د. مرتضى بن جمعة بن عبدالله الخائط
في كل مرحلة من مراحل تطور العمل الحكومي، تتغير الأسئلة التي يحتاج طرحها حول الإنسان. واليوم ربما لم يعد السؤال الأهم هو: كم موظفًا نحتاج؟ بل: ما الذي نحتاج أن يكون الموظف قادرًا على القيام به خلال السنوات القادمة؟ فالحكومة التي تتغير خدماتها وتقنياتها وأولوياتها تحتاج بالضرورة إلى أن تتغير معها مهارات العاملين فيها.
ومن هنا، فإن الحديث عن حجم الجهاز الحكومي لا ينبغي أن ينفصل عن الحديث عن جودة رأس المال البشري وكيفية الاستفادة منه. فقد تحتاج جهة ما فعلًا إلى كفاءات جديدة، بينما تستطيع جهة أخرى معالجة جزء من احتياجاتها من خلال إعادة تأهيل موظفيها، أو إعادة توزيع الكفاءات، أو حتى إعادة تصميم بعض الوظائف وطرق العمل.
ومع توجه سلطنة عُمان نحو مستهدفات رؤية عُمان 2040، تتسارع هذه الحاجة فالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وتطور الخدمات ونمو القطاعات الاقتصادية الجديدة، كلها عوامل تغير طبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة. وهذا يعني أن التخطيط للقوى العاملة يجب ألا ينتظر ظهور الشاغر، بل يستبق الحاجة.
لذلك، يمكن أن يبدأ التخطيط الحكومي من سؤال أكثر دقة: ما المهارات التي ستحتاجها كل جهة خلال السنوات الخمس القادمة؟ ثم تقارنها بما لديها اليوم. ومن هذه المقارنة يمكن تحديد ثلاث حالات: وظائف تحتاج إلى استقطاب كفاءات جديدة، ومهارات يمكن تطويرها لدى الموظفين الحاليين، وقدرات موجودة بالفعل، ولكنها تحتاج إلى إعادة توظيفها في المكان الذي تحقق فيه قيمة أكبر.
وتشير تجارب دولية هنا إلى اتجاه متزايد نحو بناء خرائط للمهارات المستقبلية وربطها بتخطيط القوى العاملة والتعلم المستمر، بدل انتظار ظهور الوظيفة الشاغرة ثم البحث عن شاغلها. والمهم هنا ليس نقل تجربة خارجية كما هي، وإنما الاستفادة من فكرتها وتكييفها مع احتياجات البيئة العُمانية.
ومن الأفكار القابلة للتطبيق إنشاء خريطة وطنية للمهارات الحكومية تُحدّث بصورة دورية، وتوضح المهارات المتوافرة والفجوات الحالية والاحتياجات المتوقعة. ويمكن أن تساعد هذه الخريطة الجهات في قرارات التوظيف والتدريب وإعادة توزيع الكفاءات، كما يمكن أن تكون أساسًا أكثر دقة لتوجيه الإنفاق على تنمية الموارد البشرية.
وقد نحتاج أيضًا إلى الانتقال من مفهوم «التدريب عند الحاجة» إلى الاستثمار في المهارة قبل الحاجة إليها. فإذا كانت مهارات مثل الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والأمن السيبراني وإدارة المشاريع الرقمية ستصبح أكثر حضورًا في العمل الحكومي، فلماذا ننتظر حتى تظهر الفجوة؟ يمكن إعداد الموظفين مبكرًا ليكونوا جزءًا من التحول، بدل أن يصبحوا مجرد متلقين له.
وهنا يأتي دور القطاع الخاص. فالحكومة لا تحتاج إلى بناء كل الخبرات داخل مؤسساتها. يمكن للجامعات، والمؤسسات التدريبية، والشركات التقنية، والخبراء المتخصصين أن يكونوا شركاء في تحديد المهارات، وتصميم مسارات تطويرها، وتوفير فرص التطبيق العملي. وبذلك تتحول المؤسسات التدريبية الخاصة من مجرد مقدم للبرامج إلى شريك في بناء المهارات الوطنية.
كما يمكن أن تتغير طريقة قياس التدريب نفسه؛ فبدل السؤال عن عدد الدورات والمتدربين، يمكن أن نسأل: ما المهارات التي اكتسبت؟ وكم منها طُبق في العمل؟ وما الأثر الذي أحدثته على جودة الخدمة أو سرعة الإنجاز أو الإنتاجية؟ عندها يصبح التدريب مرتبطًا بالنتيجة وليس بالنشاط.
ومن وجهة نظري، لا أعتقد أن التحدي يكمن دائمًا في نقص الكفاءات. أحيانًا تكون الكفاءة موجودة، لكننا لا نكتشفها في الوقت المناسب، أو لا نضعها في الموقع الذي تستطيع أن تضيف فيه أكبر قيمة. وهنا يبدأ دور الموارد البشرية الحقيقي: ليس فقط في شغل الوظيفة، وإنما في اكتشاف القدرة وتوجيهها.
في النهاية، لا نحتاج إلى حكومة بعدد أكبر من الموظفين أو بعدد أقل منهم كهدف بحد ذاته، وإنما إلى حكومة تمتلك المهارات المناسبة في المكان والوقت المناسبين.
وهذا هو التحول الذي يستحق أن نعمل عليه: أن يصبح تخطيط المهارات جزءًا من التخطيط الحكومي، وأن يصبح الموظف شريكًا في التطوير والقطاع الخاص شريكًا في بناء القدرات، والتدريب وسيلة لتحقيق أثر قابل للقياس. عندها يصبح الاستثمار في الإنسان أحد أهم الأدوات لتحويل مستهدفات رؤية عُمان 2040 إلى نتائج، ومن الوظائف إلى قيمة مضافة للاقتصاد والمجتمع.
