متى يُفضِّل الشباب ريادة الأعمال على الوظيفة؟

 

 

 

 

علي بن محمد بن جمعة اللواتي

يتلقّى شاب عرضًا لوظيفة براتب منتظم، وفي الوقت نفسه يحمل فكرة مشروع يعتقد أن لها فرصة في السوق. يجلس ليقارن بين الطريقين، لكنه لا يُقارن دخلًا بدخل فقط؛ بل يقارن حياتين محتملتين: راتبًا يرتّب التزاماته على أساسه، ومسارًا تطمئن إليه أسرته؛ في مقابل مشروع قد يمنحه استقلالًا ودخلًا أكبر، لكنه قد يستهلك مدخراته ويحمّله مسؤوليات لم يختبرها من قبل.

وحين يختار الوظيفة، قد يجد من يقول إنه يفتقر إلى الجرأة. غير أنَّ هذا الحكم يتجاوز سؤالًا أساسيًا: هل كانت الفرصة تستحق المخاطرة فعلًا؟ فتشجيع الشباب على المبادرة يبدأ بفهم ثلاثة أسئلة تشغل تفكيرهم: ماذا سأكسب؟ وماذا أخسر إن فشلت؟ وهل أستطيع توقّع الطريق؟

وتختلف الإجابة باختلاف الظروف. فمن يملك سندًا ماليًا يتيح له المحاولة من جديد، يختلف عمّن تنتظر أسرته أول راتب يحصل عليه. وقد يحمل الاثنان القدر نفسه من الطموح والكفاءة، لكن قدرتهما على تحمّل الخسارة ليست واحدة. وما يبدو ترددًا قد يكون تقديرًا مسؤولًا لالتزامات لا يراها الآخرون.

ماذا سأكسب؟

تبدأ الإجابة من فرصة حقيقية في السوق. فحبّ النشاط لا يكفي لبناء مشروع؛ لا بد من عميل يرى في المنتج أو الخدمة قيمة تستحق الدفع، وتصبح الفكرة أقرب إلى فرصة تجارية حين يعرف الشاب من سيشتري منه، ولماذا سيختاره، وما الذي سيبقى له بعد تغطية تكاليفه.

ثم يقارن الربح المتوقع بما سيتركه من راتب ومزايا، وبما سيتحمّله من عمل ومسؤوليات ورأس مال معرّض للخسارة. وقد يقبل دخلًا أقل في البداية إذا رأى طريقًا إلى بناء شركة يملكها، تنمو وتزداد قيمتها، ويكون له فيها مجال أوسع لاتخاذ القرار وتحقيق أفكاره. أما إذا بدا أن المشروع سيمنحه دخل الموظف تقريبًا، مع أعباء أكبر وآفاق محدودة، فإن اختياره الوظيفة يصبح مفهومًا.

وتدخل في المقارنة طبيعة الحياة التي تنتظره. فصاحب المشروع يبحث عن العملاء، ويتابع التحصيل، ويواجه الشكاوى، ويتحمّل تبعات أخطاء العاملين وقرارات يتخذها بمعلومات ناقصة. وقد يكتشف أن المنافسة أشد مما تصوّر، وأن نشاطه يخضع لتشريعات واشتراطات لم يكن ملمًّا بتكاليفها والتزاماتها. وبين عميل يتأخر في السداد، ومورّد يطالب بمستحقاته، ورواتب يحين موعدها، قد يؤجّل دخله الشخصي كي يستمر العمل. ولا تنتهي مسؤولياته بانتهاء الدوام؛ فقد يحمل قلق المشروع إلى بيته، ويجد نفسه أقل حرية مما كان في الوظيفة. لذلك، يحتاج إلى فهم واقعي لما ينتظره، ورغبة في بناء العمل تتجاوز ضيقه بوظيفته الحالية.

وينظر الشباب إلى تجارب أصحاب الشركات القريبين منهم، وإلى ما إذا كانت جهودهم تمنحهم حياة أفضل وقدرة على النمو، أم تستنزفهم عامًا بعد آخر. ولهذا، فإن تحسين أوضاع الشركات القائمة جزء أساسي من تشجيع المشروعات الجديدة؛ فالشباب يرون فيها صورة محتملة لمستقبلهم، والتجربة القريبة أكثر إقناعًا من حملات التوعية.

