البحر الأحمر.. بوابة مصر الشرقية

 

 

 

محمد السعداوي **

البحر الأحمر الممر الرئيسي المهم الذي يربط الشرق بالغرب عبر مضيق باب المندب جنوباً وقناة السويس شمالاً، ويصل المحيط الهندي وبحر العرب بالبحر الأبيض المتوسط، لذلك فإن الأهمية الاستراتيجية، لهذا الشريان البحري الرئيسي تكمن في أن 12% من حركة التجارة العالمية تمر به و30% من حركة الحاويات، كما يعتبر ممراً رئيسياً لنقل شحنات النفط والبضائع بين آسيا، وأفريقيا، وأوروبا، وأمريكا.

أما عن الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر بالنسبة لمصر، فعلى مدار التاريخ تنامت تلك الأهمية وزادت مع حدوث التوترات الإقليمية والدولية. فيُعد البحر الأحمر أحد الدوائر المهمة للأمن القومي المصري، باعتباره المنفذ الشرقي لمصر مع العالم، فمن ناحية الجنوب وعبر باب المندب ترتبط مصر بالدول الأفريقية والآسيوية، وفي الشمال وعن طريق قناة السويس، الممر الإستراتيجي وأقصر ممر ملاحي لنقل البترول العربي إلى الدول الأوروبية والولايات المتحدة، ترتبط مصر بأوروبا والأمريكتين.

لذلك فلقناة السويس أهمية اقتصادية وجغرافية كبيرة بوصفها مصدرًا مهمًّا للعملة الصعبة لمصر، لا تقل عن الأهمية الاستراتيجية والعسكرية، فمصر تدرك تماماً أن أمنها في البحر الأحمر يرتبط مع أمن الدول الأخرى المطلَّة عليه وهي السعودية، والسودان، والأردن، واليمن، وجيبوتي، وأريتريا، والصومال.

إن البحر الأحمر وباب المندب منفذان دوليان، يصعب التحكم فيهما بصورة منفردة لأي دول مشاطئة.

والآن ومع سيطرة الحوثيين على أجزاء واسعة من الساحل الغربي لليمن ووصولهم إلى مضيق باب المندب، زادت هواجس مصر حول أمن البحر الأحمر، وتأثير ذلك على الأمن القومي المصري، فمنذ العام 2015 زاد التوتر في اليمن مع دخول بعض القوات الخليجية وبداية عملية عاصفة الحزم، لمُواجهة الحوثيين الذين شكلوا تهديدًا مباشراً لحركة الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وهو التهديد الذي تصاعد مع بدء طوفان الأقصى.

لذلك نعتقد أنَّ الاهتمام المصري بالتطورات في اليمن يرتكز على أمرين: الأول الرغبة في التصدي للتهديد الحوثي في البحر الأحمر وعدم إعاقة الملاحة فيه، والثاني مساعدة حلفائها في دول الخليج؛ حيث ربطت مصر أمنها بأمن الدول الشقيقة.

وفي الوقت نفسه لا ترغب مصر في التورط في حرب برية في اليمن قد تُعيد للذاكرة التجربة المريرة لمُشاركتها بالحرب اليمنية (1962-1970)؛ والتي خسرت فيها أكثر من 26 ألف جندي، وكانت السبب المباشر في نكسة 1967، لذلك لم تشارك مصر في التحالف ضد الحوثيين في 2015، واكتفت بدورها البحري لتأمين الملاحة في البحر الأحمر وعبر قناة السويس.

وعملت مصر على تطوير أسطولها البحري وزيادة تمركزها بتأسيس قاعدة "برنيس" العسكرية على البحر الأحمر، بما يمنحها قدرة على التدخل السريع وحماية الملاحة فيه، وتأمين قناة السويس والساحل الشرقي لمصر.

وهناك تهديد آخر للملاحة في البحر الأحمر يتمثل في التعاون الإسرائيلي الأثيوبي والتدخل في أرض الصومال بهدف إيجاد منفذ لها على البحر الأحمر. لكن مصر نجحت حتى الآن في تحجيم المحاولات الإثيوبية لإيجاد منفذ لها على البحر الأحمر، وإن كانت إثيوبيا لم تستسلم وما زالت تحاول.

إنَّ هذه التطورات المتصاعدة في البحر الأحمر وباب المندب، تجعل مصر مطالبة بإدارة هذا الملف بحكمة، لضمان حرية ​الملاحة ورفض أي ​محاولات تهدف الى عسكرته أو السيطرة عليه.

لذلك دعا الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، في قمة مجموعة "بريكس" بالهند، إلى الحفاظ على حرية الملاحة في الممرات الدولية، في ظل التطورات الراهنة، ولا سيما مع مرور حجم كبير من حركة التجارة الدولية عبر البحر الأحمر وقناة السويس.

** كاتب وناشر مصري

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z