د. حامد بن عبدالله البلوشي **
يُحتفل باليوم العالمي للمسؤولية المجتمعية لعام 2026 تحت شعار "نصون مواردنا ونُمكّن إنساننا.. لنعيش غدًا أفضل"، وهو شعارٌ يبدو قصيرًا في ألفاظه، لكنه واسع في دلالاته، فهو يجمع بين ثلاثة أبعاد لا تستقيم التنمية المستدامة من دونها: موارد وثروات نحافظ عليها، وإنسان واع نمكّنه ونهتم ببنائه، ومستقبل نعمل من أجله ونتطلع له.
وهذا التوجه ينسجم مع الهدف الحادي عشر من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، والذي يركز على بناء مدن ومجتمعات محلية شاملة وآمنة وقادرة على الصمود ومستدامة؛ أي مجتمعات لا تقيس تقدمها بما تملك فقط، وإنما بما توفره من جودة حياة وكرامة وأمان وفرص لأفرادها.
ولعلَّ أجمل ما في هذا المفهوم أنه ليس غريبًا عن منظومتنا القيمية والإسلامية؛ فالإسلام لم ينظر إلى الإنسان بوصفه فردًا منفصلًا عن مجتمعه، وإنما جعله مسؤولًا عن محيطه، مشاركًا في إصلاحه، نافعًا لأهله وناسه. يقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، ويقول النبي ﷺ: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا"، فالمجتمع في التصور الإسلامي بناء متكامل، إذا ضعف فيه جانب تأثر به البناء كله.
يكتسب الشطر الأول من الشعار: "نصون مواردنا" أهمية خاصة؛ فالماء والطاقة والأرض والموارد الطبيعية والبيئة ليست ملكًا لجيل واحد، وإنما أمانة بين أيدينا. وكل إسراف فيها اليوم قد يتحول إلى نقص في حياة أبنائنا غدًا، وتضييع للأمانة التي ائتمننا الله عليها.
إن ترشيد استهلاك الماء والطاقة، والحد من الهدر، وتقليل النفايات، وحماية البيئة، والمحافظة على الموارد الطبيعية، ليست مجرد ممارسات بيئية، وإنما هي صورة من صور المسؤولية الأخلاقية والوطنية. فالاستدامة في جوهرها أن نلبي حاجات حاضرنا دون أن نغلق أبواب المستقبل أمام من سيأتي بعدنا.
وهنا تبرز التجربة العُمانية المميزة بما تحمله من قيم راسخة في التكافل والتعاون وإغاثة المحتاج وخدمة المجتمع، وبما تتطلع إليه رؤية عُمان 2040 من بناء مجتمع مزدهر، واقتصاد متنوع ومستدام، وبيئة مصونة، وإنسان متمكن. فالمسؤولية المجتمعية في عُمان ليست منفصلة عن المسار الوطني للتنمية، وإنما يمكن أن تكون إحدى الأدوات المهمة لتحويل أهداف الرؤية إلى ممارسات ملموسة في حياة الناس.
وفي قلب هذه المسؤولية يقف الشباب؛ لا بوصفهم مستفيدين من المبادرات فحسب، أو متلقين سلبيين لرغباتهم واحتياجاتهم، وإنما بوصفهم شركاء في صناعتها. فالشاب الذي يمتلك المعرفة والتقنية والقدرة على الابتكار يستطيع أن يحول تحديًا اجتماعيًّا إلى مشروع، ومشكلة بيئية إلى حل، وفكرة بسيطة إلى مبادرة ذات أثر واسع.
ولا يمكن لهذه المسؤولية أن تنجح إذا بقيت موزعة بين جهود منفردة؛ ومبادرات ذاتية، فالمجتمع يحتاج إلى شراكة حقيقية تجمع الحكومة والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات التعليمية والأفراد. حيث يتحمل كل طرف مسؤوليته، ويقوم بدوره، ويكون على يقين بأنه وحده لا يقيم أودًا، أو يصلح اعوجاجًا، بل إنه جزء من منظومة متكاملة ولبنة في كيان كبير.
