النهج السامي

 

◄ الاهتمام السامي بالدقم يدعم جهود ترسيخ مكانتها كمركز اقتصادي ولوجستي

◄ الدقم قادرة على قيادة جهود التنويع الاقتصادي ودعم النمو

◄ مواصلة تطوير الدقم تُحقق الاستفادة المُثلى من موقعها الاستراتيجي

حاتم الطائي

قبل نحو ما يزيد عن 15 عامًا، صدر المرسوم السلطاني القاضي بإنشاء المنطقة الاقتصادية الخاصة في الدقم، في تحول استراتيجي استهدف تعزيز خطط واستراتيجيات التنويع الاقتصادي، من خلال التوجه نحو جذب الاستثمارات في القطاعات غير النفطية، وتوظيف الموقع الاستراتيجي لعُمان لإطلاق أنشطة اقتصادية تقود النمو الاقتصادي.. ومنذ ذلك الحين، والعمل لا يتوقف في الدقم؛ حيث أُنجزت البنية الأساسية على أعلى مستوى ووفق المعايير العالمية، وشهدنا توسعًا كبيرًا في العديد من المشروعات بمختلف القطاعات.

وخلال الأسبوع الماضي، تشرَّفتْ الدقم بزيارة سامية كريمة من لدن حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظم- حفظه الله ورعاه؛ حيث اطلع جلالته على أبرز المشروعات في المنطقة الاقتصادية الخاصة، ما يُؤكد مدى الاهتمام السامي بهذه المنطقة؛ باعتبارها مركزًا اقتصاديًا ولوجستيًا واعدًا، وهذا الاهتمام انعكس في اكتمال المنظومة التشريعية مع صدور اللائحة التنفيذية لقانون المناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة، بما يُساعد على تطوير وتوحيد المنظومة التشريعية المنظمة للاستثمار في المناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة، خاصة في ظل تنامي الاهتمام الإقليمي والدولي بالدقم، لما تتميز به من موقع استراتيجي، وما تمثله من منفذ بحري مفتوح على مسارات الملاحة الدولية، وبعيداً عن اختناقات الممرات الملاحية الضيقة مثل مضيق هرمز. وقد برهنت المتغيرات الجيواستراتيجية الأخيرة في المنطقة، مدى أهمية الدقم كميناء تصديري ومركز لوجستي واعد، يسهم في تسهيل حركة البضائع، ويمثل مركزًا رئيسيًا في سلاسل التوريد والإمداد على المستويين الإقليمي والدولي.

وقد ازدادت تنافسية الدقم بفضل ما توفره من حوافز وتسهيلات للمستثمرين، وما تتمتع به من بنية أساسية متطورة، وطرق إمداد برية مترابطة، تمثل شرايين حيوية لحركة البضائع والسلع. ولذلك عندما نقرأ الإحصائيات المتعلقة بمنطقة الدقم، نكتشف أنَّ حجم الاستثمار التراكمي الملتزم به في المنطقة الخاصة قد تجاوز 8.8 مليار ريال عُماني، بنهاية يونيو الماضي، وإذا ما عقدنا مقارنة لهذا الرقم مع الأرقام المسجلة قبل خمس سنوات فقط، يتضح أن حجم الاستثمارات قد قفز بحوالي 141%، أي ما يقترب من 1.5 ضعفًا، بفضل ما تشهده المنطقة من تحسينات في بيئة الاستثمار، وتكاتف الجهود من أجل جذب المزيد من الاستثمارات، والإجراءات المتواصلة لتسهيل رحلة المستثمر، خاصة مع تفعيل المحطة الواحدة، وتوظيف التقنيات الرقمية في إنجاز المعاملات، وخلق بيئة استثمارية مواتية.

ومن هنا نؤكد مدى الحاجة الماسة للتركيز على الدقم، فرغم ما تحقق من منجزات تتعلق بالبنية الأساسية، إلّا أنَّ المتغيرات من حولنا تفرض علينا مزيدًا من التطوير، وأخص بالذكر هنا ضرورة تطوير ميناء الدقم، بما يواكب متطلبات المرحلة، سواء من حيث تعميق الميناء وتوسعته، وبناء المزيد من الرافعات، بما يضمن تطوير قدرات الميناء والارتقاء بكفاءته.

