين يعيشون في الشوارع أو يفقدون أسرهم، ومعرفة مصير من يختفي منهم.

إنَّ المآسي في فلسطين وأوكرانيا والسودان وميانمار وغيرها تضع الحروب أمام العالم بصورة مباشرة، لكن هناك أطفالًا آخرين يواجهون خطرًا أقل ظهورًا: طفل حُرم من المدرسة، وآخر لا يجد علاجًا، وثالث يعيش بلا أسرة، ورابع قد يقع في شبكة اتجار.

ومع ذلك، تبقى قدرة الأمم المتحدة على التنفيذ محدودة؛ فالجمعية العامة تستطيع إصدار القرارات والتوصيات وبناء التوافق الدولي، لكنها لا تملك بمفردها سلطة تنفيذية توقف كل حرب أو تمنع كل جريمة.

ولهذا فإن السؤال الذي يخرج من نيويورك لا يتعلق بما قيل فقط، بل بما سيحدث بعد انتهاء الاجتماعات: هل تستطيع الدول أن تجعل حماية الطفل معيارًا عالميًا واحدًا، في الحرب كما في الفقر، وفي مناطق النزاع كما في الشوارع، وأن تلاحق شبكات الاتجار والاستغلال أينما وجدت؟ فالمعيار الحقيقي لنجاح أي اجتماع دولي ليس ما قيل تحت القبة، بل ما يتغير خارجها، تحت قبة الغلاف الجوي للكرة الأرضية.

الأكثر قراءة

z