فالقطاع الخاص يستطيع أن يستثمر في الإنسان، ويدعم التدريب والابتكار، ويخلق فرص العمل، ويتبنى ممارسات أكثر استدامة. كما أن المؤسسات التعليمية تستطيع أن تزرع ثقافة المسؤولية في طلابها منذ الصغر. أما مؤسسات المجتمع المدني فباستطاعتها أن تكون أقرب إلى احتياجات الناس. أما الفرد، فهو الحلقة الأقوى، واللبنة الأساسية التي تمنح كل هذه الجهود معناها الحقيقي من خلال سلوكه اليومي، ومشاركته الفعالة، وتطوعه، وحفاظه على مجتمعه وبيئته.
غير أن التحدي الأكبر الذي يواجه المسؤولية المجتمعية هو أن تتحول بعض المبادرات إلى مواسم تنتهي بانتهاء المناسبة، أو أن يصبح الظهور الإعلامي أهم من الأثر الحقيقي. وهنا ينبغي أن ننتقل من ثقافة المبادرة إلى ثقافة الأثر.
فليس المهم كم مبادرة نفذنا، وإنما كم إنسانًا استفاد بصورة مستدامة، وكم مشكلة أسهمنا في حلها، وكم موردًا نجحنا في حمايته، وكم شابًّا انتقل من انتظار الفرصة إلى صناعتها.
إنَّ قياس الأثر، وتحديد مؤشرات واضحة للنجاح، وإشراك المجتمع في تحديد أولوياته، وتوجيه الموارد نحو احتياجات حقيقية، ودعم المبادرات القابلة للاستمرار، كلها أمور تجعل المسؤولية المجتمعية أكثر نضجًا وفاعلية.
وهنا يعود بنا الشعار إلى جوهره: "نصون مواردنا، ونُمكّن إنساننا.. لنعيش غدًا أفضل".
إنه ليس شعارًا يُرفع على اللافتات فحسب، بل عهد وميثاق بين الحاضر والمستقبل؛ أن نحفظ ما بأيدينا، وأن نبني الإنسان، وأن نجعل من التعاون ثقافة، ومن التطوع سلوكًا، ومن الابتكار وسيلة، ومن الشراكة طريقًا، ومن الاستدامة أسلوب حياة.
فالأجيال القادمة لن تسألنا كم فعالية أقَمنا، ولا كم صورة نُشرت، وإنما ستسألنا: ماذا تركتم لنا؟
هل تركنا لهم بيئةً أكثر نقاء؟ ومواردَ أكثر أمانًا؟ ومجتمعًا أكثر تكافلًا؟ وشبابًا أكثر قدرةً وثقة؟ ووطنًا أكثر ازدهارًا واستدامة؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تبدأ من مسؤوليتنا اليوم.
فلنجعل كل قطرة ماء نصونها رسالة، وكل شجرة نحميها أمانة، وكل شاب نمكّنه استثمارًا، وكل يد نمدها بالخير لبنةً في بناء الوطن. ولنجعل المسؤولية المجتمعية ثقافةً تسكن في الضمير قبل أن تظهر في المبادرات، وأثرًا يبقى بعد أن تغيب الأسماء والصور والعناوين.
فإذا صُنّا مواردنا، ومكّنّا إنساننا، وتعاونّا على الخير، وأخلصنا في العطاء، فلن يكون الغد الأفضل حلمًا ننتظره، بل حقيقةً نصنعها اليوم، ونعطيها غدًا لأبنائنا أمانةً كما تسلمنا الوطن من آبائنا أمانة.
تلك هي المسؤولية المجتمعية حين تتحول من ثقافة العطاء إلى صناعة الأثر.
حفظ الله عمان، وأدام عليها نعمة الأمن والأمان والاستقرار والرخاء، وبارك في أرضها ومواردها وأهلها، ووفّق شبابها لكل ما فيه خير وطنهم ورفعة شأنه، وبارك في قيادتها الحكيمة، وسلطانها المفدى جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم حفظه الله ورعاه، وأعانه على مواصلة مسيرة البناء والتنمية، وجعل الله عُمان واحةً للسلام والتسامح والتعايش والعطاء، وحفظ أجيالها القادمة، ومنحها مستقبلًا يليق بتاريخها وأصالتها وطموح أبنائها.
** مدير عام شبكة الباحثين العرب في مجال المسؤولية المجتمعية
