حِسّ اللسان العربي وعراقة اللهجة العُمانية (1)

 

"سيكولوجية التيسير الفطري في لساننا المحلي"
حمد الناصري

إنّ التبحر في ثنايا الهوية الثقافية للمجتمعات يكشف للبصيرة أنّ اللغة ليست قوالب جامدة صمّاء، بل هي كائن حي يتنفس بروح أهله ويتشكل بحسهم الفطري؛ والمتابعة الحثيثة للألسن التراثية في ولايات سلطنة عُمان العريقة تؤكد يوماً بعد آخر أنّ اللسان العُماني يمتلك ذوقاً صوتياً خاصاً يميل طواعية نحو التخفيف والتيسير، محولاً النبرات الثقيلة إلى نغمات سَلسة تتدفق بخفة تامة في التداول اليومي المشهود.

ويكشف هذا التتبع العفوي عن حقيقة الامتداد الوجداني الأصيل؛ فالإنسان العُماني بطبيعته وفطرته يبتعد في حديثه اليومي عن التكلف والالتزام الجامد بالقواعد النحوية أو الصرفية المعقدة، بل يميل طواعية وعفوية نحو تسهيل الكلام وتخفيف نطق الحروف ليكون أكثر سلاسة وعذوبة بين الناس. وتتجلى هذه السيكولوجية الفطرية في مُمارسات لغوية يومية حاضرة في قلب الجغرافيا العُمانية؛ فحين يلجأ العُماني في حديثه العفوي إلى نطق مفردات مثل "بِمِش"، و"عَليشْ"، و"مِنشْ" بدلاً من الكلمات الفصيحة المقابلة لها وهي (بِكِ، وعليكِ، ومِنْكِ)، متبوعاً بأفعال التيسير الحركية مثل "مِشْ" و"امْشِي"، فإنه لا يبتدع في اللسان نشازاً، بل يمارس حركة لسانية عربية غابرة عرفت في أمهات المعاجم بـ "الكشكشة"، وهي ظاهرة صوتية فصيحة نُسِبت تاريخياً إلى قبائل الأزد الأوائل وتميم وقضاعة، حيث تميل الفطرة لتوليد الشين طلباً للتخفيف وفصل الخطاب. وهي الحركة اللسانية التي لا تزال تنبض بالحياة في لسان أهل ولايات محافظة الداخلية كنزوى، وبهلا، والحمراء، ومنح، وسمائل، وتتمدد بعفوية لتشمل حواضر الساحل والمناطق الحيوية كحواضر الشرقية، وشمال الباطنة وجنوبها، والظاهرة وتوابعها، والبريمي وتوابعها، وصولاً إلى مسندم وتوابعها أقصى الشمال، لتبقى هذه الألسن حارساً أميناً لوحدة الوعي اللغوي التي تربط مجتمعاتنا بعمقها التاريخي العريق. ولا يقف هذا التيسير الفطري عند حدود تبديل الحروف، بل يتجاوزه إلى تخفيف "الهمز" إما بالتسهيل أو الإسقاط، وهو المذهب الصوتي السائد لدى قريش وأهل الحجاز قديماً لكون الهمزة أثقل الحروف نطقاً وأبعدها مخرجاً؛ هذا الإرث الحجازي الفصيح هو ذاته الذي يتكئ عليه اللسان العُماني اليوم حين يسقط عفوياً الهمزات المُتطرفة والمتوسطة في مثل قوله: "قريت" بدلاً من قرأت، و"السيارة ورا" بدلاً من وراء، و"الما" بدلاً من الماء. وهي مُمارسة فطرية متصلة اتصالاً وثيقاً بالقراءات القرآنية المتواترة، حيث يسير أئمة القراء كأبي عمرو البصري وابن كثير على نسق مُطّرد في تخفيف الهمز وإسقاطه في التنزيل العزيز، كحذف الهمزة تماماً وتسهيل اللفظ عند التقاء الهمزتين، أو إبدالها حرف مد ليّن، مما يؤكد بالدليل القاطع أن لساننا المحلي الدارج لم يكن يوماً بمعزل عن أصول الفصاحة القرآنية الخالصة وألسن القبائل الحضرية الأولى.

وينسجم هذا التلاحم اللفظي والجغرافي تماماً مع الأطروحات العلمية والجهود التوثيقية للباحث العُماني الدكتور عامر بن آزاد الكثيري، وبخاصة ورقة عمله المنشورة في مؤتمر الرابطة الدولية لدراسة اللهجات العربية (AIDA 16) المنعقد في يونيو 2026 م حول إبراز الثراء اللغوي العُماني ومشروع "إثراء المحتوى العُماني في منصات معالجة اللغات الطبيعية حاسوبياً"؛ حيث يُبرهن علمياً على عراقة الألسن المحلية والتنوعات اللهجية في عُمان، بوصفها ركيزة اتزانية وثراءً بنيوياً يعكس أصالة اللسان العربي وحِسه الفطري، وجزءاً لا يتجزأ من الوجدان والهوية الوطنية الكفيلة بصون التراث الشفهي وتوارثه النقي عبر الأجيال.

ويُقَرّب اللسان المحلي تلك الأفهام البعيدة بلهجة مشهودة، وإنْ تباينت اللهجات المحلية لكل منطقة بلسانها، فالتعدد اللساني المحلي هنا، لا يقف على حال بل هو مُتحرك ومُثر، يتدفق بسلاسة ومُرونة وبما يحمله من جرس حِسي لساني أصيل، نابع في أصله من واقع عراقة اللسان العربي القويم، وذلك الامتداد يُعتبر عُمقاً أدبياً ولغوياً رفيعاً؛ فالتنوع اللهجي رافد حيوي يُغذي اللغة الأم ولا يُشَكّل عبئاً عليها أو مجرد ظاهرة عابرة. ذلك لأنه بطبيعته يقوم بتمكين الألفاظ المُعقدة والهمزات الثقيلة، والتي قد يَصعب النطق بها في المُتداول اليومي أو حتى التي قد تكون غامضة أو بعيدة عن الأفهام، وتحويلها إلى تركيبات سلسة عذبة قائمة على التسهيل النطقي والتيسير اللفظي المُتداول بين الناس وسلامة النطق العام.

ومن شواهد ذلك التمكين الصوتي؛ إسقاط العُماني للهمزات المتطرفة والمتوسطة طرداً للثقل اللغوي، فيقول عفوياً: "قريت" بدلاً من قرأت، و"السيارة ورا" بدلاً من وراء، و"الما" بدلاً من الماء، وهو عين التخفيف والتسهيل اللغوي الذي نزل به القرآن الكريم في بعض قراءاته المتواترة، مما يُثبت خلوص هذا اللسان الفطري وعراقته.


خُلاصة القول: تُؤكد سيكولوجية التيسير الصوتي في اللسان المحلي مرونة الفطرة اللسانية في صون التراث الشفهي مُتجاوزة جمود القواعد الأكاديمية والمؤثرات المُعاصرة.. وليبقى لسان الأمة نابضاً بروح الأصل والترابط الوجداني المُستمد من عراقة الماضي لتتوارثه الأجيال بعفوية نقية. 

* المقال من سلسلة فكرية: حِسّ اللسان العربي وعراقة اللهجة العُمانية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z