جنوب الشرقية تستقبل عاهل البلاد المفدى

 

محمد بن سلطان الساعدي

في عُمان، زيارة جلالة السلطان المعظم إلى ولاية أو محافظة ليست مجرد مرورٍ لموكبٍ رسميٍ، ولا هي مناسبة عابرة تنتهي بانتهاء الطريق الذي يسلكه الموكب؛ فهناك معنى آخر لهذه الزيارات، معنى يرتبط بالقرب من الناس، والوقوف على أحوالهم، والنظر إلى تفاصيل المكان من الداخل، بعيدًا عن التقارير التي تصل إلى المكاتب والملفات التي تحملها الجهات الحكومية.

ومن هنا تأتي زيارة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم إلى عدد من ولايات محافظتي الوسطى وجنوب الشرقية، التي بدأت اليوم، في وقت تشهد فيه المحافظات العُمانية مسارًا متواصلًا من التطوير والخدمات والمشروعات. فالزيارة، بحسب ما أعلن، تأتي في إطار متابعة برامج التطوير والتحديث، والارتقاء بالخدمات التنموية والاجتماعية، والاستفادة من المقومات الطبيعية والسياحية التي تتميز بها هذه الولايات.

وجنوب الشرقية ليست محافظة عادية في خارطة عُمان.. هي مساحة واسعة من الحكاية العُمانية، تمتد من البحر إلى الصحراء، وتحمل في مدنها وولاياتها تاريخًا طويلًا من العمل والحياة والتجارة والبحر والزراعة، وفي الوقت نفسه تقف اليوم أمام فرص جديدة يمكن أن تجعل من مقوماتها الطبيعية والجغرافية والاقتصادية أساسًا لمراحل أخرى من التنمية.

ولذلك فإن وجود جلالة السلطان في هذه الأرض يحمل في نفوس أبنائها شعورًا خاصًا؛ فالناس بطبيعتهم يحبون أن يروا قائدهم بينهم، وأن يشعروا بأن المكان الذي يعيشون فيه حاضر في اهتمام الدولة، وأن ما يشغلهم من قضايا وتطلعات يجد طريقه إلى دائرة الاهتمام والمتابعة.

ولعل أجمل ما في هذه الزيارات أنها تجعل العلاقة بين القيادة والمكان أكثر وضوحًا؛ فجلالة السلطان لا يرى عُمان من العاصمة وحدها، وإنما يقترب من المحافظات والولايات، ويرى الطرق والمشروعات ومواقع العمل، ويشاهد حركة الناس، ويتعرف على احتياجات كل منطقة وفق طبيعتها وظروفها.

وجنوب الشرقية لها خصوصيتها التي تستحق أن تُقرأ بعناية؛ فولاية صور، بتاريخها البحري المعروف، ليست مجرد مدينة ساحلية، بل جزء من ذاكرة عُمان البحرية، وكذلك جعلان بني بوعلي وجعلان بني بوحسن والكامل والوافي، لكل واحدة منها طبيعتها ومجتمعها واحتياجاتها وفرصها. وتزداد أهمية هذه الخصوصية عندما نتحدث عن التنمية، لأن التنمية الحقيقية لا تعني أن تكون المشروعات متشابهة في كل مكان، وإنما أن يعرف كل مكان ما الذي يحتاج إليه، وما الذي يستطيع أن يقدمه لعُمان.

وفي جنوب الشرقية، لا تنقص المقومات. البحر حاضر، والسياحة حاضرة، والزراعة موجودة، والثروة الحيوانية والسمكية لها مكانها، وهناك مواقع طبيعية تمتلك قدرة كبيرة على جذب الزائر، إلى جانب الإنسان العُماني الذي يعرف كيف يتعامل مع بيئته ويحافظ على عاداته وموروثه.

وقد شهدت ولايات في المحافظة خلال الفترة الأخيرة تنفيذ مشروعات في الطرق والخدمات والبنية الأساسية والاستثمار والسياحة. ففي جعلان بني بوعلي، على سبيل المثال، تتواصل مشروعات للطرق الداخلية والطريق التجاري والساحلي في أصيلة، كما يتواصل تطوير الواجهة البحرية في الأشخرة، وهي مشروعات تعكس جانبًا من الحركة التنموية التي تشهدها المحافظة.

لكن المواطن لا ينظر إلى التنمية من خلال أرقام المشروعات وحدها. المواطن يريد أن يرى أثر المشروع في حياته اليومية. يريد طريقًا آمنًا، وخدمة صحية قريبة، ومدرسة مناسبة، وفرصًا اقتصادية، ومرافق تخدم أبناء الولاية، ومساحات يستطيع فيها الشباب أن يبدأوا أعمالهم ومشروعاتهم.

وهنا يصبح حضور جلالة السلطان في المحافظة فرصة لأن تُرى هذه التفاصيل كما هي على الأرض× فالمسؤول الذي يقرأ تقريرًا عن طريق قد يعرف نسبة الإنجاز والتكلفة، لكن رؤية الطريق وحركة الناس عليه تعطي صورة أخرى. والحديث عن موقع سياحي قد يكون واضحًا في ملف، لكن الوصول إليه ومشاهدة المكان ومعرفة ما يحتاجه من خدمات ومرافق يعطي تصورًا أكثر قربًا من الواقع.

