الحوكمة القانونية في الصين : نظرة على قانون الوحدة العرقية وتعزيز التقدم

أ.د ابتسام محمد العامري  
كلية العلوم السياسية/جامعة بغداد 
تعمل الصين منذ قيام جمهوريتها الشعبية في عام 1949 على تنظيم وترتيب بيتها الداخلي حسب منظورها ورؤيتها لما تقتضيه مصلحتها وظروفها وتطورات اوضاعها ، ويعد قانون الوحدة العرقية وتعزيز التقدم خطوة جديدة في هذا الاتجاه ، اذا بهذا القانون تستطيع حفظ استقرارها الداخلي وتنظيم شؤون مجموعاتها العرقية ومواجهة تحدياتها الصعبة وبناء مستقبلها وتعزيز تقدمها . 
فضلا عن ذلك سعت الصين منذ بداية عملية التحديث في عام 1978 الى ان يكون هذا التحديث عملية مشتركة تشارك فيها الـــ (56) قومية التي تشكل الهيكل العام للشعب الصيني وتحقق الاستفادة القصوى منها ، فمن بين 1,4 مليار نسمة وهو اجمالي عدد سكان الصين ، تشكل الاقليات القومية (125) مليون نسمة اي 8,89% حسب احصاء عام 2020 ، وتتواجد هذه الاقليات في المناطق الجبلية والريفية والنائية حيث عانت لسنوات من التخلف والاهمال بشكل كبير خاصة خلال السنوات الاولى من بدء مرحلة التحديث . 
وبما انه لم يتبق سوى سنوات قليلة على الوصول للهدف النهائي للتحديث الاشتراكي المقرر في عام 2035 ، فأن مناطق الاقليات يفترض ان تكون قد حققت تقدما كبيرا على مسار هذا التحديث بحلول هذه السنة ، وهذا الامر لا يتحقق الا اذا ما كان للسلطات الرسمية اليد الطولى في هذا الامر ، لذا جاء اعلان قانون الوحدة العرقية وتعزيز التقدم الذي تبنته الدورة الرابعة لمجلس نواب الشعب الصيني في آذار 2026 ودخل حيز التنفيذ في الاول من تموز 2026 سوى خطوة في طريق الصين الطويل الاجل لتقنين الشؤون العرقية في اطار قانوني واضح ومحدد ، وقبل التطرق الى الاغراض الحقيقية لتشريع هذا القانون ينبغي اولا معرفة حقيقيتين اساسيتين هما مضمون هذا القانون ومستوى التنمية في مناطق الاقليات . 
بالنسبة للحقيقة الاولى فأن هذا القانون المكون من مكون من 62 مادة يضفي الطابع الرسمي على الاطار الايديولوجي للوعي المشترك للأمة الصينية في مجالات التعليم والدين والتاريخ والثقافة والسياحة والاعلام والانترنت حيث تنص المادة (14) منه على قيام السلطات بأبراز الرموز الثقافية الصينية في المرافق العامة والمباني والمواقع السياحية بما في ذلك عند تسمية الاماكن . 
ويوجه الدستور الى دمج هذه الايديولوجية في التخطيط الحضري والريفي والتنمية الاقتصادية مثل سياسات الاسكان التي تعزز الوحدة العرقية كما في المادة (23) ، وفي حماية امن الصين مثل الامن الغذائي وامن الحدود كما في المادة (34) ، وتشجيع تغيير العادات والتقاليد بما يضمن التحضر والتقدم خاصة فيما يتعلق بالزواج ومنع اي شخص يعمل على عرقلة الزواج على اسس دينية او عرقية كما جاء في المادة (40) .  
وعلى الرغم من ان قانون 1984 نص على حق المدارس التي تستقطب طلابا من الاقليات استخدام الكتب المدرسية بلغة الاقليات ان امكن والتدريس بها ، الا ان القانون الجديد وبحسب المادة (15) سيلزم الاطفال ما قبل المدرسة بتعلم اللغة الصينية (الماندرين) واتقانها بنهاية تعليمه الاساسي في سن 15 عاما . 
