قراءة في التوجيهات السامية للمجالس البلدية

 

 

 

د. أحمد بن محمد بن راشد الهنائي **

ahmed120.law@gmail.com

عمدت التوجيهات السامية لمولاي حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- إلى تقديم رؤية متكاملة لتطوير المجالس البلدية، ابتداءً من القيام بمراجعة اختصاصاتها، مرورًا بتكاملها مع المحافظين، ووصولًا إلى تعزيز المشاركة المجتمعية وحسن اختيار أعضاء المجلس. وتؤكد الرؤية السامية أنَّ فاعلية المجالس لا تقاس بوجودها المؤسسي وحده، بل بمدى قدرتها على تمثيل احتياجات المجتمع والإسهام المنظم في مسار التنمية المحلية.

ولقد أبانت التوجيهات السامية أهمية إدراك المجالس البلدية في الالتقاء بالمواطنين وتلمس احتياجاتهم، ومن ثم العمل على ترتيب تلك الاحتياجات وفقًا لأولويات التنمية المحلية. ولا شك أن فاعلية تلك المجالس لا تتحقق بمجرد تموضعها ضمن البناء المؤسسي للإدارة المحلية، بل في وجوب الممارسة الفاعلة لاختصاصاتها، والقدرة على التواصل والانسجام مع مكونات المجتمع المحلي. وتبرز التوجيهات السامية 3 مرتكزات أساسية لتطوير منظومة العمل البلدي وتفعيل دوره التنموي:

أولًا: مراجعة الاختصاصات وتعزيز الفاعلية المؤسسية

أكد النطق السامي في توجيهه إلى الجهة المختصة القيام بإجراء مراجعة وتقييم شاملين لاختصاصات المجالس البلدية والأدوار المناطة بها. ومفاد هذه التوجيهات عدم الاقتصار على إجراء تعديل تشريعي في اختصاصات المجالس البلدية، وإنما الوقوف على مدى ملاءمتها وانسجامها مع الواقع العملي، وقدرة تلك الاختصاصات على تمكين المجلس من ترتيب أولوياته، وتناوله للقضايا الخدمية والتنموية؛ حيث إن وضوح الاختصاصات وتحديد حدودها، وقياس مدى اتساقها مع طبيعة عمل تلك المجالس من شأنه تعزيز كفاءة العمل، وتفعيل دور المجالس في منظومة الإدارة المحلية.

وغني عن البيان أنه كلما اتسمت الاختصاصات بالوضوح والتحديد، أمكن للمجلس أن يرتب أولوياته، ويقدم مقترحات أكثر ارتباطًا باحتياجاته الفعلية، بالإضافة إلى تعزيز قدرة المجلس على متابعة ما يتم طرحه من توصيات وملاحظات. عوضًا عن توحيد الجهود، وتوجيه الموارد وفق مساقات الأولوية التنموية.

ولا غرو أن مراجعة الاختصاصات تمثل مدخلًا لتطوير الأداء المؤسسي، ووسيلة لتعزيز كفاءة المجلس وفاعليته ضمن منظومة الإدارة المحلية. وينبغي أن تستند المراجعة إلى معالجة التحديات التي قد تبين عنها الممارسة العملية، ودراسة ما يقدم للمجلس من مقترحات مجتمعية دراسة مستفيضة قائمة على بيانات دقيقة، ومشاريع مبتكرة تنسجم مع التركيبة المحلية لكل محافظة وولاية، بحيث يجعل تطوير اختصاصات المجلس قائم الواقع الفعلي، ومستند على مؤشرات قابلة للقياس، لا مجرد تبادل الأدوار أو تضخيم لاختصاصات المجلس.