وهذا هو المعنى الأهم في الزيارات الميدانية؛ أن تخرج التنمية من الورق إلى الأرض.

إن جنوب الشرقية لا تبحث عن التنمية من أجل التنمية فقط، وإنما تريد تنمية تحفظ شخصية المكان؛ فالواجهة البحرية في الأشخرة، مثلًا، ليست مجرد مشروع تجميلي، والطرق ليست مجرد إسفلت، والمواقع السياحية ليست مجرد أماكن تُلتقط فيها الصور. كل مشروع يمكن أن يصبح جزءًا من حياة الناس واقتصادهم إذا أُحسن التخطيط له وربطه بالمجتمع المحلي.

والسائح الذي يأتي إلى جنوب الشرقية لا يأتي فقط من أجل البحر أو الرمال أو المناظر الطبيعية. هو يبحث أيضًا عن تجربة عُمانية حقيقية، عن المكان وأهله وطعامه وحرفته وذاكرته وقصته. وهذه عناصر لا يمكن أن تصنعها المشاريع وحدها، وإنما يصنعها أبناء المكان.

ومن هنا فإن دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والشباب وأصحاب الحرف والمشروعات السياحية المحلية يمكن أن يكون جزءًا مهمًا من المرحلة القادمة. فالولاية التي تستقبل السائح يجب أن يكون لأبنائها نصيب واضح من الحركة الاقتصادية التي يصنعها هذا السائح.

 

وجنوب الشرقية تملك في هذا الجانب فرصًا كثيرة، لكنها تحتاج إلى تنظيم واستثمار جيد وتسويق يعرف كيف يقدم المكان دون أن يفقده طبيعته.

 

وهناك جانب آخر لا يقل أهمية، وهو البحر.

 

فالحديث عن جنوب الشرقية لا يمكن أن ينفصل عن البحر. البحر كان مصدر رزق ووسيلة اتصال بالعالم، وخرج منه رجال عرفوا السفر والتجارة والصيد وبناء السفن. واليوم يمكن للبحر أن يكون أيضًا جزءًا من الاقتصاد السياحي والاستثماري، مع المحافظة على الثروة السمكية والبيئة البحرية.

وهنا تبرز أهمية أن تتعامل التنمية مع التاريخ والبيئة والاقتصاد باعتبارها عناصر متصلة وليست ملفات منفصلة؛ فالمدينة التي لها تاريخ بحري يمكن أن تستثمر هذا التاريخ في السياحة والثقافة. والقرية التي تمتلك شاطئًا جميلًا يمكن أن تستفيد منه دون الإضرار بالبيئة. والولاية التي تشتهر بمنتج زراعي أو حرفة تقليدية يمكن أن تحول هذا التراث إلى مشروع اقتصادي لأبنائها.

 

وهذا النوع من التنمية هو الذي يجعل المواطن يشعر بأن المشروع جاء من أجل المكان وليس فقط من أجل المكان على الورق.

إن زيارة جلالة السلطان إلى جنوب الشرقية تفتح كذلك بابًا للحديث عن الشباب؛ فشباب المحافظة اليوم يختلفون عن شباب الأمس من حيث التعليم والمهارات والطموحات. كثير منهم يبحث عن فرصة، وبعضهم لديه فكرة مشروع، وبعضهم يمتلك مهارة لكنه يحتاج إلى من يساعده في تحويلها إلى عمل مستقر.

والتنمية التي تصل إلى الشباب هي التي تبقى آثارها سنوات طويلة.

ولذلك فإن كل مشروع جديد في المحافظة يمكن أن يكون له بعد آخر، وهو: كم فرصة عمل يمكن أن يصنع؟ وكم مؤسسة محلية يمكن أن تستفيد منه؟ وكيف يمكن أن يدخل الشاب العُماني في سلسلة العمل والاستثمار المرتبطة به؟

هذه الأسئلة مهمة لأنها تجعل التنمية مرتبطة بالإنسان، والإنسان هو أساس أي مشروع تنموي.

وإذا كانت الزيارة السلطانية تحمل في جانب منها متابعة للمشروعات، فإنها تحمل في جانب آخر رسالة معنوية لأبناء المحافظة. رسالة تقول إن المحافظات والولايات جزء أساسي من اهتمام الدولة، وإن المسافة بين مسقط وأقصى ولاية في عُمان لا تعني أن هناك مكانًا بعيدًا عن الاهتمام.

ولعل مشهد المواطنين وهم يقفون على الطرق لاستقبال جلالة السلطان يعبّر عن علاقة لا تحتاج إلى كثير من الكلام. لقد اعتاد العُمانيون أن يعبّروا عن مشاعرهم ببساطة، بالفن الشعبي، وبالتحية، وبالوقوف على جانبي الطريق. وقد شهدت الزيارة السابقة لجلالة السلطان إلى عدد من ولايات شمال وجنوب الشرقية في أبريل الماضي اصطفاف المواطنين على الطريق للترحيب بالموكب السلطاني.