ويشمل ذلك الاعتراف بأهمية الربح وحق صاحب الشركة في ثمرة جهده. فنحن نطلب منه أن يوظّف ويدرّب ويبتكر ويتوسع، وهذه التزامات تحتاج إلى أرباح تموّلها، مثلما يحتاج هو إلى دخل يحسّن معيشته ويعزّز أمان أسرته.

لكن الربح لا يكفي إذا ظل محبوسًا في مستحقات متأخرة. ففي أستراليا، تحدّد سياسة سداد مستحقات الموردين لدى الجهات الحكومية الاتحادية المشمولة مهلة تبلغ عادةً عشرين يومًا تقويميًا بعد استلام فاتورة صحيحة والإقرار بالتسليم المقبول. وتنخفض المهلة إلى خمسة أيام عند استخدام الفوترة الإلكترونية المستوفية للشروط والمتفق عليها، مع أحكام لفوائد التأخير. فانتظام السداد يخفّض حاجة الشركات إلى تمويل الرواتب والمشتريات من مدخرات أصحابها أو من الاقتراض.

وتبقى مسألة الوصول إلى السوق. فقد يحصل الشاب على تدريب وتمويل ومقر، ثم يواجه السؤال الذي يحدّد مصير مشروعه: أين العملاء؟ فالتمويل يساعده على شراء المعدات، لكنه لا يثبت وجود من سيشتري إنتاجها. ولهذا، تستحق تهيئة الشركات الصغيرة للتوريد، وإتاحة فرص تعاقد تناسب قدراتها، وعدالة المنافسة، اهتمامًا يوازي الاهتمام بتأسيسها.

ويمكن للحكومة والشركات الكبرى أن تسهم بإسناد بعض الأعمال إلى المؤسسات الجديدة، عبر إجراءات واضحة ومبسّطة، وشروط تأهيل تتناسب مع حجم الأعمال ومخاطرها، مع الحفاظ على الجودة والمساءلة. فالعقد الأول يمنح المؤسسة إيرادًا وخبرة وسجلّ أعمال يساعدها على كسب عملاء جدد، ويحوّل دعم بدايتها إلى فرصة فعلية للاستمرار والنمو.

ماذا أخسر إنْ فشلتُ؟

هناك فرق بين خسارة يستطيع الشاب احتواءها والتعلّم منها، وخسارة تمتد إلى استقرار أسرته وتقيّد خياراته لسنوات. وإذا ارتبط التمويل بضمانات شخصية واسعة، فقد تتجاوز تبعات التعثر الأموال التي خصصها للمشروع إلى أصول أخرى في حياته.

عندها، لا يكفي أن نقول له إن الفشل تجربة يتعلم منها. فالتعلّم وحده لا يسدّد دينًا، ولا يعوّض أسرة فقدت مصدر أمانها. وتصبح الدعوة إلى تقبّل الفشل مقنعة حين توجد سبل عملية لتسوية الالتزامات، وإغلاق النشاط المتعثر، والعودة إلى العمل أو بدء محاولة جديدة.

ويقدّم التوجيه الأوروبي بشأن إعادة الهيكلة والإعسار مثالًا على ذلك؛ إذ يلزم الدول الأعضاء بإتاحة مسار لإبراء ذمة رواد الأعمال المعسرين من ديونهم خلال مدة لا تتجاوز ثلاث سنوات، وفق قواعد احتساب وشروط واستثناءات محددة. كما يتناول إعادة الهيكلة الوقائية للمشروعات القابلة للاستمرار. والمبدأ هنا هو إتاحة فرصة ثانية مع حفظ حقوق الدائنين والتمييز بين التعثر الناتج عن محاولة جادة والتلاعب أو التهرّب.

وقد تبدأ تهيئة طريق العودة قبل تأسيس المشروع. ففي فرنسا، يستطيع العامل في القطاع الخاص، بشروط، الحصول على إجازة لتأسيس مشروع. وهي غير مدفوعة في الأصل، لكنها تتيح له عند انتهائها العودة إلى وظيفته السابقة أو وظيفة مماثلة بأجر لا يقل عن السابق، وفق الضوابط المقررة. وبذلك يستطيع تجربة المشروع مع الاحتفاظ بمسار للعودة.

