هدى علي **
في واشنطن لا تبدو زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ مجرد محطة دبلوماسية جديدة، ولا مجرد صورة تجمع زعيمي أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم.
فعندما يصل الرئيس شي إلى واشنطن اليوم الأربعاء للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض في اليوم التالي، ستكون العلاقة بين البلدين محمّلة بملفات تتجاوز التجارة إلى المعادن الحيوية والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد، فيما تبقى تايوان والشرق الأوسط حاضرين في الخلفية الاستراتيجية للمشهد، وقد أكدت الإدارة الأميركية أن ترامب سيستقبل شي شخصيًا في قاعدة أندروز قبل مراسم الاستقبال الرسمية والمحادثات في البيت الأبيض.
لكن أهمية القمة لا تكمن فقط في حجم الملفات المطروحة، بل في قدرة الطرفين على إبقاء المنافسة تحت سقف التوتر، ومنعها من الانزلاق إلى مواجهة يصعب احتواؤها.
بين التهدئة والمساومة
تأتي الزيارة في لحظة تبدو فيها العلاقات الأمريكية الصينية أكثر هدوءًا مما كانت عليه خلال ذروة الحرب التجارية، لكنها لا تبدو مستقرة بالكامل؛ فالمفاوضات التي سبقت القمة ركزت على التجارة والرسوم الجمركية والمعادن الحيوية والتكنولوجيا، بينما تقترب الهدنة التجارية القائمة من محطة حاسمة، وتبحث واشنطن وبكين أيضًا في خفض بعض الرسوم على سلع غير استراتيجية، وتفعيل آليات للحوار الاقتصادي، إلى جانب معالجة الخلافات المتعلقة بالمعادن والتكنولوجيا.
وبذلك لا تبدو القمة محاولة لإنهاء الخلافات بقدر ما تبدو اختبارًا لقدرة الطرفين على إدارتها.
واشنطن تريد مكاسب تجارية ملموسة وتحسين شروط وصول منتجاتها إلى السوق الصينية، فيما تسعى بكين إلى بيئة أكثر استقرارًا لتجارتها وشركاتها، والحد من استخدام القيود الاقتصادية والتكنولوجية في المنافسة الاستراتيجية.
إنها في جوهرها مساومة على قواعد المنافسة أكثر من كونها محاولة لإنهاء المنافسة نفسها.
المعادن الحيوية.. ورقة لا يمكن تجاهلها
وراء أرقام التجارة يوجد ملف أكثر حساسية: المعادن الحيوية والنادرة؛ حيث تمتلك الصين موقعًا مركزيًا في سلاسل توريد ومعالجة عدد من هذه المعادن، التي تدخل في صناعات تمتد من السيارات الكهربائية والالكترونيات إلى الطاقة والتقنيات المتقدمة.
ولهذا تحولت المعادن النادرة من ملف تجاري إلى جزء من معادلة الأمن الاقتصادي والقومي، خصوصًا مع اعتماد صناعات استراتيجية على إمدادات مستقرة منها.
ومن هنا فإن أي تفاهم بين واشنطن وبكين بشأن تدفق هذه المواد أو القيود المرتبطة بها قد تتجاوز أهميته قيمة أي صفقة تجارية منفردة؛ فالولايات المتحدة تريد ضمانات بشأن استمرار الإمدادات، بينما تملك الصين نفوذًا مهمًا في هذه السلاسل، ما يجعل الملف أحد أبرز أوراق التفاوض في العلاقة الثنائية.
الذكاء الاصطناعي.. منافسة تتجاوز الاقتصاد
على الطاولة أيضًا ملف يرتبط بالمستقبل بقدر ارتباطه بالحاضر: الذكاء الاصطناعي؛ فالولايات المتحدة والصين لا تتنافسان فقط على تطوير النماذج والشركات، بل على موقع متقدم في تكنولوجيا يُتوقع أن تؤثر في قطاعات واسعة من الاقتصاد والصناعة والأمن.
ولهذا فإن الحديث عن التعاون في الذكاء الاصطناعي يصطدم بحقيقة أن الطرفين ينظران إلى التكنولوجيا المتقدمة باعتبارها جزءًا من القوة الاستراتيجية، وليس مجرد قطاع اقتصادي منفصل عن اعتبارات الأمن القومي.
ومع ذلك تبدو هناك مساحة محدودة للتعاون في إدارة المخاطر، فقد بحث الجانبان إنشاء حوار خاص بالذكاء الاصطناعي وآلية للإبلاغ عن الحوادث التي قد تحمل تداعيات على الأمن القومي. وفي المقابل تستمر الخلافات حول القيود الأمريكية على التكنولوجيا المتقدمة والمنافسة على التفوق التقني.
وهنا قد يكون التفاهم العملي حول إدارة المخاطر أسهل من التوصل إلى قواعد شاملة تنظم المنافسة التكنولوجية.