ثانيًا: التكامل المؤسسي بين المجالس البلدية والمحافظين

أكدت التوجيهات السامية على تعزيز التكامل بين أعمال كل من المحافظين والمجالس البلدية، بوصفه أساسًا لتحويل المقترحات المحلية إلى نتائج تنموية ملموسة. وذلك عبر معادلة دقيقة تتم بداءةً في قيام المجلس بتقديم احتياجات المجتمع وتطلعاته، ليقوم المحافظ بقيادة الجهد التنفيذي والتنسيقي على مستوى المحافظة؛ ويترتب على ذلك، تعزيز فاعلية الأدوار والاختصاصات المقررة لكل منهما، من خلال تفعيل قنوات الاتصال المؤسسي بصورة منتظمة، والتوافق على الأولويات التنموية، والمتابعة الجادة للتوصيات والملاحظات. بما يعزز التناغم المؤسسي، ويوحد الجهود ويكاملها، ويفضي إلى تسريع وتيرة التنمية المحلية.  

ولا جرم أنَّ التكامل المقصود لا يقتصر على تبادل الرأي أو التوافق على وجهات النظر، بل يستلزم وجود تنسيق مستمر وتفاعل دائم قادر على الربط بين ترتيب الاحتياجات التنموية، وفاعلية مناقشتها، وتعزيز العمل على متابعة ما يتصل بها من إجراءات، بما يقلل من ازدواجية الجهود، ويوجه الموارد نحو القضايا الأكثر إلحاحًا. ومما لا ريب فيه أن التعاون المنظم الذي يقوم على الوقوف عند الحدود الاختصاصية لكل طرف يؤدي إلى دعم كفاءة العمل المحلي ويسهم في الوقت ذاته من تسريع وتيرة التنمية. في حين يتيح التواصل المنتظم إلى توضيح الرؤى والملاحظات المتبادلة، ويعمل على معالجة أية معيقات وإجراءات سلبية في حينها، بالإضافة إلى تعزيز المسؤولية المشتركة في اختيار ومتابعة الأولويات المحلية، إذ أن التوصية تفقد أثرها وتظل طريقها إذا لم تجد المسار الواضح للدراسة والتقييم الموضوعي والمتابعة وصولًا إلى سلامة الإجراءات التنفيذية.  

ثالثًا: المشاركة المجتمعية وحسن الاختيار أساس فاعلية المجالس

أشارت التوجيهات السامية إلى ضرورة المشاركة الفاعلة لمختلف فئات المجتمع وحسن الاختيار في الانتخابات البلدية؛ فالمشاركة الواعية لا تقتصر على الإدلاء بالصوت، بل تقتضي إدراك الناخب لدور المجلس وحدود اختصاصه، واختيار من تتوافر فيه الكفاءة والنزاهة، والقدرة على فهم احتياجات المجتمع، والتواصل مع مؤسساته. كما أن المرشح مطالب بتقديم رؤية واقعية، ومبادرات قابلة للتنفيذ، بما يعزز جودة التمثيل والثقة في العمل البلدي.

وتأسيسًا على ذلك، تتكامل مسؤولية الناخب والمرشح والمجلس في بناء شراكة مجتمعية أكثر وعيًا وفاعلية. ويعزز هذه الشراكة التواصل المستمر بين أعضاء المجلس والأهالي، إذ يؤدي هذا التقارب إلى التعرف على الأولويات المتغيرة، ويقرب وجهات النظر، ويساعد المجلس على تفعيل اختصاصاته، ويعمل في الوقت ذاته على تعزيز التعاون، وتدعيم وسائل التواصل مع الجهات الأخرى، تسخيرًا للخدمة المجتمعية، وتحفيزًا على المضي في تحقيق التنمية المحلية المستدامة.

وصفوة القول.. تمثل التوجيهات السامية دعوة واضحة للانتقال بالمجالس البلدية إلى مرحلة أعلى من الفاعلية المؤسسية، وتتطلب تلك المرحلة تحويل تلك التوجيهات إلى إجراءات عملية قابلة للمتابعة وقياس الأثر، وأبرزها: إجراء مراجعة دورية للاختصاصات والأدوار في ضوء مسار الإدارة المحلية، وإرساء آليات تنسيق ومتابعة منتظمة بين المحافظين والمجالس البلدية، وتعزيز الوعي المجتمعي بدور المجالس البلدية وأهمية المشاركة وحسن الاختيار، قياس أثر التوصيات والملاحظات في معالجة الأولويات وتحسين الخدمات المحلية.

** دكتوراة في القانون الدستوري والعلوم السياسية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z