د. خالد بن علي الخوالدي
في الأسبوع الماضي كتبت في هذه الجريدة الغراء مقالًا بعنوان "نقرأ خطبة الجمعة قبل أن نسمعها"، تحدثت فيه بكل وضوح عن ملاحظة كنت أراها جديرة بالنقاش، وهي نشر خطبة الجمعة قبل موعدها بعدة أيام، الأمر الذي يفقدها شيئًا من عنصر التشويق والترقب، ويجعل المصلي يذهب إلى المسجد وقد قرأ الخطبة أو عرف مضمونها وأفكارها مسبقًا.
لم يكن المقال انتقادًا لمضمون خطبة الجمعة أو للقائمين عليها، ولم يكن الهدف منه التقليل من الجهود المبذولة في إعدادها، كان مجرد رأي ومقترح بأن نترك للخطبة وقتها ومكانها وهيبتها، فنستمع إليها أولًا في المسجد، ثم تنشر بعد الصلاة ليستفيد منها الجميع، بمن فيهم النساء والمرضى والمسافرون وأصحاب الأعذار، وكذلك من أراد العودة إليها وقراءتها مرة أخرى.
ولله الحمد حظي المقال بتفاعل مجتمعي واسع، وكان من أكثر المقالات قراءة واطلاعًا في موقع جريدة الرؤية، وهذا التفاعل في حد ذاته يؤكد أن القضية لامست شيئًا لدى الناس، وأن الرأي عندما يطرح بهدوء وموضوعية يمكن أن يفتح مساحة جميلة للحوار.
لكن الأجمل بالنسبة لي لم يكن فقط حجم التفاعل مع المقال، وإنما وصوله إلى معالي الدكتور محمد بن سعيد المعمري وزير الأوقاف والشؤون الدينية، واطلاع معاليه عليه وإشادته بما ورد فيه، ثم الاستجابة لمضمونه والتوجيه بعدم نشر خطبة الجمعة قبل الصلاة من هذا الأسبوع، وأن يكون نشرها بعد أدائها.
وهنا لا أملك إلّا أن أقول بكل تقدير شكرًا معالي الوزير، شكرًا لأنك قرأت، وشكرًا لأنك استمعت إلى صوت من أصوات المجتمع، وشكرًا لأنك تعاملت مع الرأي باعتباره فرصة للمراجعة والتطوير، وليس انتقادًا ينبغي الدفاع أمامه عن الممارسة القائمة.
في تقديري.. قيمة المسؤول لا تظهر فقط فيما ينجزه من مشروعات وبرامج، وإنما تظهر كذلك في قدرته على الاستماع؛ فليس كل قرار يجب أن يولد داخل المكاتب، وليست كل فكرة نافعة بالضرورة قادمة عبر خطاب رسمي أو اجتماع أو لجنة، أحيانًا تأتي فكرة من مقال أو ملاحظة مواطن أو حديث في مجلس أو رسالة بسيطة، والمسؤول الواعي هو من ينظر إلى الفكرة قبل أن ينظر إلى صاحبها، وينظر إذا فيها خدمة للناس وفي جعل العمل المستقبلي أفضل مما هو عليه الآن.
وهذا ما وجدناه في استجابة معالي الدكتور محمد بن سعيد المعمري، استجابة أراها تعكس ثقافة المسؤول الواثق، المنفتح على الآراء، الذي لا يجد حرجًا في مراجعة ممارسة أو تطويرها متى وجد أن في ذلك مصلحة وفائدة.
إننا نحتاج إلى ترسيخ هذه الثقافة في مؤسساتنا، ثقافة المسؤول الذي يسمع ويقرأ ويتابع، والمواطن والكاتب الذي يطرح رأيه بمسؤولية واحترام؛ فالعلاقة بين المجتمع والمؤسسة الحكومية لا ينبغي أن تكون طريقًا باتجاه واحد؛ بل حوارًا مستمرًا، نكتب ونقترح وننتقد بإيجابية، وتستمع المؤسسات وتدرس وتستجيب عندما يكون في الطرح ما يستحق.
وحقيقةً.. هذا ليس المقال الأول الذي يحظى على استجابة من المسؤولين، فقد طرحتُ سابقًا مواضيع عدة ولاقت استجابة وقبول وتنفيذ، وهذه هي القيمة الحقيقية للكلمة عندما تجد من يقرأها بعقل منفتح وقلب محب لوطنه ومخلص لسلطانه وشعبه.
شكرًا معالي وزير الأوقاف والشؤون الدينية على هذا التقدير وهذه الاستجابة الراقية، والشكر موصول لكل من قرأ المقال وناقشه وتفاعل معه، وستظل الكلمة الصادقة مسؤولية، وسيظل المسؤول الذي يسمع لها ويستجيب لما فيها من خير شريكًا حقيقيًا في صناعة الوعي والتطوير.
ودُمتم ودامت عُمان بخيرٍ.