وإلى جانب هذه الميزات، فإنَّ أكبر ميزة تتسم بها المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم، أنها تمثل أكبر تجمع اقتصادي متكامل في السلطنة، يمتد على مساحة كبيرة تصل إلى 2000 كيلومتر مربع، أي تقريبًا 3 أضعاف دولة مثل سنغافورة، وتضم ميناءً متقدمًا وحوضًا جافًا ومناطق صناعية وحرة، وتحتضن مشروعات في قطاعات الطاقة المتجددة والبتروكيماويات والتصنيع والصناعات التحويلية، وصناعة المركبات، وغيرها من الصناعات الاستراتيجية.

ولقد أكد جلالة السلطان المعظم- أيده الله- أن الدقم مركز اقتصادي ولوجستي واعد، وهذا يعكس حكمة الرؤية السلطانية السامية، التي تستشرف المستقبل وتتيقن من أنَّ الدقم ستكون بوابة عُمان نحو التنويع الاقتصادي، فما تحقق اليوم ما يزال يمثل البداية؛ فالدقم قادرة على أن تكون مركزًا بحريًا رائدًا يُطل على المحيط الهندي، ونقطة التقاء الشرق مع الغرب. وفي ظل التحديات التي تضغط على خطوط الإمداد والتوريد في مضيق هرمز، فإنَّ الدقم تفتح أبوابها لتكون مركز الثقل الاستراتيجي لدول المنطقة، التي يمكنها فتح خطوط ملاحية مع جميع أنحاء العالم لتصدير منتجاتها، وخاصة الاستراتيجية منها، وفي مُقدمتها النفط والغاز.

وفي ظل الربط اللوجستي الذي تتميز به مناطقنا الاقتصادية والخاصة والحرة في عُمان، فإنَّ ربط الدقم مع عدد من المدن والموانئ الخليجية سيُسهم في تعظيم الاستفادة منها، لا سيما مع القرب الجغرافي للدقم من منفذ الربع الخالي الذي يربط سلطنة عُمان مع المملكة العربية السعودية الشقيقة، وإمكانية تحول الطريق البري بين البلدين إلى ممر اقتصادي ولوجستي، مع الوضع في عين الاعتبار آفاق هذا الممر إذا ما أطلقنا شبكة السكك الحديدية بين البلدين، لضمان مرور أسرع وأسهل وأكثر أمانًا للبضائع والسلع.

وما تحتاج إليه الدقم اليوم يتجاوز فكرة الترويج وجذب الاستثمارات، ليشمل توسيع البنية الأساسية وتطويرها وتعظيم الاستفادة من الموقع الاستراتيجي، والسعي لبناء الشراكات مع مختلف الدول، وقد أثبتت التجربة مدى نجاح الشراكة العُمانية الكويتية في بناء مصفاة الدقم، والتي وصلت اليوم إلى مرحلة غير مسبوقة من الإنتاج؛ حيث سجلت إنتاج 255 ألف برميل يوميًا، وهو ما يفوق طاقتها الإنتاجية البالغة 230 ألف برميل في اليوم؛ أي أن الإنتاج وصل إلى نسبة 110%، في تأكيد عملي على كفاءة العمليات التشغيلية. ولا شك أن استقطاب مشروعات مشتركة مع دول متقدمة سيعود بالنفع على اقتصادنا الوطني، ويحقق المُستهدفات المرجوة.

وهنا أطرح فكرة يحدوني الأمل في تنفيذها، ففي ظل التطورات التقنية من حولنا وثورة الذكاء الاصطناعي، أقترح إنشاء مركز تكنولوجي عملاق في الدقم يُضاهي وادي السيلكون في أمريكا، يجمع كبرى شركات تقنية المعلومات حول العالم، ويسمح لها بتصدير إنتاجها للعالم أجمع، لكي تصل إلى العالم شرائح ذكية وهواتف محمولة وبرمجيات مختوم عليها عبارة "صنع في عُمان".

ويبقى القول.. إنَّ الآمال المعقودة على المنطقة الاقتصادية الخاصة في الدقم، تتعاظم يومًا تلو الآخر، في ظل تنامي الأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة الواعدة، وعلينا أن نستغل الزخم الذي تحقق أثناء الزيارة السامية، وأن نعمل على ترجمة الرؤية السامية للدقم، بأن تكون مركزًا اقتصاديًا ولوجستيًا ورافدًا أصيلًا للاقتصاد الوطني، وأن تتكامل الجهود الوطنية للإسهام في مسيرة بناء المنطقة وتنميتها، بما يفتح آفاقًا رحبة للمستقبل، ترجمةً لمُرتكزات رؤية "عُمان 2040"، ولكي يجني أبناؤنا ثمار هذه التنمية الشاملة.

الأكثر قراءة

z