تايوان.. الملف الذي لا يغيب
مهما اتسعت أجندة القمة تبقى تايوان واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقة الأمريكية الصينية؛ فالجزيرة تمثل نقطة احتكاك استراتيجية بين واشنطن وبكين، وأي إشارة تصدر عن أحد الطرفين بشأنها يمكن أن تُقرأ باعتبارها رسالة تتجاوز حدود الاجتماع نفسه.
وليس ضروريًا أن تتحول تايوان إلى بند تفاوضي مُعلن حتى تكون حاضرة في حسابات الطرفين، فالموقف الأمريكي من أمن الجزيرة ومبيعات الأسلحة إليها، والموقف الصيني الرافض لأي خطوات باتجاه استقلالها، كلها عناصر أساسية في المعادلة التي تحكم العلاقة.
لذلك قد يكون ضبط اللغة في هذا الملف أكثر أهمية من إطلاق تصريحات كبيرة، خصوصًا في قضية يمكن أن تتحول فيها الكلمات نفسها إلى رسائل استراتيجية.
الشرق الأوسط في الخلفية
ولن تكون القمة أمريكية صينية بالمعنى الاقتصادي فقط؛ فالاضطرابات في الشرق الأوسط وعلاقة بكين بطهران وموقع الصين في أسواق الطاقة العالمية، كلها عوامل يمكن أن تحضر في خلفية المحادثات، حتى إذا لم تتحول إلى محور رسمي لها.
وتكتسب هذه الملفات أهمية إضافية في ظل استمرار التوترات الإقليمية التي تجعل العلاقة بين واشنطن وبكين مرتبطة بصورة متزايدة بأزمات تتجاوز حدود التنافس الثنائي.
وقد لا ينتج عن القمة تفاهم سياسي واسع في هذه الملفات، لكن استمرار قنوات الاتصال بشأنها يظل جزءًا من محاولة منع الخلافات الدولية من التحول إلى أزمات إضافية بين القوتين.
البروتوكول أيضًا يحمل رسائل
حتى تفاصيل الاستقبال تحمل دلالاتها؛ فمن المقرر أن يستقبل ترامب نظيره الصيني شخصيًا عند وصوله إلى قاعدة أندروز اليوم 23 سبتمبر، قبل مراسم الاستقبال الرسمية في البيت الأبيض في اليوم التالي إلى جانب لقاءات ثنائية وعشاء دولة.
قد تبدو هذه التفاصيل هامشية أمام الملفات الاقتصادية والاستراتيجية، لكنها في الدبلوماسية ليست كذلك؛ فالاستقبال، والمصافحة، ونبرة الخطاب، ومظاهر التكريم، كلها إشارات تُقرأ بعناية عندما يتعلق الأمر بعلاقتين بين قوتين لا تريد أي منهما أن تظهر في موقع التراجع.
لكن من المهم التمييز بين الإشارات البروتوكولية والتنازلات السياسية، فرفع مستوى الاستقبال يعكس أهمية الزيارة والرغبة في إبقاء قنوات العلاقة مفتوحة، لكنه لا يعني بالضرورة استعداد أي من الطرفين للتراجع في الملفات الجوهرية.
قمة لإدارة المنافسة لا لإنهائها
من هنا قد يكون من الخطأ انتظار اتفاق تاريخي يعيد رسم العلاقة الأمريكية الصينية من الصفر.
فالمسار الذي سبق القمة يشير إلى تركيز أكبر على تحقيق تفاهمات عملية، تثبيت الهدنة التجارية أو تمديدها، معالجة الخلافات حول المعادن الحيوية، توسيع الحوار في مجال الذكاء الاصطناعي، وربما خفض بعض الرسوم على السلع غير الاستراتيجية.
وفي الوقت نفسه تبقى ملفات التكنولوجيا وتايوان والأمن القومي ضمن القضايا التي يصعب فصلها عن جوهر المنافسة بين البلدين؛ فالولايات المتحدة لا تريد التخلي عن قدرتها على المنافسة، والصين لا تبدو مستعدة للتراجع عن موقعها المتنامي في الاقتصاد والتكنولوجيا العالميين، وبين هذين الموقفين تصبح الدبلوماسية وسيلة لتنظيم التنافس وتقليل مخاطره لا لإلغائه.
وربما تكون الرسالة الأهم من لقاء واشنطن أن السؤال لم يعد فقط، من سيتفوق في المنافسة الأمريكية الصينية؟ بل كيف تستطيع القوتان إدارة هذه المنافسة دون أن تتحول إلى صراع تدفع الأسواق الدولية وحلفاء الطرفين والاقتصاد العالمي كلفته؟
قد لا تُقدِّم قمة واشنطن إجابة نهائية عن هذا السؤال، لكنها ستكشف حجم المساحة التي لا تزال متاحة أمام القوتين للتفاهم، وحدود التنافس الذي يمكن احتواؤه قبل أن يتحول إلى مواجهة يصعب ضبطها.
** صحفية سورية
** يُنشر بالتعاون مع مركز الدراسات الآسيوية والصينية في لبنان