واليوم يتجدد المشهد، لكن المكان مختلف، والمرحلة مختلفة، والاحتياجات تتطور مع الزمن.

جنوب الشرقية اليوم تريد أن تنظر إلى المستقبل وهي تحمل تاريخها معها. لا تريد أن تتخلى عن البحر من أجل التنمية، ولا عن التراث من أجل السياحة، ولا عن الزراعة من أجل العمران. المطلوب هو أن تتكامل هذه العناصر بحيث يصبح التطوير امتدادًا للمكان وليس تغييرًا لهويته.

وهذا أمر يمكن أن يتحقق عندما تكون خطط التنمية قريبة من الواقع المحلي، وعندما يكون أبناء المحافظة جزءًا من صناعة القرار المتعلق بمناطقهم، وعندما تُسمع أصوات أصحاب الخبرة وأصحاب المشاريع والشباب وأهل البحر والمزارعين وأهل السياحة؛ فالإنسان الذي يعيش في المكان يعرف أشياء قد لا تظهر في التقارير. ويعرف أين يحتاج الطريق إلى تحسين، وأين يمكن أن يقام المشروع، وما الذي ينجح وما الذي لا ينجح، وما الذي يحتاجه السائح، وما الذي يحتاجه المواطن. ولذلك فإن التنمية التي تستفيد من معرفة أهل المكان تكون أقرب إلى النجاح والاستمرار.

ومن جنوب الشرقية يمكن أن نرى صورة واضحة لعُمان التي تتغير بهدوء. طرق جديدة، ومشروعات، واهتمام بالسياحة، وتطوير للخدمات، ومحاولة للاستفادة من الموارد الطبيعية، وفي المقابل مجتمع يريد أن يرى نتائج هذا التطوير في حياته اليومية.

وهنا لا بُد من القول إن التنمية ليست سباقًا في عدد المشاريع، وإنما هي قدرة على تحويل المشروع إلى قيمة حقيقية للناس؛ فالطريق الذي يختصر المسافة بين قريتين قيمة، والمرفق الصحي الذي يوفر على المواطن رحلة طويلة قيمة، والمشروع السياحي الذي يفتح باب رزق لشاب عُماني قيمة، والواجهة البحرية التي تنشط الحركة الاقتصادية وتحافظ على جمال المكان قيمة.

هذه هي التفاصيل التي تصنع الفرق في حياة الناس.

ولذلك فإن زيارة جلالة السلطان إلى جنوب الشرقية يمكن أن تُقرأ من زاوية أوسع من كونها زيارة تفقدية. إنها لقاء مع مكان له تاريخه، ومع مجتمع له تطلعاته، ومع مرحلة جديدة من العمل الوطني تحتاج إلى أن تتكامل فيها جهود الحكومة والمجتمع والقطاع الخاص.

وجنوب الشرقية تستحق أن تكون حاضرة في هذا المسار بما تملكه من مقومات، وبما يملكه أبناؤها من خبرة ومعرفة وحب للمكان.

ومن صور إلى جعلان، ومن الساحل إلى الداخل، ومن البحر إلى الصحراء، تبقى الحكاية واحدة: عُمان التي تريد أن تتقدم دون أن تنسى ذاكرتها.

وحين يزور جلالة السلطان هذه الأرض، فإن أهلها لا يستقبلون فقط شخصًا يجلس على قمة هرم الدولة، وإنما يستقبلون قائدًا يرون في حضوره اهتمامًا بمكانهم، وبمستقبل أبنائهم، وبما يمكن أن تكون عليه ولاياتهم في السنوات القادمة.

إن أجمل ما يمكن أن تخرج به جنوب الشرقية من هذه الزيارة ليس فقط مشهد الاستقبال، ولا الصور التي ستبقى في ذاكرة الناس، وإنما أن تتحول هذه الزيارة إلى دافع جديد للعمل، وأن تتحول المشروعات إلى واقع أفضل، وأن يجد الشباب فرصًا أوسع، وأن تصبح المقومات الطبيعية والتاريخية للمنطقة مصدرًا مستدامًا للدخل والحياة؛ فالزيارة تنتهي، والموكب يغادر، لكن ما يبقى هو العمل.

وما ينتظره أبناء جنوب الشرقية في النهاية هو أن يروا أثر التنمية في بيوتهم وطرقهم وأعمالهم وخدماتهم، وأن يشعروا بأن المستقبل الذي تتحدث عنه الخطط أصبح شيئًا يرونه بأعينهم.

وهذا هو التحدي الحقيقي لأي زيارة ميدانية: أن تتحول مشاهدتها إلى قرارات، والقرارات إلى مشروعات، والمشروعات إلى حياة أفضل.

جنوب الشرقية اليوم تستقبل جلالة السلطان المعظم، وغدًا تواصل مسيرتها. وفي كلتا الحالتين تبقى الأرض هي الشاهد، ويبقى الإنسان هو الغاية، وتبقى عُمان هي الحكاية التي تجمع الجميع.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z