اما الحقيقة الثانية فنستطيع ان نقول ان المناطق الخمسة المتمعة بالحكم الذاتي والتي تقطنها الاقليات القومية في الصين وهي مناطق شينجيانغ –يوغور ومنطقة شيزانغ (التبت) وقوانغشي وتشوانغ ونينغشيا هوي تشهد تقدما اقتصاديا ملحوظا ، اذ ارتفع الناتج المحلي الاجمالي المشترك لهذه المناطق للمدة ما بين (2012-2025) من (478,6) مليار دولار بما يعادل (3,35) تريليون يوان الى (1,28) تريليون دولار بما يعادل (28,66) تريليون يوان صيني ، ويفسر هذا الارتفاع التدريجي في الناتج المحلي لهذه المناطق ادراك الحكومة الصينية لأهمية هذه الأقليات في نهضة الصين وتنميتها . 
 يهدف هذا القانون الى تحقيق عدة اغراض وهي : 
1- تحقيق المساواة العرقية والتضامن والازدهار المشترك  للبلاد . 
2- حظر التمييز وحماية حقوق ومصالح المواطنين من جميع الاعراق . 
3- تعزيز وضمان الاحساس العام للمواطنين بمجتمع وطني مشترك . 
4- تعزيز الانجازات التنموية من خلال تخصيص الحكومة الصينية مبلغ (3,7) مليار دولار اي ما يعادل (25,2) مليار يوان صيني ضمن الخطة الخمسية الرابعة العشرة التي غطت السنوات (2021-2025) من خلال اعتماد مشاريع لتنشيط المناطق الريفية التي تقطنها الاقليات في المناطق النائية والحدودية ، فضلا عن تبني سياسات تعليمية تتضمن التعليم الألزامي لمدة 9 سنوات . 
5- رغبة الصين في الاحتفاظ بالسلطة الاساسية لأدارة شؤونها العرقية في اطار قانونها المحلي . 
6- منع الدول الاخرى خاصة الكبرى منها من استغلال موضوع الاقليات للتدخل في الشؤون الداخلية للصين وخلق شرخ بين افراد المجتمع الصيني من خلال اثارة الفوضى والمشاكل التي تنعكس سلبا على استقرار البلاد السياسي والاجتماعي . 
7- الحفاظ على الوحدة الوطنية وتعزيز التضامن العرقي ومنع التمييز وممارسة القمع ضد اي مجموعة عرقية في الصين . 
8- محاربة الارهاب والتطرف الديني والنزعات الأنفصالية القائمة على اساس عرقي وديني . 
9- محاولة زرع الاستقرار والتماسك المجتمعي في مناطق الأقليات . 
10- حماية التنوع الثقافي في البلاد ومنع محاولات خلق صراع عرقي من خلال اتخاذ تدابير تدعم التكامل الثقافي والمجتمعي في مناطق الاقليات وتعزيز التنمية الاقتصادية فيها . 
11- توفير اطار قانوني لتعزيز التبادلات والتفاعلات والتكامل بين المجموعات العرقية . 
12- ايجاد ضمانات مؤسسية لتعزيز اللغة الوطنية المشتركة بين مختلف المجموعات العرقية مع احترام اللغات والثقافات المحلية وضمان الحق في دراستها وممارستها . 
ان قانونا يدعم التنمية المشتركة بين المجموعات العرقية ويعزز الجهود التي تبذلها الحكومة الصينية لحماية الثقافات العرقية والحفاظ عليها والابتكار فيها كفيل بتعزيز ودعم التطور في المجتمع الحديث وحماية التماسك الاجتماعي والوحدة الوطنية بوصفها مسؤولية اساسية للدولة للحفاظ على الوحدة الوطنية وتعزيز الاستقرار الاجتماعي . 
