تجليات الوطن في شعر الراشدي

 

 

 

 

د. هشام حسان الشمري

في البدء كان الوحي: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (سورة البقرة 38)؛ فذاك الهُدى بداية سحر البيان، فمن إيقاعات الأصوات الطبيعية كوّن الناس ضروب البيان. وأحبوا نغمات الشعر، وجميل النثر، فكان الأدب.

وأرى الشعر سبق الأدب النثري، ونقد الشعر في تراثنا العربي سبق نقد النثر، فلولا وجود الشعر لما وُجد نقد الشعر، وإذا كان الأدب صنعة وتأنقا، فنشأة الشعر الحقيقي - كما يتجلى في قصائد الراشدي - طبيعة بها استرسال كشلال متدفق.

والنقد هو تذوق الشعر، الشاعر مُطالب بالتعبير الإبداعي والناقد مُطالب بنقد ذلك التعبير بموضوعية وحيادية، وبما أن الأدب إبداع فيُفترض أن يكون النقد إبداعاً هو الآخر.

ويُعد نقد الشعر عملية تحليل وتفسير وتقويم القصائد، وتتم عملية النقد من خلال أربع مراحل، وهي الملاحظة والتحليل والتفسير والتقويم. يتم في المرحلة الأولى قراءة النص الشعري ومحاولة فهم معناه، ويقوم الناقد في المرحلة الثانية بتحليل النص وتفكيكه إلى عناصره الأولية ومعرفة طريقة تنظيم الأجزاء مع بعضها البعض. في المرحلة الثالثة يستكشف الناقد العلاقة بين الأجزاء والعناصر ومعرفة ما يودّ المؤلف / الشاعر قوله، وأخيراً يُصدر حُكمه المبني على فهمه للنص ككل.

يركز النقد الشعري على تقويم الجوانب الجيدة والرديئة في النص، أي أنه لا يقتصر على البحث عن عيوب النص فقط، بل يجب أن تكون هنالك أُسس ومعايير يرجع إليها الناقد أثناء تحليله للنص الشعري، إلا أن عملية النقد أحياناً تُعبر عن وجهة نظر القارئ لما يحدث في النص، فقد يرتاح قارئ ما لنص ما وقد لا تعجبه بعض الأشياء في النص نفسه، فما يَعد جيدا وجميلا لقارئ معين قد يكون غير لائق وغير جميل لقارئ آخر. قد لا يلقى نص ما رواجًا وقبولاً بين مجتمع القُراء في زمن ما، وربما يقفز قفزة نوعية في زمن آخر.

عُمانُ بلادي ومَن قد بناها

وأشْعلَ نورًا أضاءَ سَماها

بِها اليومَ عيدٌ بنبْضِ الخلودِ

لها قد تَسامى وعمَّ رُباها

عَظيمُ الرّجالِ على النَّهْجِ يَمْضي

كما أنْ بُناةٌ أقاموا بِناها

على الدين هَدْيًا وفِكْرٍ وعَزْمٍ

وساسوا البلادَ وأعْلَوا ذُراها

سلاطينُ مَجْدٍ رُعاةٌ تَوَلَّوْا

وبعد اليَعارِب كانوا سناها

وإرث الإمام تَقَفَّوا ضياءً

أهابوا النُّفوسَ فزَكّتْ عَطاها

ومدّوا الظِّلالَ على البحرِ طالتْ

سواحِلَ شَرْقٍ وسادوا مَداها

مِنَ البُوسعيديْ حُماةِ الدّيارِ

ألانوا الصّعابَ ولَوَّوْا عَصاها

أعانوا الشقيقَ وصانوا الصّديقَ

وشَقّوا الطّريقَ لِمَنْ قد أتاها

مِنَ اليومِ حينَ استَظلَّتْ عُمانٌ

بِـ(هَيْثَمَ) حُكْمًا فكُلٌّ رآها

نجاحًا وصَيْتًا ولِلقَوْلِ فَصْلٌ

لدى النّاسِ طُرًّا أجابوا نِداها

فَجاؤوا شَبابًا وكُهْلًا وشِيبًا

وألْقَوْا حِبالًا وشَدّوا قُواها

أ(هَيْثمُ) عَزْمٌ عمرتَ الدِّيارَ

وشدتَ القفارَ وصُنتَ ثَراها

بِتأْييدِ ربٍّ تَوَلَّيْتَ عَهْدًا

ولِلْمَكْرُماتِ نَشَرْتَ شَذاها

وأنتَ الحكيمُ أخذْتَ الزِّمامَ

تقودُ البلادَ رسمتَ رؤاها

وأنتَ الرشيدُ قَصَدْتَ الصَّلاحَ

وتَمضي الدروبَ إلى مُبتغاها

وأنتَ الحَصيفُ صَنَعْتَ القرارَ

إلى الغَدِ تَرْمي عُلومًا وجَاها

وكُنْتَ النَصيرَ على الظُّلْمِ سيْفٌ

ولِلسِّلْمِ أيْدٍ وفيرٌ نَداها

عُمانُ السّلامِ ودارُ العِظامِ

مِنَ الأُسْدِ غُرٌّ، فيا مَنْ وَلاها

حَباها الكريمُ ثباتًا وصَبرًا

لها الحِفظُ منهُ وصانَ حِماها

(20 نوفمبر 2025/ الديوان 44)

فهي قصيدة مكثّفة المعاني، منفحة آفاق التفسير.

إن معرفة المعنى الحقيقي للنص والمُراد منه أمرٌ ليس سهلًا. فالواضح تماما أنه في مديح جلالة السلطان هيثم، ويضيف إلى محبة المقام السامي محبة البلاد بأرضها وشعبها، ويتغنى بتطورها.

والراشدي صادق في مشاعره وأحاسيسه. وبهذا الصدق ما يجعل دراسة النص مركّبة ومُمتعة في الوقت نفسه. وهذا النص مصدر للتأمل والاتفاق. عبر تفسيرات مستقاه من النص نفسه أو من كل ما يحيط بالنص. هنا يمكننا أن ننوه إلى أن الشاعر حمد الراشدي يوقد كلماته في سياق يستضيء بها.

ولعلّ أفضل منهج لتحليل أشعار الراشدي هو المنهج البنيوي الممتزج مع دراسة فنية، لأن هذا الامتزاج يُركز على التحليل الداخلي للنص مع الاعتراف بدور الشاعر وتضميناته الاجتماعية والثقافية والتاريخية:

(عَظيمُ الرّجالِ على النَّهْجِ يَمْضي

كما أنْ بُناةٌ أقاموا بِناها

على الدين هَدْيًا وفِكْرٍ وعَزْمٍ

وساسوا البلادَ وأعْلَوا ذُراها

سلاطينُ مَجْدٍ رُعاةٌ تَوَلَّوْا

وبعد اليَعارِب كانوا سناها)

ولا بُد أن يكون النقد مَبنيّا على دراسة دقيقة للنص ذاته تشمل لغة النص وفكرته والعاطفة التي يحتويها، وقد يعتمد على تفسيرات وأحكام مُسبقة عنه، وقد يأخذ في الاعتبار كل ما يقود لفهم النص.

وبما أن النص صاغه الذوق والإبداع فإن النقد يجب أن يكون مرتكزا على الذوق والإبداع، في رؤية للصياغة الفنية. وإني لأرى أن دواوين الشاعر حمد الراشدي تثير تذوق الإبداع الشعري، يرافقها شوق ولذة يترتب عليهما حكم (أو رأي نقدي) يصب في صالح النص لأنه يستحق الوقوف معه لا ضدّه.

وهذا هو المنهج التكاملي في نقد الشعر.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z