الأبيض والأسود في المجتمع الخليجي.. أين اختفت بقية الألوان؟

 

 

 

محمد أنور البلوشي **

هل هي مشاهداتي فقط، أم من مشاهداتكم أيضًا، وهي حكاية "اللون" بين الأبيض والأسود؟ ألم تلاحظوا أن المشهد العام في كثير من مجتمعات الخليج يبدو وكأنه اتفق، دون اتفاق مكتوب، على لونين أساسيين؟ الأبيض في لباس الرجال، والأسود في لباس النساء. ولكن أين نجد بقية الألوان؟ أين الأصفر والأزرق والأخضر والبني والرمادي والأحمر والفضي والذهبي؟ وأين تلك الدرجات التي لا تنتهي بين لون وآخر؟

لا أكتب هنا ضد الأبيض ولا ضد الأسود؛ فالأبيض جميل، يحمل في الذاكرة معاني الصفاء والنظافة والبساطة، والأسود له هيبته وأناقته وعمقه. كما أن اللباس الخليجي جزء من الهوية والتاريخ والذوق الاجتماعي الذي تشكّل عبر أجيال. لكن السؤال الذي يشغلني هو لماذا لا نعطي الألوان الأخرى مساحة أكبر في حياتنا وملابسنا ومدننا وبيوتنا؟

فاللون ليس مجرد شيء تراه العين، بل تجربة يشعر بها الإنسان. نحن لا نعيش بالأرقام والكلمات وحدها، بل نعيش أيضًا بالأشكال والروائح والأصوات والألوان. وقد اهتم علم النفس منذ زمن بعلاقة الألوان بالمشاعر والانتباه والإدراك. صحيح أن تأثير اللون ليس قاعدة ثابتة تنطبق على كل إنسان بالطريقة نفسها، لأن الثقافة والذاكرة والتجربة الشخصية تلعب أدوارًا مهمة، لكن من الصعب إنكار أن البيئة البصرية المحيطة بنا تؤثر في مزاجنا وفي الطريقة التي نستقبل بها المكان والحياة.

انظروا إلى الطبيعة نفسها. لماذا لم تكن الأشجار بلون واحد، والزهور بلون واحد، والسماء والبحر والصحراء والجبال بلون واحد؟ الطبيعة لا تخاف من التنوع. الأزرق يمنحنا إحساسًا مختلفًا عن الأحمر، والأخضر يترك في النفس أثرًا مختلفًا عن الرمادي، والأصفر يلفت العين بطريقة لا يفعلها البني. وربما تكمن روعة الألوان في اختلافها، كما تكمن روعة الموسيقى في اختلاف النغمات.

وإذا كانت الطبيعة تحتفل بالألوان، فلماذا لا نفعل نحن ذلك بصورة أكبر؟ تخيلوا مجلسًا أو شارعًا أو جامعة أو سوقًا خليجيًا تتحرك فيه الألوان بانسجام. رجل يرتدي لباسًا تقليديًا بلون أزرق هادئ، وآخر بدرجة رمادية أنيقة، وثالث بلون بني مستوحى من الأرض والصحراء. وامرأة ترتدي لباسًا أخضر أو أزرق أو خمريًا أو بنفسجيًا بتصميم يحافظ على الهوية والاحتشام والأناقة. ألن يصبح المشهد أكثر حياة؟

ولعل تجربة بعض المدن حول العالم تجعلنا نفكر في علاقتنا بالألوان. في تونس، على سبيل المثال، نجد في سيدي بوسعيد ذلك الحوار الجميل بين الأبيض والأزرق. الأبيض في الجدران، والأزرق القوي في الأبواب والنوافذ، حتى أصبح اللون جزءًا من شخصية المكان وذاكرته. وفي أماكن أخرى نرى البيوت الصفراء والحمراء والخضراء وكأن المدينة نفسها ترتدي ثوبًا.

الألوان قد تكون أيضًا لغة اجتماعية. فالإنسان حين يختار لونًا أو تصميمًا معينًا فإنه يعبّر، ولو جزئيًا، عن ذوقه وشخصيته ومزاجه. وعندما يتيح المجتمع مساحة أوسع للاختلاف في الألوان والتصاميم، فإنه يمنح الفرد مساحة أكبر للتعبير عن ذاته. وهنا لا أتحدث عن تقليد الغرب أو الشرق، ولا عن التخلي عن هويتنا الخليجية، بل ربما العكس تمامًا. لماذا لا نصنع نحن فلسفتنا الخاصة في الألوان؟

لدينا في الخليج ثروة لونية هائلة أصلًا. لدينا زرقة بحر عُمان والخليج العربي، وخضرة الجبال والواحات، وذهبية الرمال، وبُني الجبال، وحمرة الغروب، وألوان الأسواق القديمة والأبواب والنقوش والسجاد والمنسوجات التقليدية. فلماذا لا تنتقل هذه الثروة البصرية بصورة أكبر إلى ملابسنا ومبانينا ومكاتبنا ومدارسنا وأماكننا العامة؟

وقد يكون للتنوع البصري أثر يتجاوز الجمال. البيئة الغنية بالألوان والتصاميم يمكن أن تحفز الملاحظة والخيال والفضول، خصوصًا عندما تكون الألوان مدروسة وليست عشوائية. فالإنسان الذي يعيش وسط تنوع بصري يتعلم، بطريقة غير مباشرة، أن الجمال لا يأتي من شكل واحد، وأن الاختلاف لا يعني الفوضى. ربما لهذا السبب تصبح الألوان درسًا صغيرًا في قبول التنوع نفسه.

المجتمع الجميل ليس بالضرورة المجتمع الذي يرتدي ألوانًا كثيرة، كما أن المجتمع المحافظ ليس بالضرورة مجتمعًا بلون واحد. يمكننا أن نحافظ على هويتنا ونضيف إليها. ويمكن أن تبقى الدشداشة والعباءة وكل تفاصيل لباسنا الخليجي حاضرة، ولكن بألوان وتصاميم ومساحات إبداعية أوسع.

فلماذا لا نفتح النوافذ قليلًا للألوان؟ ربما نحتاج أحيانًا إلى الأزرق ليمنح العين هدوءًا، وإلى الأخضر ليذكرنا بالطبيعة، وإلى الأصفر ليوقظ المكان، وإلى الأحمر ليمنحه شيئًا من الحيوية، وإلى الذهبي ليضيف إليه دفئًا. فالحياة، في النهاية، ليست أبيض وأسود فقط. وبين هذين اللونين عالم كامل من الألوان ينتظر أن نراه، وربما عندما نسمح لأعيننا أن ترى ألوانًا أكثر، نسمح لعقولنا أيضًا أن ترى الحياة بطرق أكثر.

** محاضر الاقتصاد بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z