ان المنظور الصيني للقانون الجديد يعتمد في جوهره على حقيقة اساسية بأن الوحدة لا تعني القضاء على الاختلاف وأنما هي تخلق فرص جديدة للثقافات المتنوعة في البلاد الحفاظ على هوياتها والتواصل مع بعضها البعض من اجل المساهمة في بناء مستقبل مشترك للصين . 
لقد ساهتت سياسة الصين المتسامحة مع المجموعات العرقية قبل اصدار قانون الحرية العرقية وتعزيز التقدم في تطوير وتقدم المناطق التي تسكنها المجموعات العرقية ، اقتصاديا : من خلال تخصيص الحكومة المركزية اكثر من (562,2) مليار دولار سنويا اي اكثر من (4) تريليون يوان صيني لمنطقة شينجيانغ فقط منذ عام 2012 وذلك من اجل تطوير هذه المقاطعة عبر اقامة نظام صناعي حديث والانفتاح على الدول والمناطق المجاورة بهدف جعلها بوابة الصين نحو منطقة وسط آسيا ، حيث ارتفع عدد شركائها التجاريين والاقتصاديين من عدد محدود في خمسينيات القرن العشرين الى 211 دولة ومنطقة في عام 2024 ، واجتماعيا : من خلال ادارتها للشؤون الديتنية لتكون متوافقة مع المجتمع الاشتراكي وتعزيز الصحة العامة حيث ارتفع متوسط عمر المقيمين في مقاطعة شينجيانغ وحدها من 30 سنة في عام 1949 الى 77 سنة في عام 2024 ، وثقافيا : من خلال وضع الحكومة خططا لحماية التراث الثقافي الاقليمي ، واصدار لوائح محلية لتعزيز الضمانات القانونية للحفاظ على هذا التراث ، وبحلول عام 2024 بلغ عدد المؤسسات المعنية بحماية التراث 195 مؤسسة  مع وجود 150 متحف مسجل و9545 اثر ثقافي مسجل وثابت من بينها 6 مواقع ذات تراث ثقافي عالمي و133 موقع اثري تحت حماية الدولة ، وسياسيا : من خلال بناء وتقوية اسس السلام والاستقرار عبر التحول من الفوضى الى الحكم الرشيد . 
ورغم الانتقادات التي وجهتها الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة للقانون الجديد من منطلق الحفاظ على حقوق الانسان وحماية المجموعات لعرقية والتي اثبتت اي هذه الدول في اكثر من موقع وقضية عدم التزامها بها بل وكانت احد المساهمين في خرقها وليس الحرب على غزة (2023-2025) الا دليل واضح على معاييرها المزدوجة في هذا الموضوع ، الا ان الصين سعت عبر قانونها الجديد الى توافق احكامه الى حد كبير مع المبادئ الاساسية للقانون الدولي لحقوق الانسان ومنها المساواة وعدم التمييز المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والاتفاقية الدولية للقضاء على كافة اشكال التمييز العنصري ، فالوحدة من خلال التنوع التي تشدد عليها الصين من خلال قانونها الجديد تتعارض مع النماذج الغربية للتعامل مع المجموعات القومية وادارة شؤونها المبنية على الاستعلاء . 
وفي ظل تصاعد النشاطات المتطرفة وخاصة في منطقة الشرق الاوسط  تجد الصين انها بحاجة ماسة لحماية نفسها من هذا التطرف وتداعياته على وحدتها القومية في ظل مؤشرات تؤكد محاولة الولايات المتحدة التدخل بالشؤون الداخلية للصين مستغلة المجموعات العرقية على اعتبار انها اي هذه المجموعات تمثل خاصرة رخوة تستطيع الولايات المتحدة من خلالها النفاذ الى داخل الصين وبناء سياسات تمكنها من اثارة اضطرابات وفوضى عبر دعمها للقوى الانفصالية ومن ثم خلق صراع عرقي يمكن ان يؤدي الى حالة من زعزعة الاستقرار الداخلي وتمزيق المجتمع وتشظيه .

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z