وللمجتمع دور أيضًا. فالشاب قد يخشى خسارة مكانته بقدر خشيته خسارة ماله، خصوصًا إذا عومل إغلاق المشروع بوصفه حكمًا على كفاءته وشخصيته. وحين يستطيع العودة إلى الوظيفة دون أن تُعدّ محاولته وصمة، تتسع أمامه مساحة التجربة.

هل أستطيع توقّع الطريق؟

يتحمّل صاحب المشروع أصلًا عدم اليقين المرتبط بالطلب والمنافسة والأسعار. وتزداد صعوبة قراره إذا أضيف إليه غموض الإجراءات، أو تفاوت تفسير الاشتراطات، أو تغيّر الالتزامات دون وقت كافٍ للاستعداد.

لنفترض شابًا حسب تكاليف مشروعه، ثم واجه بعد أشهر اشتراطات جديدة تستلزم نفقات لم يتوقّعها. لن ينظر إلى الزيادة وحدها؛ بل سيتساءل عمّا قد يتغيّر لاحقًا، ومدى إمكان الاعتماد على حساباته. وحين ينقل تجربته إلى أقرانه، تدخل هذه الشكوك في قراراتهم أيضًا.

ولهذا، يساعد وضوح القواعد، والتشاور قبل التغييرات المؤثرة، والتدرّج في تطبيق الالتزامات الجديدة حيثما أمكن، على جعل الريادة خيارًا قابلًا للتخطيط. وقد تكون هناك أسباب وجيهة لتعديل القواعد، لكن طريقة التعديل وتوقيته يدخلان في حساب تكلفة ممارسة الأعمال.

وتهمّ الشاب أيضًا طريقة التعامل مع الخطأ؛ ففي فرنسا، يتيح مبدأ «الحق في الخطأ»، الذي أُقرّ عام 2018، تصحيح بعض المخالفات الإدارية لأول مرة أو الأخطاء المادية بحسن نية، دون توقيع العقوبات المشمولة، سواء بمبادرة الشخص أو استجابةً لطلب الإدارة خلال المهلة المحددة. وتوجد استثناءات، منها ما يتعلق بالصحة والسلامة والبيئة. وقيمة هذا المبدأ أنه يفسح مجالًا للتصحيح دون إسقاط واجب الالتزام.

أيُّ ريادةٍ نُريد تشجيعها؟

لا يعني كل مشروع جديد أن صاحبه فضّل الريادة على الوظيفة. فمن يبدأ مشروعًا لغياب وظيفة مناسبة قد يكون مدفوعًا بضيق البدائل أكثر من انجذابه إلى فرصة واضحة. وقد ينجح ويتوسع، لكن مجرد تسجيل نشاطه لا يكشف عن جاذبية بيئة الأعمال. ولهذا، ينبغي فهم دوافع التأسيس، حتى لا نخلط بين اتساع الفرص وقلة البدائل.

ولا يحتاج المجتمع إلى أن يصبح جميع شبابه رواد أعمال؛ فهو يحتاج كذلك إلى موظفين مهرة ومديرين ومتخصصين. وقد تكون الوظيفة مرحلة إعداد للمشروع، يكتسب فيها الشاب خبرة وعلاقات ومدخرات. والمهم أن تتاح له خيارات جيدة، وأن يستطيع الانتقال بينها بحسب قدراته وظروفه.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن تُقيَّم على أساسه جهود التشجيع: هل أصبحت ريادة الأعمال خيارًا أفضل للشباب؟ لا تكفي للإجابة زيادة عدد الشركات المسجّلة؛ بل ينبغي النظر إلى قدرتها على توفير دخل مجزٍ لأصحابها والاستمرار والنمو.

نعود إلى الشاب الذي يوازن بين الوظيفة والمشروع. إنه يضع في المحاولة مدخراته وسنوات من عمره وطمأنينة أسرته. ويرجّح كفّة الريادة حين يرى فرصة تستحق جهده ومخاطرته، وقواعد يستطيع التخطيط على أساسها، وخسارة لا تغلق أمامه أبواب المستقبل. وحين ندعوه إلى هذه الخطوة، علينا أن نقدّم له ما هو أعمق من الحماسة: فرصة عادلة لأن يثمر عمله، وأن يكبر نجاحه، وأن يستطيع النهوض إذا تعثّر.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z